مَنْ يردَع مَنْ؟ سؤال القوة في شرقٍٍ يتبدّل

القراءات التي تحصر الحدث في سؤال الردع الموضعي، وفي معادلات الضربة والرد، تبقى عند حافة المشهد. نحن أمام حرب تتجاوز حسابات الصاروخ والهدف، إلى صراع على المعنى الجيوسياسي للمنطقة كلها: من يملك حق رسم الحدود المقبلة للنفوذ؟ من يدخل إلى النظام الإقليمي الجديد كقوة مقرِّرة؟ ومن يجلس على هامشه كقوة مستهلكة للأزمات؟
هذه حرب حياة ووجود، بمعناها الاستراتيجي العميق. إسرائيل تخوضها وهي تسعى إلى تثبيت تفوقها بعد صعودها الإقليمي منذ الاتفاقيات الإبراهيمية، وإيران تخوضها وهي تريد تحويل قدرتها على الصمود والرد إلى رأسمال سياسي في أي اتفاق مقبل. أما أميركا فتتحرك بين حاجتها إلى ضبط الحليف الإسرائيلي، ورغبتها في حصاد تسوية تمنع انفجار الخليج، وتحفظ خطوط الطاقة، وتقدّم للرئيس الأميركي صورة القادر على إدارة النار من بعيد.
هنا تظهر القاعدة الأولى في الاستراتيجية: الردع قيمة سياسية قبل كونه قدرة عسكرية. الصاروخ وحده يصنع أذى، أما المعادلة فتصنع موقعًا. لذلك تبحث الأطراف عن أثر الضربة في وعي الخصم، وفي حسابات الحلفاء، وفي خريطة التفاوض.
القاعدة ثانية تقول: الحرب التي تبدأ من الميدان تنتهي على طاولة المعنى. كل طرف يريد أن يدخل التفاوض حاملًا روايته: إسرائيل تريد القول إنها ما زالت صاحبة اليد العليا، وإيران تريد القول إن زمن الضربة المجانية انتهى، وواشنطن تريد القول إن القرار الأخير يمر عبرها.
تجربة السابع من تشرين/أكتوبر 2023 فتحت الباب على تحوّل أوسع: إسرائيل اكتشفت أن التفوق العسكري حين يطول استعماله يفقد شيئًا من رهبته، وأن الصورة الإقليمية التي بنتها عبر التطبيع والاختراق الأمني والتكنولوجي تحتاج إلى حماية أميركية دائمة.
إيران اكتشفت أن الصبر الاستراتيجي يتحول إلى عبء حين يقرأه الخصم كفرصة تمدد، فذهبت إلى بناء ردّ محسوب يرفع الكلفة، ويحافظ على باب السياسة مفتوحًا.
يصلح هنا قول كلاوزفيتز: الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى. وتصلح حكمة صن تزو: كسر إرادة الخصم أعلى من سحق جيشه. أما شيلينغ، في منطق الإكراه والردع، فيعلّمنا أن القوة الأعظم هي القدرة على جعل الخصم يحسب الخسارة قبل الفعل.
وفق هذه القواعد، تصبح الضربة رسالة، والهدنة رسالة، والتأخر في الرد رسالة، وحتى ضبط الحليف رسالة.
انكشاف محدودية قدرة بنيامين نتنياهو على جر واشنطن في زمن دونالد ترامب إلى حرب مفتوحة يحمل دلالة كبرى. فإسرائيل التي تمددت منذ الاتفاقيات الإبراهيمية كأنها مركز إقليمي صاعد، تصطدم الآن بسقف الراعي الأميركي وبحدود قابلية المنطقة للاشتعال الشامل. لقد تمدد النفوذ الإسرائيلي بسرعة، وراكم فائض ثقة، وأعتقد أن كل تصعيد يمكن ترجمته إلى مكسب. غير أن شريط المطاط حين يبلغ مداه يبدأ بتهديد اليد التي تشده.
لهذا، فالسؤال الحقيقي اليوم يتجاوز: مَنْ ردعَ مَنْ؟ السؤال الأعمق: من سيخرج من جولة الأربعين يومًا حاملًا مفتاح الإقليم القادم؟ إسرائيل تبحث عن ترميم هيبة؛ إيران تبحث عن تثبيت اعتراف؛ أميركا تبحث عن صفقة؛ العالم يراقب ممرات الطاقة والبحار والموانئ كأنها أعصاب النظام الدولي.
في مثل هذه اللحظات، تُقاس الدول بقدرتها على تحويل النار إلى موقع، والدم إلى شروط، والخسارة إلى لغة تفاوض.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أرمينيا وأذربيجان.. صراع يهدد الناتو وأسواق النفط
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  هل فجّر ترامب.. "ثورة إسلاميّة" جديدة في المنطقة؟