عندما يتخذ الخطاب السياسي طابعًا حادًا أو تعميميًا، ينتقل تلقائيًا من كونه نقدًا موجّهًا إلى فاعل سياسي، إلى كونه استهدافًا يُفهم على أنه موجّه إلى جماعة بأكملها. وفي هذه الحالة، لا يُستقبل الخطاب داخل البيئة الشيعية بوصفه نقاشًا حول السياسات أو الخيارات، بل كتهديد رمزي للهوية والدور. وهذه النقلة في الإدراك تُنتج استجابة جماعية تقوم على تقليص الخلافات الداخلية وتقديم أولوية “الحماية المشتركة”، حيث يتراجع النقد الداخلي أمام شعور عام بضرورة التماسك.
وتُظهر أدبيات علم الاجتماع السياسي أن الجماعات التي تشعر بتهديد خارجي تميل إلى تعزيز تماسكها الداخلي، وهو ما ينطبق بوضوح على الحالة اللبنانية. فالخطاب الهجومي ضد حزب الله يرفع منسوب التضامن داخل البيئة الشيعية، ويعيد تأكيد شرعية الفاعل السياسي بوصفه “درعًا جماعيًا”، كما يدفع إلى تأجيل أو كبح النقد الداخلي لصالح وحدة الموقف. وهنا تتجلى المفارقة؛ إذ إن الحملات التي تهدف إلى إضعاف الحزب قد تفضي إلى نتائج معاكسة، فبدلًا من تفكيك قاعدته الاجتماعية، تسهم في إعادة شدّها، وبدلًا من خلق مسافة بينه وبين بيئته، تعيد دمجه فيها عبر منطق الدفاع المشترك.
ويتضاعف هذا الأثر في الفترات التي تلي الحروب، حيث تكون المجتمعات أكثر هشاشة وحساسية. ففي لبنان، تُترجم الخسائر البشرية والضغوط الاقتصادية والشعور بالحصار استعدادًا أكبر لتلقي الخطاب العدائي بوصفه امتدادًا للصراع، لا تحليلًا له، ما يجعل أي تصعيد لغوي محفزًا إضافيًا للتماسك بدل أن يكون مدخلًا للمراجعة. هنا تتأجل الأسئلة مجددًا ونجد أنفسنا أمام تماسك مجتمعي سريع التشكّل وعالي الشحنة العاطفية، لكنه ليس بالضرورة دائمًا. إذ ما إن تهدأ حدّة التوتر حتى تعود الأسئلة الداخلية المرتبطة بالاقتصاد والاجتماع والإدارة والقرار السياسي إلى الواجهة، كاشفة أن ما جرى تأجيله لم يُلغَ.
وفي المحصلة، يكشف هذا المسار أن الخطاب السياسي، حين ينزلق إلى التعميم أو يستدعي ثنائيات هوياتية حادة، يفقد قدرته على التأثير النقدي العميق، ويتحول إلى عامل تعبئة مضاد يُعزّز تماسك الخصم. وعلى العكس من ذلك، يبقى النقد الذي يحافظ على طابعه السياسي والمؤسساتي أكثر قدرة على إحداث أثر تراكمي داخل البيئات المعنية، لأن قوة الخطاب لا تُقاس بحدّته، بل بقدرته على الفصل بين الاختلاف السياسي والاستهداف الجماعي، وهو فصل يُحدّد، في النهاية، ما إذا كان التأثير تفكيكيًا أم توحيديًا.
