حين يتحول المراهق إلى أداة في مسرح الاصطفاف السياسي

اعتاد الشعب اللبناني مشاهدة البرامج الحوارية التلفزيونية، حيث يُستضاف فيها سياسيون ومحللون في مشهد من الاصطفاف يبدأ بالإدلاء بالرأي الصريح وصولًا إلى التناحر والتحريض والتدافع بالأيدي أحيانًا، ولكن ما برز مؤخرًا هو زجّ المراهقين في هذا الاصطفاف ودفعهم نحو مسرح التمثيل السياسي وتنصيبهم على منابر تضج بالصراخ المتفلت.

قد يكون “رسّّامو السياسة العميقة”، قد علموا أن الجمهور سئم من خطاب الكبار، وبالتالي عليهم تغيير تلك الوجوه بوجوه أخرى تحمل نبضًا مختلفًا وأثرًا أقوى، ما قد يترك صدى أوسع على الجمهور، وخصوصًا على الفئة الشابة التي يُنتظر منها حمل الراية، معتمدين بذلك على حاجة المراهق غير المشبعة إلى البحث عن مكانة الذات والظهور للعلن.

في المقاربة العلمية لمرحلة المراهقة، اهتم السيكولوجيون بهذه المرحلة العمرية الانتقالية، وسُمّيت بمرحلة المراهقة، ويُشتق المصطلح من اللغة اللاتينية ومعناه “كبر”، وفي اللغة العربية يعني “الدنو”، ويشكل البلوغ المظهر البيولوجي الأساس لها.

وصف البعض هذه المرحلة بالعاصفة، وآخرون بالأزمة، ومنهم من لم يجدها مرحلة أزمة إلا إذا أراد لها المجتمع ذلك. ستانلي هول، الذي يُعتبر أب علم نفس المراهقة، طرح فكرة أن المراهقة مرحلة عاصفة وتوتر، أما إريك إريكسون فوجد أن جوهر هذه المرحلة هو البحث عن الهوية. وبيّنت مارغريت ميد في أبحاثها أنها ليست ثابتة في كل المجتمعات، أما جان بياجيه فأشار إلى تحديات وتغيرات بيولوجية ونفسية تقع على المراهق، ما يؤدي إلى سلوك مندفع، وسماها بمرحلة فقدان التوازن، لكنها أيضًا مرحلة التفكير المجرد والمنطقي الناتج عن النضج البيولوجي والخبرات البيئية. وربط سيغموند فرويد المراهقة بالنضج الجنسي والصراعات النفسية الداخلية. أما كارل روجرز فحسم الموضوع بأن المراهقة فترة من التحولات النفسية والجسدية العميقة تمتد من سن البلوغ حتى سن العشرين.

ولا تزال التساؤلات قائمة حتى يومنا هذا: هل هي أزمة تحول بيولوجي–جنسي–نفسي، أم أنها مرتبطة بالعوامل الاجتماعية؟

في المجتمعات المحافظة، هناك جهود يبذلها المراهق كونه ما زال بين عالم الطفولة، إلا أنه لا يمكنه البقاء هناك تحت ضغط المعايير الاجتماعية والتحولات الجسمانية–البيولوجية، وإنما عليه أن يرمي بنفسه في عالم الكبار دون تمهل حتى لا يطاله النعت، إذ ما زالت مفردة “المراهقة” شماعة يُعلَّق عليها كل من اتسم سلوكه بالتهور مهما بلغ سنه.

التماهي الجماعي

ما يُعرف عن مرحلة المراهقة أنها مرحلة بناء الهوية وتشكلها من خلال التماهيات التي يلحظها المراهق وتنال إعجابه (أشخاص، معتقدات، إيديولوجيات)، وهذه العمليات في جوهرها لاواعية تحدث داخل العقل الباطن، لكنها تتضمن درجات متفاوتة من الوعي.

سابقًا كنت أحذر، كنفسانية، من خطورة تماهي المراهق بالآخر، بالمجتمع الغربي مثلًا، الذي لا يتطابق ثقافيًا ولا قيميًا أو عقائديًا مع السائد في المجتمع الشرقي.

ومثال على ذلك، وليس ببعيد، فقد تبيّن من خلال معاينة شواهد عدة ما يشبه التداعي اللاواعي بين مراهقات أقدمن على الانتحار بتأثير من عمليات التماهي في التقليد والمحاكاة لأساليب وطرق الإقدام على إنهاء حياتهن، بدليل وجود عبارات وأساليب متشابهة تشير إلى وجود تماهٍ ومحاكاة للمنتحرات. وتأسيسًا على ذلك، يمكننا إطلاق التحذير نفسه من عمليات التماهي والمحاكاة وتداعي الخطاب المسيء للآخر.

وجدير بالذكر أن التماهي هو عملية نفسية–اجتماعية يذوب فيها الفرد جزئيًا داخل جماعة أو هوية جماعية أو إيديولوجيا معينة، فيتبنى أفكارها وسلوكها وقيمها ليشعر بالأمان الناتج عن الانتماء والاعتراف به، وهذا يحدث بقوة في مرحلة المراهقة كون الهوية الشخصية ما تزال في طور التشكل.

يبدأ التماهي عادة بشكل تدريجي منذ الطفولة المبكرة، لكنه يصبح أوضح بين سن الثالثة والسابعة، ثم يقوى أكثر في سن المراهقة. ففي سن الثالثة إلى السابعة يقلد الطفل الأهل والإخوة الأكبر سنًا في الكلام والسلوك، أما بعد ذلك فيبدأ بالبحث عن قدوة خارج المحيط مثل المعلمين والمشاهير المحببين لديه.

وفي سن المراهقة يصبح التماهي جزءًا من تكوين الهوية، فيحاول المراهق البحث عن نفسه عبر التشبه بمن يُعجب بهم، وهو أمر طبيعي إلى حد ما، إلى أن يبدأ المراهق بفقدان قدرته على التمييز بين شخصيته الحقيقية وبين ما يراه عند الآخرين، وهنا تحديدًا تكمن الخطورة حين يتحول الإعجاب إلى ذوبان كامل في خطاب الجماعة وهويتها وصراعاتها.

لا بد من الإشارة إلى أن التماهي ليس دائمًا سلبيًا، فهي سلسلة عمليات قد تستمر طويلًا وتساعد المراهق، كما الطفل، على التعلم واكتساب النضج، خصوصًا إذا كانت القدوة المتماهى بها ذات تأثير إيجابي. وقد يظهر في عمليات التماهي شيء من التمرد الذي قد يقود نحو مكانة ومستقبل أفضل.

أما عمليات التماهي الجماعي فتتشكل عبر عدة عوامل متداخلة، وقد أصبحت أكثر تعقيدًا مع دخول وسائل التواصل الاجتماعي، كون تلك المنصات الرقمية تضخم الظواهر عبر آلية التكرار المستمر للصور والأفكار والأشخاص، وبخاصة حين يصبح المحتوى “ترنداً” أو “مؤثرًا”، ومحكومًا بخوارزميات تجمع المتشابهين، ما يدفع المراهق إلى الانخراط في عمليات التماهي خوفًا من العزلة الرقمية أو حين ترتبط قيمته الشخصية برأي الجماعة.

إقرأ على موقع 180  هشاشة الامبراطوريات.. ومجتمعات اللادولة

المخاطر الداهمة

تكمن خطورة حشد المراهق في صراع الكبار حين يُدفع، قبل الجاهزية النفسية وضعف القدرة على الاختيار، نحو تشويه الحقائق وتوجيه بوصلته نحو معتقد ثابت أو هدف محدد دون أن يرى ما عنده وما عند الآخرين، ما يغيّب ملكة النقد بين ما هو صحيح ومنطقي وما هو ثابت لا جدال فيه، أو نحو قناعات تُبنى على أفكار عدوانية وخطاب متهور، ما يحول دون بناء هوية مستقلة لاحقًا، حيث يصبح في حالة من الاعتماد الكلي على المجموعة التي ينتمي إليها، وحالة من التقليد الأعمى دون فهم لسلوكه وخطابه.

والأخطر من ذلك أن المراهق الذي يُدفع مبكرًا إلى الاصطفاف الحاد قد يجد نفسه لاحقًا عاجزًا عن إعادة بناء ذاته خارج الانقسام الذي تشكل داخله، فيتحول الانتماء السياسي عنده إلى بديل عن الهوية النفسية والشخصية.

ولا بد من الأخذ بالحسبان أنه عندما يكون المراهق عرضة للمحتويات المسيئة كالتنمر مثلًا، ويُعاقب برسائل الشتم والصور المعدلة والمشوهة على أنواعها كما حدث مؤخرًا مع المراهقين الذين زُجّوا بخطاب الكبار، فهم عرضة لتراكم المشاعر السلبية التي قد تصل بهم إلى الانتحار.

بيئة نفسية وثقافية

المراهق بطبيعته في بحث مستمر عن منزلة اجتماعية مستقلة خارج إطار العائلة، ويميل إلى الاتصال بالكبار، وخصوصًا عندما يكون في بيئة يسودها التنكر وعدم الاعتراف بكيانه وقيمته التي يصبو إليها. وعليه، فالمنابر المرئية، ولو وُصفت بالهجينة، هي فرصة للخروج من العزلة والظهور لإثبات هويته الباحثة عن المرتبة الملائمة، كون المنابر مساحة للتعبير والحوار الموجّه له.

فالمراهق عادة يبحث عن الانتماء بهدف التعبير والشعور بالأمان، كما يبحث عن الاختلاف والمخالفة بالرأي بما يحقق له الاستقلال الذاتي.

لا شك أن الحروب والصراعات الداخلية قد أحدثت إرباكًا واسعًا في تحديد الأدوار، وبالتالي تحييد المراهقين كما الصغار.

إننا في مرحلة من الشدائد والتحديات التي تتطلب منا أعلى درجات الوعي والمتانة النفسية الفردية والمجتمعية، وعصر القوة الذي نعيشه لا يرحب إلا بأصحاب الكفاءة النفسية والذهنية أولًا، والاقتدار المعرفي ثانيًا.

من هنا، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على حماية المراهق من الاستغلال الإعلامي والسياسي فقط، بل تمتد إلى بناء بيئة نفسية وثقافية تسمح له بتكوين وعيه بحرية ونضج بعيدًا عن التحريض والتوظيف والانقسام المبكر.

Print Friendly, PDF & Email
سلوى الحاج

أخصائية نفسية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  إرادةُ أن تكون نبيلاً.. بالعقل والعمل