ما بعد حرب إيران: تراجع الهيمنة الإسرائيلية.. وصعود توازنات جديدة

مع قرب التوصّل إلى مذكّرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة، أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منشور، إلى أنه تحدّث قبل الاتفاق مع قادة كلّ دول الشرق الأوسط المعنيّة بالأزمة، قبل أن يعود ويتحدث مع بنيامين نتنياهو.

يعتبر المراقبون أن قادة دول المنطقة باتوا بحاجة، وإن لأسباب مختلفة، إلى توضيحات حول المفاوضات الجارية «فوق رؤوسهم»، وربّما يحتاج نتنياهو إلى تبريرات للتراجع عن خيار مواصلة الحرب.

لكنّ ترامب، في الواقع، نطق عنهم، ولا سيما عن نتنياهو، بقوله: سواء أعجبهم أم لم يعجبهم، مبرّرًا ذلك بأنه في صدد توقيع ليس اتفاقًا، بل مجرد مذكّرة تفاهم.

ويرى جميع من تحدّث ترامب إليهم، حسب قوله، أن مذكّرة تفاهم بعيدة عن أهداف الحرب المعلنة تمثّل نقطة لصالح إيران، أياً تكن بنود المذكّرة، وحتى لو تضمّنت التزامات إيرانية عامة في الملفّ النووي.

ذلك يعني بالنسبة لهؤلاء «الشركاء» أن الولايات المتحدة هي التي تراجعت عن الإصرار على التوصّل إلى صفقة نهائية قبل وقف الحرب. كما يعني أن إيران ستكون في موقع قوي خلال مفاوضات تمتد بين 30 و60 يومًا. وفي حال فشل التفاوض، ستظلّ في موقعها القوي، حتى ولو لم يتم توقيع أي مذكّرة تفاهم.

من هنا بدأ الحديث عن واقع جديد في المنطقة، سيكون مختلفاً عن ذلك الذي حكم الخليج منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

الأسئلة التي تتضارب في رؤوس شركاء ترامب متعددة، وتدور كلها حول «الجار الإيراني».

في حال التقدّم نحو الاتفاق النهائي خلال الأيام الستين، هل تكون إيران قد تحرّرت من سلّة العقوبات وخناق الحصار؟

فإيران ظلّت منذ عام 1979 معرّضة لسلسلة من «الأحداث التاريخية»، بدءًا من الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988)، مرورًا بسلسلة الاغتيالات التي عانت منها وطالت خبراءها ومهندسيها، وصولًا إلى الحروب السيبرانية المتبادلة مع إسرائيل، ثم الحرب الإسرائيلية ـ الأميركية الأخيرة التي شُنّت عليها.

وكان المستهدف من هذه المعارك نظام طهران وقدرته على التمدد والنفوذ عبر الحدود باتجاه العالم الإسلامي.

وعلى الرغم من أنه يصعب التكهّن من الآن بما سيكون عليه شكل النظام الإقليمي بعد الاتفاق، والأدوار التي ستقوم بها الدول المعنيّة تحت مظلّته، إلا أن الأكيد أن هذا النظام سيعكس ميزان القوى القائم في لحظة توقيع مذكّرة التفاهم، ومفهومه أن أميركا وإسرائيل عجزتا عن تحقيق أهداف الحرب المعلنة بالقوة.

قسم من هذه الأهداف يطال إسرائيل؛ ففي حال تم التوصل إلى اتفاق، حسب التسريبات، تكون تل أبيب الخاسر الأول، في حين يمكن لواشنطن الخروج بمكاسب اقتصادية من المشاريع التي ستُطلق بعد الحرب، ولا سيما في قطاع الطاقة الإيراني، الذي لم تمانع طهران أصلًا، في أي تسوية كان يمكن أن تحصل قبل الحملة العسكرية عليها، أن تكون الولايات المتحدة طرفًا في استثماراته.

على أن خسارة إسرائيل ليست بالمعنى الذي تحاول هي الترويج له، أي أن التهديد وجودي، وإنما بمعنى إنهاء طموحاتها في الهيمنة على الشرق الأوسط وإقامة منظومة أمنية تحت سيطرتها، كما صرّح رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أمام اللوح الأخضر في الأمم المتحدة.

التحليلات التي تظهر من حين إلى آخر، في محاولة لتصوير «العهد الجديد في المنطقة» بأنه عهد سيطرة إيرانية على الخليج، بعيدة جدًا عن المبادئ الجيوسياسية.

فحكّام دول نفطية كبرى في الخليج، تضررت من الحرب، باتوا ينظرون باتجاه نوع من التعاون مع إيران، التي برغم كل ما يقال خرجت أقل قوة مما ظهرت عليه في بداية الحرب. وقد جاء الحصار البحري ليعيد التوازن بين طهران وواشنطن.

من هنا يمكن فهم بداية تحالف بين السعودية وتركيا وباكستان ومصر، وهي قوى «سنّية» يمكنها أن تفتح الأبواب أمام القوة «الشيعية» التي استطاعت الصمود.

هنا لا يجب أن يغيب عن بال المراقبين أن باكستان، الدولة النووية، تضم «أقلية شيعية» تُقدّر بحوالي 40 مليون نسمة، وهذا ما يفسّر دورها في المفاوضات الأميركية الإيرانية.

وسيكون من الطبيعي أن تكون إيران، بعد تحرّرها من الحصار والحروب، مشاركة في أكبر عملية إعادة هيكلة للمنظومة الأمنية في المنطقة، وأن تتحوّل العلاقات بينها وبين الجوار الخليجي إلى توجّه إيجابي.

بالطبع، توجد رهانات على محاولات إسرائيلية لاستهداف أي اتفاق ومنع طهران من استثمار نتائجه. كما أن الإمارات يُرجّح أن تستدرك وتعدّل موقفها، وذلك بالعودة للتموضع تحت المظلة السعودية، وهذا يعني أنها ستضع علاقتها الحميمة بإسرائيل تحت سجادة الواقعية الجيوسياسية كي لا تؤثر تلك العلاقة على مسار عودتها إلى واجهة “البيزنس” في الخليج.

(*) بالتزامن مع “أخباربووم

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أحد ضباط "الوحدة 8200" يصرخ: "هذا هو موريس" (عماد مغنية) (122)
بسام خالد الطيّارة

كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  قطر "تقتحم" لبنان بالرئاسة والغاز.. و"ترتيبات الجنوب"!