وحتى لو بقيت بعض امتدادات 8 و14 آذار، فإن التحالفين سقطا سياسياً وانتهى دورهما كإطارين حاكمين للمشهد. فتيار المستقبل لم يعد كما كان، والحزب التقدمي الاشتراكي أعاد تموضعه مراراً باتجاهات متعددة، في حين خرج التيار الوطني الحر من موقعه السابق إلى مساحة أكثر التباساً، فيما دخلت قوى جديدة إلى المشهد من دون أن تنجح في إنتاج معادلة بديلة. وبالتالي، تغيّرت طبيعة السؤال نفسه أكثر مما تغيّرت أسماء اللاعبين.
في ربيع عام 2005، شكّل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لحظة مفصليّة أعادت رسم الخريطة الداخلية. انقسم اللبنانيون يومها حول الوجود السوري والسيادة وسلاح المقاومة والعلاقة مع الخارج. كان الصراع يدور حول السلطة: من يحكم لبنان، ومن يملك شرعية تقرير تموضعه السياسي في الإقليم؟
اليوم، في ربيع 2026، صار النقاش أكثر تعقيداً وخطورة. المسألة تجاوزت الحكومة والأكثرية النيابية وشكل التسوية، ووصلت إلى جوهر الدولة وحدودها. هل الدولة هي المرجعية النهائية الوحيدة عند القرار المصيري، أم أنّه في داخلها قوة تمتلك شرعية موازية تتقدم عليها في لحظة الحرب والسلم، وفي تقرير أمن الجنوب والجنوبيين؟
هذا السؤال لا ينفصل عن إسرائيل، التي يراها فريق تهديداً دائماً يبرّر استمرار المقاومة بعد عجز الدولة عن حماية الحدود وردع الاعتداءات المستمرة، فيما يراها فريق آخر الذريعة الأكثر رسوخاً لتعليق اكتمال الدولة، بعدما تحوّل هذا الاستثناء مع الزمن إلى قاعدة جعلت قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات.
وبمعزل عن ارتباط حزب الله بإيران كورقة استراتيجية في صراع أكبر، وبغضّ النظر عمّا أفرزته معركة إسناد غزة، مروراً بتغيّر النظام في سوريا، والتصعيد الأميركي ـ الإسرائيلي تجاه إيران، وصولاً إلى معركة إسناد إيران، وما تكبّده حزب الله من خسائر بنيوية، وهو ما أعاد طرح الأسئلة حول قدرة معادلة الردع على الاستمرار، مع عودة مشهد السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من الجنوب، في صراع لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد، تبقى العقدة اللبنانية هنا: كيف تكتمل دولة وفي داخلها قوة أخرى تمتلك حق القرار المصيري؟
لبنان.. وأسئلته الأولى
هنا يعود لبنان إلى أسئلته الأولى، تلك التي اقترب منها ميشال شيحا وكمال جنبلاط وأنطون سعادة، كلٌّ من زاويته، وكأن الزمن السياسي يدور في حلقة مغلقة؛ تتغير الوجوه والتحالفات، وتبقى الأسئلة الجوهرية نفسها معلّقة من جيل إلى آخر.
ميشال شيحا رأى لبنان صيغة دقيقة قائمة على توازن الجماعات لا على الغلبة. قوة الكيان، في نظره، في هذا التوازن، وخطورته تبدأ عندما تشعر جماعة أنها أقوى من الدولة أو أوسع من العقد الوطني نفسه. من هذه الزاوية، يطلّ شيحا اليوم كمن يحذّر من اللحظة التي تشعر فيها جماعة داخل لبنان أنها أقوى من الدولة نفسها، لأن اختلال هذا التوازن هو بداية اهتزاز الكيان كله.
كمال جنبلاط اقترب من المسألة من باب الدولة العادلة، ورأى أن الطائفية تُعيد إنتاج الزعامة وتُعطّل قيام المؤسسات. غير أن تجربته لم تبقَ في حدود التنظير. فقد ركب موجة “الحركة الوطنية”، وراهن على تغيير النظام، ودعم العمل المُسلّح الفلسطيني تحت عنوان “تحرير فلسطين” وإعادة صياغة التوازن الداخلي. كانت النتيجة أن دخل لبنان في أتون حرب اهلية مدمرة، اختلط فيها الإصلاح بالسلاح، والعدالة بالمواجهة، والداخل بالخارج.
أما أنطون سعادة، فطرح سؤال حدود الكيان نفسه. بالنسبة إليه، لبنان بصيغته الطائفية الضيقة لا يكفي لإنتاج دولة حديثة مستقرة، لذلك دعا إلى إطار قومي أوسع. استدعاؤه هنا لا يعني أن حزب الله امتداد لفكره، فهذا اختزال غير دقيق. قيمته في هذا السياق أن السؤال الذي طرحه عن كفاية لبنان كإطار نهائي للقرار عاد بصيغة جديدة اليوم: هل يصدر القرار اللبناني من داخل الدولة وحدها، أم من معادلة أوسع تتجاوز حدودها؟
حزب الله بدأ من عنوان المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ثم اتّسع حضوره الإقليمي من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن، وصولاً إلى معادلات الإسناد في غزة وإيران. بهذا المعنى، لم يعد النقاش حول السلاح مرتبطاً فقط بحماية الجنوب، إنما بحدود الدور اللبناني في صراع إقليمي مفتوح. دفع لبنان أثماناً سياسية واقتصادية وأمنية باهظة، ودفعت بيئة الحزب نفسها كلفة مباشرة وقاسية على مدى عقود.
المفارقة أن لبنان اليوم يحمل شيئاً من مخاوف الثلاثة معاً. توازن شيحا مفقود، ودولة جنبلاط المدنية لم تُولد، وسؤال سعادة حول حدود الكيان والقرار عاد بلغة العصر. الانهيار المالي وشلل المؤسسات والعجز المُزمن عن إنتاج سُلطة مُستقرّة، كُلّها أعراض لخلل أعمق من أزمة حكم عابرة.
كأن المشهد يتحرك إلى الأمام، فيما الجوهر يرتد إلى الخلف.
على خط النار
في العام 2005، كان النزاع داخل الدولة. في العام 2026، صار النزاع على الدولة نفسها: من يملك القرار الأخير، ومن يُحدّد حدود الشرعية، ومن يدفع الثمن عندما تتجاوز المشاريع الكبرى قدرة البلد الصغير على الاحتمال.
المشكلة لم تعد في الانقسام نفسه، وإنما في تحوّله إلى جزء من الحياة اليومية اللبنانية. صار اللبناني يعيش مع دولة لا تحسم، وسُلطة لا تُقرّر، ومؤسسات لا تكتمل، كأن هذا هو الشكل الطبيعي للبلاد. الأخطر أن المؤقت طال حتى صار دائماً، والاستثناء استقر حتى بدا وكأنه القاعدة. عند هذه النقطة، يصبح السؤال الأهم: كيف اعتدنا العيش داخل الأزمة إلى هذا الحد، أكثر من البحث عن طريقة للخروج منها.
هنا تحديداً، يستعيد كلام الراحل حسين الحسيني، رئيس مجلس النواب الأسبق وأحد أبرز مهندسي اتفاق الطائف، معناه الأعمق حين دعا إلى “الانتقال من شرعية القوة إلى قوة الشرعية”. فالمعضلة اللبنانية لم تكن يوماً في وجود القوة وحدها، بل في الجهة التي تملك قرار استخدامها وتحديد حدودها: هل تكون هذه القوة جزءاً من الدولة وتحت سُلطتها، أم سُلطة موازية تُقرّر خارجها؟ حين تصبح القوة جزءاً من الدولة، تتحوّل إلى حماية. وحين تُصبح بديلاً عنها، تتحوّل إلى أزمة مفتوحة.
الحل لا يبدأ من انتصار طرف على آخر، لأن تجربة لبنان أثبتت أن كل غلبة تُنتج حرباً جديدة، وكل تسوية مؤقتة تؤجل الانفجار من دون أن تبني دولة. قد تبدأ الصيغة المُمكنة من عقد وطني جديد، لا يقوم على إلغاء أحد، وإنما على إعادة تعريف العلاقة بين الجميع تحت سقف واحد: الدولة.
هذا لا يعني إنكار الخطر الإسرائيلي، ولا شطب تاريخ المقاومة، ولا تجاهل الهواجس الطائفية المتبادلة. المعنى أبسط وأعمق، أن تنتقل وظيفة الحماية من منطق الجماعة إلى منطق الدولة، وأن تُصبح القوة جزءاً من المؤسّسة لا بديلاً عنها، وأن يتحوّل السلاح من عنصر توازن مؤقت إلى جزء من استراتيجية وطنية واحدة يقرّرها الجميع لا فريق واحد.
وفي الداخل، لا يكفي الحديث عن السيادة من دون إصلاح فعلي، فالدولة لا تُستعاد بخطاب سياسي فقط، وإنما بقضاء مستقل، وإدارة قابلة للحياة، واقتصاد لا يقوم على الزبائنية، ومؤسسات لا تُدار بمنطق الحصص. هنا يلتقي تحذير ميشال شيحا من اختلال التوازن، مع حلم كمال جنبلاط بدولة المواطنة، لأن تطبيق ما بقي مُعلّقاً من اتفاق الطائف وفتح مسار تدريجي نحو دولة مدنية حقيقية، أصبح شرط بقاء لا فكرة مؤجّلة للنقاش.
أما الشرط الأصعب، فهو أن يجد لبنان صيغة تحميه من أن يبقى ساحة مفتوحة لكل صراع، أو صندوق بريد إقليمي. فلا يمكن لبلد بهذا الحجم أن يعيش دائماً على خط النار بين مشاريع الآخرين. حماية الداخل من كلفة الصراعات الكبرى لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل.
بين 2005 و2026، تراجعت الشعارات القديمة، وبقي جوهر المشكلة في مكانه. لبنان لم يحسم صورته النهائية: دولة كاملة بمرجعية واحدة، أو مساحة مفتوحة لتوازنات تتجاوز الدولة. وبين هذين الخيارين، يعيش بلد كامل على حافة تعريف نفسه.
