هدنة فوق فوهة بركان: قراءة في بنود التفاهم الأميركي-الإيراني

لغة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لم تنتفِ، برغم مرور بعض السفن في مضيق هرمز؛ فالاتفاق الذي يُفترض توقيعه يوم الجمعة المقبل يحمل في داخله آلاف العقد، وكل عقدة منها قادرة على تفجير الوضع وإعادة المنطقة إلى نقطة الصفر.

قبل الولوج في تفاصيل ما وُصفت بأنها «مذكرة تفاهم»، يمكن استخلاص عامل واحد يبدو ثابتاً: توقف إسرائيل عن استهداف العاصمة بيروت.

يهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب استكمال مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لاستعادة جزء مما يعتبره البعض خسارة تفاوضية نتجت عن ضمّ الملف اللبناني إلى التفاهم مع إيران. وفي هذا السياق، يُتوقع أن يواصل الجيش اللبناني توسيع انتشاره جنوباً، وأن يعزز حضوره الأمني انطلاقاً من بيروت نحو الشمال.

أما في حال انفجار الوضع مجدداً، فتشير بعض التقديرات إلى أن الضربات الإسرائيلية لن تتجاوز خطاً يمتد بين مرجعيون والنبطية. ويُنظر إلى هذا التوجه على أنه دعم ضمني لرئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، وتشجيع له – كما لرئيس الحكومة نواف سلام – على مواصلة مسار التفاوض. ولعل جوزاف عون التقط هذه الإشارة عندما شكر الأطراف التي ضمّنت بيان مذكرة التفاهم بنداً يتعلق بوقف الحرب في لبنان.

لكن التفاهم نفسه يحمل في داخله بذور عودة القتال. لماذا؟

في ما يلي قراءة في مسودة التفاهم المسرّبة، المؤلفة من 14 بنداً. وبغض النظر عن مدى دقتها، فإنها تعكس بوضوح رؤية إيرانية للنص المسرب:

1- وقف دائم للحرب على جميع الجبهات.
-كلمة «دائم» تبدو جذابة سياسياً، لكنها في الشرق الأوسط غالباً ما تكون أكثر الكلمات هشاشة.

2- عدم تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الإيرانية واحترام السيادة.
-يصعب التوفيق بين هذا النص وتاريخ السياسة الخارجية الأميركية، خصوصاً منذ الحرب العالمية الثانية، لكن لنفترض حسن النية.

3- رفع الحصار البحري خلال 30 يوماً.
-السؤال هنا: لماذا خلال ثلاثين يوماً وليس فوراً؟ الجواب المرجح أن الثقة ما زالت مفقودة، وأن بقاء حاملات الطائرات والقوات البحرية الأميركية يشكل ضمانة خلال المرحلة الانتقالية الأولى مع العلم أن الإيرانيين سربوا أن الأميركيين رفعوا الحصار ثمناً لعدم رد إيران على الاستهداف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية يوم الأحد الماضي..

4- سحب القوات الأميركية من «محيط إيران».
-هنا تظهر إحدى أكثر العبارات غموضاً. فما المقصود بمحيط إيران؟ هل هو البحر أم البر؟ وإذا كان المقصود القواعد الأميركية في الخليج، فمن الصعب تصور قبول أي إدارة أميركية بهذا الشرط.

5- إعادة فتح مضيق هرمز بترتيبات إيرانية.
-هذه نقطة تعكس بوضوح الصياغة الإيرانية للمسودة. فواشنطن وحلفاؤها أكدوا مراراً أن المطلوب هو عودة الملاحة إلى طبيعتها السابقة، لا الاعتراف بدور إيراني حصري في إدارة المضيق.

6- تعليق عقوبات النفط والبتروكيماويات وإتاحة الوصول إلى الموارد المالية.
-قد يتحقق ذلك تدريجياً وبالتوازي مع تقدم المفاوضات.

7- تقديم خطة شاملة لإعادة تنمية الاقتصاد الإيراني.
-السؤال من سيضع الخطة وما هي كلفتها ومن سيدفع الأموال وكيفية التنفيذ.

8- مفاوضات لمدة 60 يوماً حول الملف النووي ورفع العقوبات.
-هنا تكمن العقدة الأساسية. هل تقبل إيران بآليات رقابة جديدة؟ ومن هي الجهات التي ستتولى الإشراف؟ وهل ستقبل طهران بدور أوسع للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تتهمها بالانحياز لإسرائيل؟

9-إعادة تأكيد التزام إيران بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وبآليات التحقق المرتبطة بها.
-في الواقع، إيران وقعت المعاهدة منذ عقود (في زمن الشاه)، وبالتالي لم تعلن انسحابها منها. معنى ذلك أن البند لا يحمل جديداً جوهرياً.

10- عدم إضافة قوات أميركية إلى المنطقة أو فرض عقوبات جديدة أثناء المفاوضات.
-يبدو هذا البند متناقضاً مع البند الرابع، أو على الأقل غير منسجم معه بالكامل.

11- تحرير 24 مليار دولار من الأموال المجمدة، نصفها قبل بدء المفاوضات.
-التنفيذ المرجح سيكون تدريجياً وعبر وسطاء، مع حديث متكرر عن دور قطري محتمل، وثمة حديث عن أموال سيتم الافراج عنها بالتزامن مع توقيع المذكرة.

12- آلية رقابية للتنفيذ.
-لكن من سيراقب ماذا؟ البرنامج النووي؟ الأموال المجمدة؟ التحركات العسكرية؟ النص لا يجيب.

13- المصادقة على الاتفاق بقرار من مجلس الأمن.
-يبقى السؤال عن مدى قدرة مجلس الأمن على فرض التزامات على القوى الكبرى إذا قررت تجاهلها.. ولنا في تجربة الاتفاق النووي 2015 ما يشي بأن المصادقة من عدمها لا تقدم ولا تؤخر.

14- اشتراط بدء المفاوضات بتحرير نصف الأموال وتعليق العقوبات النفطية ورفع الحصار البحري.
-هنا يظهر تناقض إضافي مع بعض البنود السابقة، خصوصاً البندين السادس والحادي عشر.

يتضح من ذلك أن كل بند تقريباً يحمل في داخله احتمالاً لتعطيل المسار كله.

إلى جانب ذلك، أُخرج ملف الصواريخ الباليستية ودعم الفصائل الحليفة لطهران من التفاهم المسرب، وهو ما يثير قلقاً متزايداً داخل إسرائيل. فهناك ضغوط متصاعدة على بنيامين نتنياهو لمواجهة إدارة ترامب ومنع التوصل إلى اتفاق تعتبره تل أبيب خسارة استراتيجية، على مسافة شهور من الانتخابات الإسرائيلية التي ستحسم مصير نتنياهو الشخصي والسياسي.

إقرأ على موقع 180  نصرالله لا يضرب يده على الطاولة: فرصة حكومية.. ناقصة

وفي هذا السياق، دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير رئيس الحكومة إلى أن يكون «قوياً وشجاعاً»، فيما وصف المعلق آفي أشكينازي الاتفاق المحتمل بأنه «انهيار سياسي وفشل قاسٍ للقيادة الإسرائيلية».

وتعتقد إسرائيل أن أي تفاهم من هذا النوع قد يسمح لإيران بالاحتفاظ بجزء كبير من برنامجها النووي، إضافة إلى ترسانتها الصاروخية، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تنفيذ ضربة كبيرة خلال المرحلة الانتقالية الأولى، مثلما يُمكن لنتنياهو أن يُغامر بخوض معركة سياسية مع ترامب بعنوان “الأمر لي” وليس لك في لبنان وغزة، وهذه من شأنها أن تفيده انتخابياً أكثر من الفائدة المرجوة ميدانياً.

في المقابل، قد يكون الثمن الذي تحصل عليه إسرائيل هو رفع القيود الأميركية عن نشاطها في الساحة اللبنانية، ضمن حدود معينة، مقابل الامتناع عن نسف التفاهم مع إيران.

لذلك، قد يستمر تبادل الضربات المحدود في جنوب لبنان، وكأن تل أبيب تريد القول إن لها كلمة باقية في هذه الجبهة، حتى مع استمرار مسار التفاوض.

ويبقى السؤال الأساسي: هل تتخلى إيران عن مكاسب محتملة في حال بقيت المواجهة في جنوب لبنان تحت سقف منخفض يسمح باستمرار المفاوضات؟

أما السيناريو الأسوأ، فهو عودة التبادل المباشر للضربات بين إسرائيل وإيران ضمن قواعد اشتباك جديدة، مع الحرص على عدم استهداف المنشآت الحيوية في الخليج لتجنب توسيع الحرب.

وهنا تظهر العقد الحقيقية التي قد تنسف التفاهم: فواشنطن تستطيع دعم إسرائيل بصورة غير مباشرة من دون الانسحاب من الاتفاق، كما تستطيع تل أبيب البحث عن مسارات ميدانية بديلة للضغط على طهران. وفي المقابل، فإن أي استهداف واسع لمخزونات اليورانيوم أو للمنشآت النووية العميقة قد يفتح الباب أمام ردود تتجاوز حدود المواجهة الحالية.

في الخلاصة؛ ربما تكمن أهمية هذا التفاهم في أنه لا يشبه اتفاقات السلام التقليدية ولا حتى اتفاقات وقف إطلاق النار المعروفة. فهو لا يحلّ الخلافات الأساسية بين واشنطن وطهران، بل يؤجلها ويعيد ترتيبها داخل جدول زمني جديد. ولذلك تبدو معظم بنوده أقرب إلى إدارة الصراع منها إلى إنهائه.

فكل طرف قرأ النص بالطريقة التي تناسبه: إيران تراه اعترافاً بدورها الإقليمي ورفعاً تدريجياً للعقوبات، فيما تنظر إليه إدارة ترامب بوصفه مدخلاً لإخضاع البرنامج النووي الإيراني لمسار تفاوضي طويل. أما إسرائيل فتخشى أن يتحول إلى نقطة انطلاق لواقع استراتيجي جديد لمصلحة طهران.

هنا تكمن المفارقة الأساسية: البنود التي تسمح بولادة التفاهم هي نفسها البنود القادرة على تفجيره. فالغموض الذي سهّل التوافق الأولي قد يتحول لاحقاً إلى مصدر خلاف حول التنفيذ والتفسير والرقابة والالتزامات المتبادلة.

لذلك لا يبدو السؤال الحقيقي ما إذا كان الاتفاق سيوقّع أم لا، بل ما إذا كانت الأطراف قادرة على عبور الأيام الستين التالية من دون العودة إلى السلاح. فالحروب لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، بل عندما تتفق الأطراف على تفسير واحد لما اتفقت عليه. وهذا تحديداً ما لا يبدو متوافراً حتى الآن.

ولهذا قد لا يكون ما نشهده اتفاقاً تاريخياً بقدر ما هو هدنة ماكيافيلية مؤقتة فوق حقل ألغام إقليمي كبير، صُممت بحيث تمنح الجميع فرصة إعلان النصر اليوم، فيما تؤجل معركة تفسير النصر إلى الغد.

(*) بالتزامن مع موقع “أخباربووم

Print Friendly, PDF & Email
بسام خالد الطيّارة

كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "إتفاق القاهرة" لماذا لا يكون بين اللبنانيين أيضاً؟