ماذا يعني أن يعجز اللبناني عن الإحساس باللبناني الآخر؟

أبعد من الإشكاليات التي تتصدر المشهد السياسي والإعلامي اللبناني حول قرار الحرب والسلم والسيادة وحصرية السلاح، ثمة ما هو أعمق وأخطر من ذلك ويتمثل في "الانعزال الشعوري" الذي بات يتجلى في أداء السلطة الرسمية وفي مواقف شريحة وازنة من المجتمع اللبناني. ما يجعل سؤالنا الإشكالي يطال مستويات أعمق في البنية النفسية والاجتماعية اللبنانية: هل ما زال اللبنانيون قادرين على الإحساس بعضهم ببعض؟ وهل بقي بينهم حدّ أدنى من التعاطف الإنساني يسمح لأي تسوية سياسية بأن تعيش، ويسمح لنا لاحقاً بالحلم بقيام دولة المواطنة؟

تبدو الأزمة اللبنانية، في ظاهرها، أزمة سلاح ودستور وحدود وصلاحيات وطوائف وتوازنات. لكنها، في عمقها، أزمة وجدان وذاكرة. فالمجتمع اللبناني، بمستوييه السياسي والشعبي، يعيش انقساماً عمودياً حاداً، لا حول خيارات الحرب والسلم والمفاوضات فحسب، بل حول معنى العيش المشترك نفسه. تتبادل الأطراف خطاباً إقصائياً تخوينياً، وتستحضر مفردات الحرب الأهلية كما لو أنّ البلاد لم تتعلم شيئاً من ماضيها. يصبح وجع طائفة ما مادة للشماتة أو الحساب، ويُقرأ النزوح والدمار بلغة الديموغرافيا والتهديد بدل أن يُقرأ أولاً بلغة الإنسان والبيت والعائلة والقلق.

هنا تكمن خطورة اللحظة اللبنانية. فالعقل السياسي لا يعمل في فراغ؛ بل داخل نفوس مشحونة وذاكرات قلقة. لذلك لا تكفي الدعوة إلى «العقلانية» ما لم نسأل: أي عاطفة تقود هذا العقل؟ هل يقوده الخوف من الآخر أم يقوده التعاطف معه؟ هل يستخدم اللبنانيون عقولهم لبناء مساحة مشتركة، أم لتبرير قطيعة وجدانية نهائية؟

ليست هذه الإشكالية ترفاً فلسفياً. إنها سؤال بقاء واستمرارية لأحد ركائز الأوطان والهوية، وهو «التاريخ المشترك والذاكرة الوطنية الجامعة». فالدول لا تنهار فقط حين تسقط مؤسساتها؛ بل حين يفقد أبناؤها القدرة على الاعتراف المتبادل بالوجع والتضامن والإحساس بمعاناة الآخر بعيداً عن السياسة وألاعيبها. قد تبقى الدساتير قائمة، والبرلمانات منعقدة، والحكومات مؤلفة، لكن المجتمع يكون قد تآكل من الداخل حين تصبح آلام الناس قابلة للتصنيف الطائفي: هذا وجع «لنا» يستحق الحزن، وذاك وجع «لهم» يستحق الشك أو التجاهل أو الشماتة. وحين يتحول الخوف إلى هوية مغلقة، ويصبح ألم الآخر تهديداً يستدعي الدفاع النفسي والإنكار بدل التعاطف.

حين يصبح العقل خادماً للخوف

صاغ الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر واحدة من أكثر العبارات استفزازاً في الفلسفة الأخلاقية الحديثة حين قال: «العقل هو، وينبغي ألا يكون إلا عبداً للعواطف». لم يكن هيوم يريد إلغاء العقل أو تمجيد الانفعال الأعمى، وإنما كان يلفت الانتباه إلى حقيقة نفسية وسياسية عميقة: الإنسان لا يتحرك بالمنطق وحده. العقل يبرّر، ويحسب، ويرتب الحجج، ويصوغ البيانات، ويكتب الدساتير، لكنه غالباً لا يحدد الوجهة الأولى للفعل؛ الذي يفعل ذلك هو العاطفة: الخوف، الحقد، التعاطف، الكرامة، الإحساس بالتهديد، أو الرغبة في الاعتراف.

إذا أُسقطت هذه الرؤية على الواقع اللبناني، بدت الأزمة أكثر وضوحاً. فكل طرف في لبنان يملك ترسانة من الحجج العقلانية. وكل فريق يستطيع أن يقدم نفسه بوصفه مدافعاً عن الدولة أو المقاومة أو السيادة أو الشراكة أو الدستور أو الأمن أو الكرامة الوطنية. لكن خلف هذه اللغة العقلانية تقف عاطفة مؤسسة: الخوف الوجودي. يخاف طرف من هيمنة السلاح، ويخاف طرف آخر من استدعاء الخارج عليه. يخاف فريق من تغيير هوية لبنان، ويخاف آخر من استخدام الدولة لإقصائه. يخاف هذا من الحرب، ويخاف ذاك من سلام يشبه الاستسلام. وهكذا يتحول العقل من أداة لفهم الواقع إلى محامٍ بارع عن الخوف.

خطيئة إنكار ألم الآخر

إنّ أخطر ما أفرزته الحرب العدوانية الأخيرة ليس الدمار المادي وحده؛ بل الدمار العاطفي في معنى الجماعة الوطنية. فقد ظهر بوضوح أنّ المعاناة في لبنان ليست معترفاً بها على قدم المساواة. ثمة وجع يُرى، ووجع يُهمَل. ثمة قتلى يُحزن عليهم، وقتلى يُحاطون بالصمت. وثمة نازحون تُفتح لهم اللغة الإنسانية، ونازحون يُقرأ حضورهم كخطر ديموغرافي أو عبء سياسي. كأنّ الإنسان في لبنان لا يتألّم بوصفه إنساناً، بل بوصفه عضواً في جماعة طائفية.

هذا ليس تفصيلاً أخلاقياً بسيطاً، بل عطب تأسيسي في فكرة الوطن. فالوطن لا يعني فقط أن نتشارك الحدود والجواز والنشيد والعملة. الوطن يعني أن يثير خراب بيت في الجنوب، الجبل، الشمال، البقاع وبيروت، قلقاً أخلاقياً عاماً لا قلقاً فئوياً محدوداً. ويعني أن يكون موت المدني، أيّاً تكن طائفته، خسارة في الجسد الوطني كله. أما حين يصبح الوجع محلياً، والطائفة وحدها هي التي تبكي أبناءها، فنحن لا نعيش في وطن واحد، بل في جغرافيا مشتركة تسكنها أوطان وجدانية متوازية.

تدل هذه الحالة على فشل أعمق من فشل السياسة. إنها فشل في بناء «الحد الأدنى من الحزن المشترك». وهذا الحد هو الشرط الأول لأي عقد وطني. فقبل أن نتفق على شكل الدولة ومظاهر سيادتها، يجب أن نتفق على أن ألم الأبرياء ليس مادة سجال. وقبل أن نناقش السلاح والسيادة والمفاوضات وشكل الدولة نفسها، يجب أن نمتلك القدرة على القول: إن خوفك، حتى لو اختلفت مع خياراتك السياسية، ليس وهماً، ووجعك ليس تفصيلاً.

ليست أنسنة ألم الآخر تنازلاً سياسياً، بل هي شرط بقاء لي وللآخر. فالطائفة التي تشعر أنّ الآخرين لا يرون ألمها ستنغلق أكثر على سرديتها الخاصة، وستبحث عن أدوات حماية خارج العقد الوطني. والطائفة التي لا ترى إلا خوفها ستتعامل مع أي تعبير عن وجع الآخرين بوصفه ابتزازاً أو تهديداً. وهكذا يدور البلد في حلقة قاتلة: خوف ينتج إنكاراً، وإنكار ينتج خوفاً أشد.

حين يصبح الماضي وقوداً للحرب المقبلة

قد يكون غياب التعاطف في لبنان مرتبطاً بثقافة تذكّر مريضة. فقد نجح «اتفاق الطائف» عام 1989 في إنتاج تسوية سياسية أنهت الاقتتال الداخلي بتسوية من فوق، رافعاً شعار «عفا الله عما مضى» بطريقة بدت في ظاهرها حكيمة وضرورية، لكنها تحولت عملياً إلى عملية نسيانٍ سياسي منظّم، لا إلى مصالحة حقيقية مع الماضي.

أُغلقت ملفات الحرب في السياسة والقانون، لكنها بقيت مفتوحة في النفوس والبيوت والأحياء والأحزاب والمناهج. لم يتعلم اللبنانيون تاريخ الحرب الأهلية بوصفها مأساة مشتركة، بل بوصفها ذاكرات أهلية متنافسة. كل جماعة احتفظت بنسختها الخاصة: نحن الضحية، هم المعتدون؛ نحن دافعنا عن الوجود، هم تآمروا على الوطن؛ نحن أخطأنا مضطرين، هم أجرموا عمداً. وبدل أن يكون التاريخ مساحة نقد ومراجعة، تحول إلى مستودع انتقام رمزي. هكذا صار الجيل الذي لم يعش الحرب يحمل لغتها ومخاوفها، وربما قسوتها، لأنه ورث العاطفة قبل أن يعرف الوقائع. لذلك لا تتذكر الطوائف اللبنانية الماضي كمأزق نتجاوزه بتفكيكه وتبديد أسبابه، بل كذخيرة تاريخية تُستدعى لتأكيد براءتها، ودفن ما يكشف مسؤوليتها، وسلاح معنوي في وجه الآخرين.

لماذا لا تكفي التسويات الدستورية؟

ليست الدعوة إلى التعاطف بديلاً من الدستور، ولا نفياً للحاجة إلى دولة القانون والمؤسسات، بل العكس هو الصحيح. فلا يعيش التعاطف بلا مؤسسات تحميه من التحول إلى عاطفة عابرة، ولا يستقيم القانون إن لم يستند إلى حد أدنى من الاعتراف الإنساني.

المشكلة في لبنان أنّ التسويات السياسية غالباً ما عالجت توزيع السلطة، لا أسباب الخوف. رتبت المقاعد، لا الذاكرة. وأعادت تشكيل الحكومات، لا تشكيل الوجدان الوطني.

ثمّة تجارب في ألمانيا وأيرلندا وجنوب أفريقيا، ليس بالضرورة أن تُنقل حرفياً إلى لبنان، لكنها تمنحنا درساً أساسياً: المجتمعات الخارجة من العنف تحتاج إلى عقل مؤسسي، ودستور، وعدالة انتقالية، نعم؛ لكنها تحتاج أيضاً إلى تربية عاطفية، وذاكرة جامعة، واعتراف متبادل. تحتاج إلى وقف إطلاق نار، لكنها تحتاج أيضاً إلى وقف إطلاق الكراهية في اللغة والوجدان.

نحو ثقافة تذكّر لبنانية

يحتاج لبنان إلى مسار وطني شجاع يقرأ «الذاكرة» قراءة وطنية جامعة، وإلى مناهج تعليمية لا تهرب من التاريخ القريب، وأرشيف وطني مفتوح يختزن شهادات الضحايا من كل المناطق والطوائف. ويحتاج إلى إعلام لا يتعامل مع ألم الناس بوصفه مادة تعبئة، وإلى خطاب ديني وسياسي يعترف بأن حماية الجماعة لا تكون بنزع إنسانية الجماعات الأخرى.

كما يحتاج لبنان إلى لغة جديدة، فاللغة ليست تفصيلاً. لذلك فإن أول خطوة في بناء سلم أهلي فعلي هي إنتاج قاموس وطني جديد. فالمواطنة ليست عقداً قانونياً يوقّع بالقلم فقط، بل رابطة وجدانية تُبنى بالاعتراف المتبادل، وبالقدرة على رؤية الإنسان قبل الطائفة، والبيت قبل الخريطة، والطفل قبل الاصطفاف السياسي.

ليست أنسنة مخاوف الآخر وآلامه ضعفاً، ولا تنازلاً، ولا سذاجة. إنها الخطوة الوجودية الأولى لحماية الذات والوطن معاً.

فإذا كان لبنان قد نجح مراراً في إنتاج التسويات السياسية، فإنه لم ينجح بعد في إنتاج تسوية وجدانية بين أبنائه. وما لم يتحول الألم المشترك إلى جزء من الهوية الوطنية، ستبقى كل تسوية معرضة للاهتزاز مع أول أزمة كبرى. فالأوطان لا تُبنى فقط على توازن القوى، بل على توازن المشاعر أيضاً؛ وعلى قدرة الناس على رؤية أنفسهم في وجع الآخرين قبل أن يروا اختلافاتهم السياسية والطائفية.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  هنا بغداد.. دفاعاً عن وزارة الدفاع
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  أميركا تواجه "لحظة السويس" في تايوان!