الرسالة الأولى: أمّ شهيد سقط برصاص العملاء
أنا أمّ شاب سقط برصاص عميل إسرائيلي في الجنوب اللبناني. خرج ابني من بيته ولم يعد. انتظرت أن تطرق يداه الباب، فإذا بالذين طرقوا الباب يحملون لي خبر موته.
لم يكن ابني رقماً في ملف أمني، ولم يكن اسمه تفصيلاً في كتاب قانون. كان ابني الذي حملتُه صغيراً، وكبر أمام عيني، وكانت له أحلامه وحياته ومستقبله.
واليوم، حين أسمع عن عفو عام، أسأل: عفو عمّن؟ ومن يملك أن يعفو نيابة عني؟
أنا لا أطلب الانتقام، ولا أريد أن يحل الثأر مكان القضاء. أريد محاكمة عادلة، وحكماً يصدر باسم القانون، وعقاباً لمن تثبت مسؤوليته عن قتل ابني.
لا تجعلوا العميل الفار من العار والمقاوم الشهيد في كفة واحدة.
لا تجعلوا دماء الشهداء بنداً في تسوية سياسية أو طائفية.. ولا تطلبوا من الأمهات أن يدفعن ثمن المصالحات التي لا علاقة لهن بها.
الرسالة الثانية: أمّ شهيد من الجيش
أنا أمّ جندي لبناني لبس بزته العسكرية وذهب ليؤدي واجبه، فسقط برصاص الإرهابيين والداعشيين.
كنت أظن أن الدولة، التي جنّدت ابني لحمايتها وحماية اللبنانيين، ستحمي حقه بعد موته. كنت أظن أن قاتله سيقف أمام القضاء، وأن العدالة ستقول كلمتها.
فكيف أشرح اليوم لعائلتي أن من قتل ابني قد يستفيد من عفو عام؟
ابني لم يكن في مواجهة خصم سياسي. كان جندياً، وكان يؤدي واجبه، وكان له أبٌ وأمٌ ينتظرانه. حين سقط، لم يسقط معه واجبه فقط، بل سقط حلم عائلة كاملة.
لا أطلب أكثر من العدالة. حاكموا من ارتكب الجرائم، وأنزلوا به العقوبة التي ينص عليها القانون. أما إذا كان هناك من بريء، أو مظلوم، أو موقوف بلا محاكمة، فليأخذ حقه كاملاً.
لكن لا تضعوا القاتل والمظلوم في سلة واحدة باسم المصالحة.
الرسالة الثالثة: أمّ شاب ضحية المخدرات
أنا أمّ لم أفقد ابني في معركة، ولم يصلني جثمانه من ساحة قتال. رأيته يموت أمامي ببطء.
سرق المخدر ابني مني. أخذ شبابه، وأحلامه، وعلاقته بعائلته، ثم أخذ حياته.
أنا أعرف أن ابني كان ضحية، لكنني أعرف أيضاً أن هناك من صنع المال من موت أمثاله، ومن جعل المخدرات تجارة ومن الشباب سوقاً.
لهذا أسأل: هل يجوز أن يستفيد كبار المجرمين وتجار المخدرات من عفو عام، فيما تبقى أمهاتنا يحملن صور أبنائهن؟
إذا أردتم حماية المجتمع، فابدأوا بمحاسبة من يتاجر بالموت، لا بمن وقع ضحيته.
هذه الرسائل الثلاث تقول شيئاً واحداً:
لا يمكن أن تكون العدالة انتقائية، ولا يمكن أن تُبنى المصالحات على حساب المظلومين.
إذا كان في السجون اللبنانية مظلومون، أو موقوفون منذ سنوات من دون محاكمة، أو أشخاص طال توقيفهم بصورة تتجاوز المنطق والقانون، فليكن الحل بتسريع المحاكمات، وضمان استقلالية القضاء، وإطلاق سراح من تثبت براءته، وإنصاف كل من تعرض للظلم والتعسف.
أما الجرائم التي تثبتها المحاكم، فالعقاب يجب أن يكون وفق القانون، أياً كان اسم المتهم وانتماؤه وطائفته.
لبنان لا يحتاج إلى عفو يُفهم منه أنه صفقة بين الطوائف، ولا إلى قانون يُفصّل على قياس موازين القوى. لبنان يحتاج إلى عدالة واحدة للجميع.
فالطائفية قد تعقد التسويات، والسياسة قد تبحث عن المخارج، لكن دم الضحايا لا يعرف التسويات.
لا نريد قانوناً يعفو عن المجرم كي ترضى الطوائف، بل قانوناً ينصف المظلوم كي تنتصر الدولة.
تسوياتكم لا يجوز أن يدفع ثمنها أمٌّ فقدت ابنها، أو عائلة تنتظر العدالة منذ سنوات.
فالعدالة الحقيقية ليست أن نُخرج الجميع من السجون، ولا أن نُبقي الجميع فيها؛
العدالة أن يأخذ كل إنسان حقه: المظلوم حريته، والضحية إنصافها، والمجرم عقابه.
