هذه النقلة تفسر عودة سوريا إلى قلب الحسابات الطاقوية الإقليمية، وتفسر في الوقت نفسه أهمية مصر وقبرص وتركيا وإسرائيل، فضلاً عن استمرار النزاع حول الحقوق البحرية اللبنانية والفلسطينية. فالسؤال لم يعد فقط: من يملك الغاز؟ بل أصبح: من يملك الطريق الذي ينقله، ومن يسيطر على البنية التحتية التي تجعله قابلاً للتصدير؟
خريطة جديدة
شهد شرق المتوسط منذ عام 2009 حتى يومنا هذا سلسلة اكتشافات غازية كبيرة، أبرزها تامار وليفياثان في إسرائيل، وأفروديت في قبرص، ثم حقل ظهر في مصر عام 2015. وقد حولت هذه الاكتشافات المنطقة إلى حوض غازي مهم، وإن كانت موارد الدول الواقعة عليه متفاوتة جداً من حيث حجم الاحتياطات والإنتاج التجاري.
لم تتحول المنطقة، برغم ذلك، إلى مورد رئيسي للغاز إلى أوروبا بالمعنى الذي يمكن أن يُعوّض مصادر كبرى أخرى. لكن الحرب الروسية على أوكرانيا دفعت أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة، فأصبح شرق المتوسط أكثر أهمية في حساباتها. وفي 2026 انتقل بعض هذه المشاريع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ.
ويشكل تطوير حقل Cronos القبرصي المثال الأوضح. فقد اتخذت Total Energies وEni قرار الاستثمار النهائي في تموز/يوليو 2026، مع خطة لنقل الغاز إلى مصر، ومعالجته وإسالته في دمياط، ثم تصديره إلى الأسواق الأوروبية، على أن يبدأ الإنتاج المستهدف في 2028.
هنا تظهر أهمية مصر بصورة مختلفة. فهي لا تعتمد أهميتها على امتلاك الغاز وحده، وإنما على امتلاك منشآت الإسالة والموانئ وشبكات النقل التي تسمح بتحويل الغاز الموجود في شرق المتوسط إلى سلعة قابلة للتصدير إلى أوروبا. وبذلك تصبح مصر حلقة وصل بين حوض الغاز والأسواق الأوروبية، وليس مجرد دولة منتجة.
لكن هذه الخريطة لا تكتمل من دون تركيا.
فتركيا تقع في موقع يجعلها ممراً محتملاً للغاز المتجه إلى أوروبا، وتمتلك شبكة واسعة من خطوط الغاز، كما أن وجودها العسكري والسياسي في شمال قبرص وخلافها مع اليونان وقبرص حول ترسيم المناطق البحرية يجعلانها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي هندسة جديدة للطاقة في شرق المتوسط. ولذلك فإن التنافس لا يدور فقط حول الحقول، بل حول أي طريق سيصبح المسار الرئيسي لتصدير الغاز إلى أوروبا.
سوريا في الوسط
أحدث التحولات وأكثرها دلالة هو صعود سوريا مجدداً في الحسابات اللوجستية والطاقوية.
فاضطراب مضيق هرمز، وتوترات البحر الأحمر وباب المندب، أعادا الاعتبار إلى فكرة كانت تبدو هامشية: نقل الطاقة من الخليج نحو المتوسط عبر مسارات برية تتجاوز نقاط الاختناق البحرية.
وفي هذا السياق بدأت سوريا تستعيد وظيفة جغرافية فقدتها خلال سنوات الحرب. ففي تموز/يوليو 2026 بدأت تدفقات من الوقود العراقي عبر الأراضي السورية إلى ميناء بانياس (بالصهاريج)، فيما جرى العمل على إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس. وتناقش الأطراف المعنية أيضاً إمكان تطوير خطوط غاز تربط مصر والأردن وسوريا وتركيا، فضلاً عن أفكار لنقل الغاز القطري عبر السعودية والأردن وسوريا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا.
هذه التطورات تعيد تعريف سوريا في الجغرافيا السياسية للطاقة. فهي ليست دولة غازية كبرى، ولا تمتلك في الوقت الراهن البنية التحتية التي تجعلها مركزاً أوروبياً للطاقة، لكن موقعها الجغرافي يمنحها وظيفة مختلفة: أن تكون جسراً بين مصادر الطاقة والأسواق الأوروبية.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد باستقرار سوريا وعلاقاتها مع تركيا والعراق والأردن ودول الخليج. فاستقرار سوريا لم يعد مسألة أمنية وسياسية فقط، بل يمكن أن يصبح شرطاً لإعادة تشغيل شبكات الطاقة والنقل التي تربط الخليج بالمتوسط.
وهذه النقطة تفسر أيضاً حساسية العلاقة السورية ـ التركية. فتركيا يمكن أن تكون الوجهة الطبيعية لبعض خطوط الغاز القادمة من سوريا، كما يمكن أن تكون بوابة العبور إلى أوروبا. وفي المقابل، فإن أي مشروع من هذا النوع سيعيد ترتيب موازين القوى بين تركيا ومصر وإسرائيل وقبرص واليونان.
مصر وتركيا
في هذه الخريطة تتخذ مصر وتركيا موقعين مختلفين لكن متكاملين.
مصر تملك البنية التحتية البحرية اللازمة لإسالة الغاز وتصديره، بينما تملك تركيا موقع الممر البري نحو أوروبا. ولهذا قد لا يكون التنافس بينهما صفراً بالكامل؛ فقد تحتاج الشبكة الإقليمية الجديدة إلى البلدين معاً، وإن اختلفت مصالحهما السياسية.
وتزداد أهمية مصر مع استمرار اكتشافات الغاز الجديدة. ففي نيسان/أبريل 2026 أعلنت وزارة البترول المصرية اكتشاف Denise W-1 في منطقة امتياز تمساح، مع تقديرات أولية بنحو تريليوني قدم مكعب من الغاز و130 مليون برميل من المكثفات.
لكن مصر تواجه في الوقت نفسه مشكلة معاكسة: تراجع إنتاجها المحلي جعلها تعتمد بصورة متزايدة على الواردات لتلبية الطلب الداخلي، وهو ما يعني أن موقعها كمركز إقليمي للغاز يعتمد على قدرتها على تحقيق توازن بين الاستهلاك المحلي، والإنتاج، والواردات، وإعادة التصدير.
أما تركيا، فإن أهميتها تتجاوز مسألة استيراد الغاز. فأنقرة تريد أن تكون ممر الطاقة الذي لا يمكن تجاوزه بين آسيا وأوروبا. ولذلك فإن أي مسار جديد يربط الخليج بسوريا وتركيا، أو شرق المتوسط بتركيا، يمنحها نفوذاً يتجاوز عائدات العبور إلى القدرة على التأثير في خيارات الطاقة الأوروبية.
وهنا يصبح الصراع حول قبرص أكثر من نزاع بحري. إنه صراع على مستقبل شبكة الطاقة نفسها.
لبنان وفلسطين
يقدم لبنان المثال الأكثر وضوحاً على الفارق بين الثروة المحتملة والثروة المكتشفة.
يمتلك لبنان إمكانات جيولوجية واعدة في مياهه، لكنه لم يثبت حتى الآن وجود اكتشاف تجاري قابل للإنتاج. وبعد عدم تحقيق بئر قانا نتيجة تجارية، دخلت Total Energies وEni وQatar Energy في كانون الثاني/يناير 2026 إلى البلوك 8 لإجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد، في محاولة جديدة لتحديد إمكانات المنطقة.
ولهذا فإن الحديث عن «غاز لبناني كبير» سابق لأوانه. لكن ذلك لا يُقلّل من الأهمية الجيوسياسية للثروة المحتملة، لأن الحدود البحرية اللبنانية ـ الإسرائيلية تقع في قلب شبكة من الحقول والمنشآت وخطوط التصدير التي تتوسع في المنطقة.
أما فلسطين، فتواجه مشكلة أكثر تعقيداً. فقد اكتُشف حقل غزة مارين منذ نهاية التسعينيات، وتقدر موارده بنحو تريليون قدم مكعب، لكن الفلسطينيين لم يتمكنوا من تطويره والاستفادة منه. وتوثق الأمم المتحدة السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى منع الفلسطينيين من تطوير موارد النفط والغاز البحرية في قطاع غزة.
وهكذا يصبح الغاز الفلسطيني جزءاً من قضية أوسع تتعلق بالسيادة على الموارد، وليس مجرد مشروع اقتصادي مؤجل.
صراع الممرات
التحول الأكبر في المنطقة أن الغاز لم يعد يتحرك وفق منطق الحقول وحدها. فقد أصبح مرتبطاً بالموانئ وخطوط الأنابيب والطرق البرية والمضائق.
فهرمز يمثل نقطة اختناق لإمدادات الخليج، وباب المندب يمثل ممراً أساسياً بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وقناة السويس تربط البحر الأحمر بالمتوسط. وعندما تصبح هذه النقاط عرضة للاضطراب، ترتفع قيمة المسارات البرية البديلة.
وهنا تظهر أهمية سوريا والعراق والأردن وتركيا وربما السعودية في معادلة واحدة. وتظهر إسرائيل ومصر وقبرص في معادلة أخرى. وبينهما تتنافس تصورات مختلفة لمستقبل الطاقة: مسارات عبر تركيا، ومسارات عبر مصر، ومسارات تتجه إلى موانئ المتوسط، ومشاريع تسعى إلى تجاوز المضائق نفسها.
لذلك فإن الصراع المقبل في شرق المتوسط لن يكون بالضرورة حرباً على حقل غاز بعينه. قد يكون صراعاً على الطريق الذي يجعل الغاز قابلاً للبيع، وهذا يفسر لماذا أصبح استقرار سوريا، وموقع تركيا، والبنية التحتية المصرية، والحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، ومستقبل غزة، وقبرص واليونان، ملفات مترابطة أكثر مما كانت عليه قبل سنوات.
في الخلاصة، يتحول شرق المتوسط تدريجياً من حوض للغاز إلى عقدة في شبكة الطاقة العالمية، وكلما ازدادت المخاطر في هرمز والبحر الأحمر، ازدادت قيمة هذه العقدة وازداد التنافس على خطوط الأنابيب والموانىء.
في ظل هذا المشهد، تصبح الجغرافيا نفسها مورداً استراتيجيا، فالذي يملك الغاز يملك ورقة، لكن الذي يملك الممر قد يملك الورقة الأقوى. وهذا تحديداً ما يجعل شرق المتوسط، بعد تحولات 2026، أحد أهم المسارح التي ستُعاد فوقها صياغة خريطة الطاقة والنفوذ في الشرق الأوسط.
