أسطورة “نزع السلاح”.. وهندسة الشرق الأوسط الجديد

​يتصدّر شرط "نزع السلاح" أجندة الدبلوماسية الدولية والإقليمية كشرط شارط لأي ترتيبات تستهدف صياغة الاستقرار في المنطقة. وتتعامل المبادرات السياسية مع ملف السلاح (غزة ولبنان والعراق) بوصفه أصل الأزمة والمفتاح السحري لإحلال السلام. غير أن هذا الطرح يقع في خطأ تحليلي بنيوي؛ إذ يتعاطى مع القوة المسلحة باعتبارها المسبّب الأولي للنزاع، متجاهلاً حقيقة استراتيجية أثبتتها أدبيات العلوم السياسية وتاريخ الصراعات الممتدة: الأسلحة لا تنشأ من فراغ تكتيكي، ولن تتلاشى بقرارات إدارية أو إملاءات فوقية ما دامت البيئة البنيوية التي أنتجتها قائمة ومستمرة.

ليس السلاح، في جوهره الفلسفي والاستراتيجي، سوى أداة تنفيذية للسياسة وتجلّياً مباشراً لانسداد المسارات السياسية وخلل معادلات الردع. ومن هذا المنظور، ينبغي أن يتجاوز السؤال الاستراتيجي المأزق التبسيطي المتمثل في “كيفية تجريد الفاعلين من السلاح”، ليرتكز حول السؤال الأعمق: ما ماهية وشكل النظام السياسي والأمني المزمع تشكيله بعد هذه الخطوة؟ وهل نحن بصدد معالجة جذور الصراع أم إعادة إدارة نتائجه؟

التفكيك ضمن مسار “الهندسة الشاملة”

​تؤكد الخبرة التاريخية لحركات التحرر الوطني عبر القرنين العشرين والحادي والعشرين أن تحويل السلاح أو دمجه ضمن المؤسسات الرسمية لم يكن يوماً نقطة انطلاق لأي مسار سلمي، بل كان دائماً المحصلة النهائية لتسويات سياسية وإعادة تعريف شاملة لبنية الصراع والسيادة والشرعية:

​النموذج الجزائري: لم يحل “جيش التحرير الوطني” بنيته العسكرية كإجراء أمني مسبق، بل ظل يمثل أداة النضال السياسي والميداني حتى استكمال الاستقلال، ليتحول بعد ذلك إلى النواة الصلبة لمؤسسة الجيش الوطني الشعبي في الدولة الحديثة.

​النموذج الجنوب أفريقي: لم يحل “المؤتمر الوطني الأفريقي” جناحه العسكري (“رمح الأمة”) إلا بالتوازي مع التفكيك التام لنظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، والبدء الفعلي في مسار الانتقال الديموقراطي والمؤسسي.

​نموذج إيرلندا الشمالية: لم يبدأ “الجيش الجمهوري الإيرلندي” (IRA) مسار تسليم أسلحته إلا عقب اتفاق “الجمعة العظيمة” (Good Friday Agreement)، وهو الاتفاق الذي أوجد نظاماً متكاملاً من الضمانات الدستورية والسياسية والأمنية لجميع المكونات.

​النموذج الكولومبي: جاء تجريد “القوات المسلحة الثورية” (FARC) من السلاح في إطار تسوية سياسية واجتماعية واقتصادية شاملة برعاية أممية، ولم يكن مجرد استجابة لمطلب أمني مجرد فرضته موازين القوى.

​يُظهر هذا التتبع أن تسليم السلاح في هذه التجارب لم يُطرح كإقرار بالهزيمة أو تنازل أحادي الجانب، بل كجزء من إعادة بناء للهندسة السياسية برمتها بعد حسم معضلات السيادة والتفاوت الإجتماعي وتوزيع السلطة والشرعية إلخ..

التباين الهيكلي بين المأزقين الفلسطيني واللبناني

​تكمن الخصوصية الشديدة في الشرق الأوسط في تعثر وتفكك عناصر هذا التسلسل التاريخي المنطقي، وإن كان المأزق البنيوي واحداً:

​أولاً: المأزق الفلسطيني (سلاح الكيان المفقود)

تصطدم الدعوات المطالبة باحتكار السلطة الفلسطينية للحصرية القانونية لاستخدام القوة بحقيقة أن بنيان “الدولة الفلسطينية” ذاته لم يكتمل بعد من حيث السيادة والسيطرة الجغرافية والمؤسسية وفق قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين. وهنا يبرز التناقض البنيوي: كيف يُطالب كيان مجرد أصلاً من أدوات السيادة الميدانية والقانونية باحتكار السلاح، في وقت لا تزال فيه القضايا الجوهرية (الحدود، القدس، الاستيطان، والسيطرة على الأجواء والمعابر) موضع مصادرة واستباحة؟

​ثانياً: النموذج اللبناني (سلاح الدولة المشلولة)

​بينما يُطرح ملف السلاح في غزة كشرط لبناء دولة مفقودة، يُطرح الملف في لبنان في ظل وجود دولة قائمة ولكنها تعاني من ضعف هيكلي بنيوي، وانقسام طائفي، وشلل في قدراتها الدفاعية والسياسية. إن اختزال سلاح حزب الله بوصفه مجرد عائق أمني يغفل حقيقة أنه يمثل، في أحد أبعاده الاستراتيجية، استجابة لخلل تاريخي في توازن الردع مع إسرائيل، وفي بعده الآخر انعكاساً لأزمة النظام السياسي الطائفي وشكوك المكونات المجتمعية في قدرة المؤسسات الرسمية على توفير الحماية الوطنية. ومن ثم، فإن تجريد هذه القوى بقرارات معزولة — دون التوصل إلى “استراتيجية دفاعية وطنية” جامعة تدمج عناصر القوة وتُعالج هواجس السيادة — لن يؤدي إلى إنهاء الظاهرة العسكرية، بل سيؤدي حتماً إلى إعادة إنتاج الفراغ الأمني وعناصر التفجر الداخلي.

التدافع الإقليمي والعقيدة الأمنية الإسرائيلية

​لا تتأطر مسألة السلاح في غزة أو لبنان بالحدود المحلية، بل تُدار ضمن شبكة من المصالح والتوازنات المعقدة:

​الرؤية الأمريكية والدولية: تُدرج ملفات السلاح ضمن استراتيجية إقليمية أوسع تهدف إلى إعادة تنظيم التوازنات في الشرق الأوسط، وتقليص نفوذ المحور الذي تقوده إيران (من حماس وحزب الله إلى الحوثيين والحشد الشعبي).

​العقيدة الأمنية الإسرائيلية: تُكيف تل أبيب عقيدتها العسكرية للاعتماد على مبدأ “الأمن منخفض الكلفة”؛ أي السعي إلى تقليص خسائرها البشرية والمادية عبر حرمان البيئة المحيطة بها من أي قدرة عسكرية مستقلة. وتتعامل إسرائيل مع وجود أي بنية مسلحة على حدودها باعتباره “تهديداً استراتيجياً” غير قابل للتعايش، مما يجعل مطالبات نزع السلاح بالنسبة لها شرطاً مسبقاً لإعادة صياغة البيئة الأمنية برمتها، وليس إجراءً مرحلياً.

​معضلة بناء الدولة والفراغ الأمني:

تؤكد دراسات بناء الدولة (State-Building) أن احتكار أدوات القوة المحتكرة لا يتأتى بمجرد نزع السلاح القسري، بل يتطلب وجود سلطة تتمتع بالشرعية، والقدرة الإدارية، والحاضنة المجتمعية. وإذا ما سُحب السلاح في ظل غياب هذه المؤسسات الكفؤة، فإن النتيجة الحتمية هي خلق فراغ أمني وسياسي يُعيد إنتاج العنف بأشكال أكثر حدة، وفوضوية، وتطرفاً.

إقرأ على موقع 180  طهران وواشنطن: مسارات التصعيد وأكلاف الحرب وحدود التسوية

القانون الدولي وسؤال “القوة السردية”

تتحرك المسألة الشاملة بين مسارين متوازيين في أحكام القانون الدولي:

​مسار تقرير المصير: يكرس حق الشعوب الراسخ في تقرير مصيرها ومقاومة الاحتلال وفق الميثاق والقرارات الأممية.

​مسار القانون الدولي الإنساني: يفرض قواعد صارمة تحكم أساليب القتال، وتفرض حماية المدنيين، وحظر العقاب الجماعي، وتطبيق مبادئ التناسب والتمييز.

​إن المقاربات الأمنية التي تتجاهل الحقوق السياسية، أو الخطابات القانونية المجردة التي تتجاهل موازين القوى الواقعية، تعجز كلاهما عن تقديم حلول مستدامة. فالنزاع لا يدور فقط حول المساحة والتكتيك، بل حول “القوة السردية”—أي القدرة على بناء رواية قانونية وسياسية وأخلاقية متماسكة تفرض شرعيتها على الرأي العام المحلي والدولي.

​خاتمة: الرهانات المستقبليّة وإعادة تعريف النزاع

يُخبرنا الدرس البليغ من تجارب التاريخ بأن التنظيمات قد تندثر وتتغير أسماؤها، بيد أن الصراعات الممتدة تعيد إنتاج نفسها بأشكال وأدوات جديدة طالما ظلت جذورها البنيوية قائمة دون علاج.

​بناءً على ذلك، فإن الجدل الدائر حول نزع سلاح المقاومة في غزة أو لبنان ليس نقاشاً تقنياً حول عدد البنادق أو الصواريخ، بل هو نقاش حول طبيعة الشرق الأوسط الذي يراد تشكيله بعد الحرب؛ هل سيكون منطقة تُدار بترتيبات أمنية هشة تُؤجّل الانفجار لجولة قادمة، أم منطقة تؤسس لتوازن سياسي يعالج جذور النزاع؟

​إذا بقيت العملية السياسية عاجزة عن إنجاز نموذج عادل يضمن الحقوق والسيادة، فإن وسائل المواجهة قد تتغير، لكن النزاع سيبقى قائماً. أما إذا قادت الترتيبات المقبلة إلى بناء مؤسسات دولة ذات سيادة، وشرعية، وقدرة على التعبير عن الإرادة الوطنية، فإن تحول السلاح وانتقاله إلى هيكل الدولة لن يُقرأ حينها كاستسلام، بل كخطوة موضوعية لنقل النزاع من حالة المواجهة المسلحة المفتوحة إلى مسار الدولة المستقلة والعادلة والمستقرة.

 

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  بديل "التدقيق": "الحساب 36" أم حسابات الدولة اللبنانية؟