اللحظة الصفر والوميض الذي شقّ التاريخ
في الساعات الأولى من صباح السادس من آب/أغسطس عام 1945، كانت مدينة هيروشيما اليابانيّة تستيقظ على إيقاع يوم صيفيّ صافٍ كأيّ يوم آخر. تحرّك العمّال والموظّفون والجنود نحو مواقعهم، وشارك آلاف الطّلاب المجنّدين في أعمال الدّفاع المدنيّ وإزالة المباني لإنشاء ممرّات عازلة للحرائق، فيما كان كثير من أطفال المدينة قد أُجلي إلى الأرياف اتّقاءً للغارات الجويّة. ولم يكن أحد من الموجودين في المدينة، الذين قُدّر عددهم آنذاك بنحو 350 ألف نسمة، يدرك أن تلك السّماء الزّرقاء ستصبح بعد دقائق مسرحاً لأحد أعظم التّحولات رعباً في تاريخ البشريّة؛ تحوّلٌ سيسهم، إلى جانب دخول الاتّحاد السوفياتيّ الحرب ضد اليابان، في دفع الإمبراطوريّة اليابانيّة إلى الاستسلام، ويعيد صياغة مفهوم الفناء الإنسانيّ، وينقل العالم كله، عبر وميض أشدّ سطوعاً من ألف شمس، من عصر الحروب التقليديّة إلى فجر العصر النوويّ المظلم.
عند السّاعة الثّامنة والرّبع صباحاً بتوقيت اليابان، انفتحت أبواب القاذفة الأمريكيّة من طراز «بي-29 سوبرفورتريس» (B-29 Superfortress)، التي حملت اسم «إينولا غاي» (Enola Gay) تيمّناً بوالدة قائدها العقيد بول تيبتس. أسقطت الطّائرة قنبلة وحيدة لم تكن تشبه أيّ سلاح عُرف من قبل. وبعد نحو ثلاثة وأربعين ثانية من السّقوط، انفجرت القنبلة على ارتفاع يقارب 580 متراً فوق المدينة. كانت جسر «آيوي» نقطة التّصويب التي استهدفها الطّاقم بسبب شكله المميّز من الجو، لكن مركز الانفجار وقع فعليّاً فوق منطقة مجاورة لمستشفى شيما، على مسافة قصيرة إلى الجنوب الشّرقيّ من الجسر. وفي تلك اللحظة، انشطرت نوى اليورانيوم لتسجّل أوّل استخدام لسلاح نوويّ في الحرب، بعد ثلاثة أسابيع فقط من ولادة العصر النوويّ تجريبيّاً في صحراء نيو مكسيكو.
إن قصّة هيروشيما وناغاساكي ليست مجرّد قصّة عسكريّة عن إنهاء صراع دوليّ دامٍ، بل هي تداخل تراجيديّ معقّد بين الجغرافيا الحاضنة، والتّاريخ الثّقافيّ والاجتماعيّ الفريد لمدينتين يابانيّتين، والقفزات العلميّة الهائلة التي تحقّقت في مختبرات الفيزياء الغربيّة تحت وطأة الخوف من النّازيّة، ثم استمرّت بقوّة المؤسّسة العسكريّة حتّى بعد زوال الخطر الألمانيّ. كيف تحوّلت المعرفة الفيزيائيّة النّقيّة، التي بدأت باكتشاف طبيعة الذّرة وسلوك النيوترونات، إلى أداة تدمير شاملة؟ وكيف تحوّلت مدينتان نابضتان بالحياة إلى هدفين عسكريّين وإلى مسرحين لقياس الأثر الواقعيّ لسلاح لم يُستخدم على البشر من قبل؟
ولا يُقصد بعبارة «العلوم الشيطانيّة» أن العلم شرّ في ذاته، بل الإشارة إلى اللحظة التي انفصلت فيها العبقريّة التقنيّة عن سؤالها الأخلاقيّ، ووُضعت فيها معرفة الإنسان بقوانين الكون في خدمة مشروع قادر على محو مدن كاملة في لحظات.
***
الجزء الأوّل: سيرة المدينتين قبل الكارثة
لفهم حجم الفاجعة والسّبب الكامن وراء اختيار هيروشيما وناغاساكي كأهداف استراتيجيّة، لا بدّ من سبر أغوار هويّتهما الجغرافيّة والاجتماعيّة والعسكريّة قبل أن تعيد القنبلة الذرّيّة تشكيلهما بالنّار والإشعاع.
هيروشيما: معقل الساموراي ودلتا الجزر
تأسّست هيروشيما، التي يعني اسمها باليابانيّة «الجزيرة الواسعة»، في أواخر القرن السّادس عشر كبلدة حول قلعة عسكريّة بناها أمير الحرب الإقطاعيّ موري تيروموتو. وتميّزت بجغرافيتها الفريدة؛ إذ أُقيمت على دلتا نهر أوتا، حيث تتشعّب القنوات النهريّة عبر أرض منبسطة إلى جزر دلتاويّة مترابطة بعشرات الجسور.
تطوّرت هيروشيما في ظل حكم عشيرة أسانو الإقطاعيّة، واكتسبت إرثاً ثقافيّاً ارتبط بتقاليد السّاموراي وقيم الولاء والانضباط. ومع دخول اليابان عصر التّحديث في عهد ميجي في أواخر القرن التّاسع عشر، تحوّلت المدينة سريعاً من بلدة إقطاعيّة إلى مركز عسكريّ ولوجستيّ بالغ الأهميّة للإمبراطوريّة اليابانيّة الصّاعدة. وخلال الحرب الصينيّة اليابانيّة الأولى بين عامي 1894 و1895، نُقل مقرّ القيادة الإمبراطوريّة العامّة إلى قلعة هيروشيما، وأقام الإمبراطور ميجي في المدينة فترة من الزّمن، حتّى أصبحت هيروشيما العاصمة الفعليّة لليابان خلال جزء من الحرب.
بحلول عام 1945، كانت هيروشيما تضمّ مقرّ «الجيش العامّ الثّاني» اليابانيّ، المسؤول عن الدّفاع عن مناطق واسعة من جنوب اليابان في مواجهة أيّ غزو برمائيّ محتمل للحلفاء. وكانت المدينة مركزاً لتجميع القوات، ومستودعات المؤن والسّلاح، ومرافق النّقل والاتّصالات العسكريّة.
لكن الجانب الأكثر مأساويّة في جغرافيتها هو أن مخطّطي «لجنة الأهداف» الأمريكيّة رأوا في موقعها المنبسط داخل حوض تحيط به المرتفعات بيئة مناسبة لإظهار القوّة التدميريّة للقنبلة. فقد توقّعوا أن تسهم التّضاريس المحيطة في حصر موجة الانفجار أو تركيزها جزئيّاً داخل المجال الحضريّ، بما يزيد مساحة الدّمار ويجعل أثر السّلاح الجديد قابلاً للرّصد والقياس. ولهذا السّبب، حُفظت هيروشيما إلى حدّ كبير من القصف التقليديّ الذي دمّر عشرات المدن اليابانيّة، لا رحمةً بسكّانها، بل لكي تبقى هدفاً لم يمسّه الدّمار السّابق بدرجة كبيرة، فيمكن عزل أثر القنبلة النوويّة وقياسه بوضوح.
ناغاساكي: بوابة الغرب وكنيسة الشرق المعذبة
على النّقيض من الطّابع العسكريّ الصّارم لهيروشيما، كانت ناغاساكي ترمز تاريخيّاً إلى الانفتاح التجاريّ والثّقافيّ والدّينيّ لليابان. تقع المدينة في جزيرة كيوشو الجنوبيّة، وتتميّز بجغرافيا جبليّة وعرة تحصر أحياءها ومصانعها في أودية ضيّقة تمتدّ حول خليج عميق عُرف تقليديّاً باسم «مرفأ الكركيّ».
عندما فرضت شوغونيّة توكوغاوا سياسة العزلة الصّارمة المعروفة باسم «ساكوكو» في القرن السّابع عشر، وحظرت دخول معظم الأجانب ومغادرة اليابانيّين للبلاد، ظلّت ناغاساكي النّافذة التجاريّة الأكثر أهميّة على العالم الهولنديّ والصينيّ. وقد حُصر التّجار الهولنديّون في جزيرة اصطناعيّة صغيرة تُدعى «ديجيما»، بينما أقيم للتّجار الصينيّين مجمّع منفصل داخل المدينة. ومن خلال هذه القنوات التجاريّة الخاضعة للرّقابة، دخلت الكتب والآلات والمعارف الطبيّة والفلكيّة واللغات الأوروبيّة إلى اليابان، ونشأ ما عُرف لاحقاً باسم «الدّراسات الهولنديّة».
وترتبط ناغاساكي أيضاً بتاريخ تراجيديّ طويل مع المسيحيّة. فقد أصبحت في القرن السّادس عشر مركزاً رئيسيّاً للنّشاط التبشيريّ الذي قاده اليسوعيّون البرتغاليّون. وبعد حظر المسيحيّة واضطهاد أتباعها، نشأت فيها جماعات «المسيحيّين المختبئين»، أو «كاكوري كيريشيتان»، الذين حافظوا على عناصر من عقيدتهم وطقوسهم سرّاً طوال نحو قرنين ونصف، تحت طائلة التّعذيب والإعدام. وعندما انفتحت اليابان مجدّداً في القرن التّاسع عشر، خرج بعض هؤلاء المؤمنين من السرّيّة، ثم بُنيت في حيّ أوراكامي كاتدرائيّة ضخمة اكتمل بناؤها عام 1925، وكانت واحدة من أكبر الكنائس الكاثوليكيّة في شرق آسيا.
غير أنّ المجهود الحربيّ اليابانيّ في القرن العشرين فرض على ناغاساكي تحوّلاً صناعيّاً ثقيلاً؛ إذ امتلأت أجزاء من واديها الضّيّق بمجمّعات شركة “ميتسوبيشي” لبناء السّفن، ومصانع الصّلب، ومرافق إنتاج الأسلحة والذّخائر والطوربيدات التي دعمت القوّة البحريّة اليابانيّة في حرب المحيط الهادئ. وبرغم أهميّتها الصناعيّة، لم تكن ناغاساكي الهدف الرئيسيّ الأوّل في الخطط الأمريكيّة. فقد أُضيفت إلى القائمة المعدّلة بعد إصرار وزير الحرب الأمريكيّ هنري ستيمسون على استبعاد كيوتو بسبب مكانتها التاريخيّة والدّينيّة والثّقافيّة الاستثنائيّة، وخشية أن يؤدّي تدميرها إلى تسميم العلاقة بين اليابان والولايات المتّحدة لأجيال.
وفي مهمّة التّاسع من آب/أغسطس، كانت مدينة كوكورا هي الهدف الرئيسيّ، بينما كانت ناغاساكي الهدف البديل. لكن السّحب والدّخان وضعف الرّؤية فوق كوكورا دفعت القاذفة الأمريكيّة إلى التّحوّل نحو ناغاساكي، فنجت مدينة ودُمّرت أخرى بفعل تقلّبات الطّقس والوقود والزّمن.
الجزء الثّاني: السّياق العسكريّ لعام 1945 وحرب التّدمير الحضريّ
لا يمكن فهم الدّوافع التي قادت إلى استخدام السّلاح النوويّ من دون تفكيك المشهد العسكريّ والسّياسيّ المتفحّم لعام 1945. ففي شهر أيّار/مايو من ذلك العام، استسلمت ألمانيا النّازيّة رسميّاً بعد انتحار أدولف هتلر وسقوط برلين في يد الجيش الأحمر السوفياتيّ. وبذلك وضعت الحرب أوزارها في أوروبا، وباتت الإمبراطوريّة اليابانيّة تقف وحدها في ساحة الصّراع، تواجه الولايات المتّحدة وبريطانيا وحلفاءهم، بينما كانت تترقّب بقلق احتمال دخول الاتّحاد السوفياتيّ الحرب ضدّها.
كانت معارك المحيط الهادئ قد بلغت ذروة وحشيتها. فقد خاضت القوات الأمريكيّة سلسلة معارك ضارية ضمن استراتيجيّة «القفز بين الجزر»، وأظهرت معارك إيوو جيما وأوكيناوا أنّ القيادة العسكريّة اليابانيّة كانت مستعدّة لتحمّل خسائر هائلة ورفض الاستسلام حتّى في أوضاع ميؤوس منها. وفي بعض الجزر، وقع انتحار جماعيّ لمدنيّين بالقفز من المرتفعات أو باستخدام القنابل، تحت ضغط الخوف والدّعاية العسكريّة التي صوّرت الأسر الأمريكيّ بوصفه مصيراً أشدّ رعباً من الموت. كما دخلت هجمات «الكاميكازي» الانتحاريّة بالطّائرات بوصفها عنصراً مرعباً ألحق خسائر فادحة بالأسطول الأمريكيّ.
وكانت الولايات المتّحدة تعدّ لغزو الجزر اليابانيّة الرئيسيّة ضمن خطّة حملت الاسم الكوديّ «عمليّة داونفول» (Operation Downfall). وتفاوتت تقديرات الخسائر المحتملة تفاوتاً واسعاً؛ فتحدّثت بعض الخطط عن عشرات أو مئات الآلاف من الخسائر الأمريكيّة خلال المراحل الأولى، بينما ظهرت أرقام أعلى بكثير في تقديرات لاحقة، ولا سيّما بعد الحرب. أمّا الخسائر اليابانيّة، العسكريّة والمدنيّة، فكان متوقّعاً أن تكون أفدح بكثير، في مواجهة قوات نظاميّة وميليشيات مدنيّة كانت السّلطات تدرّب أجزاء منها على المقاومة بأسلحة بدائيّة، من بينها رماح الخيزران.
لكن اليابان لم تكن تنتظر الغزو من دون أن تُدمّر مسبقاً. فقد كانت المدن اليابانيّة تتعرّض لحملة قصف جويّ شاملة قادها الجنرال الأمريكيّ كورتيس ليماي، الذي تبنّى استراتيجيّة القصف الحارق للمراكز الحضريّة باستخدام قنابل مصمّمة لإشعال الأحياء المكتظّة المبنيّة إلى حدّ كبير من الخشب والورق. وفي ليلة التّاسع والعاشر من آذار/مارس 1945، نفّذت القوات الجويّة الأمريكيّة «عمليّة ميتينغهاوس» ضدّ طوكيو. حلّقت مئات القاذفات من طراز «بي-29» على ارتفاعات منخفضة، وألقت آلاف القنابل الحارقة فوق الأحياء السكنيّة. أنتج القصف عاصفة ناريّة هائلة التهمت الأكسجين، ورفعت درجات الحرارة إلى مستويات أذابت الزّجاج والأسفلت وبعض المعادن وشوّهت المنشآت الفولاذيّة. وقُتل ما يقارب مئة ألف إنسان في ليلة واحدة، وهو رقم يتجاوز التّقديرات الشّائعة للقتلى الفوريّين في هيروشيما.
بحلول صيف عام 1945، كانت عشرات المدن اليابانيّة قد دُمّرت جزئيّاً أو كليّاً بالقصف التقليديّ، وأصبح الموت الجماعيّ من الجو أمراً روتينيّاً في حسابات الحرب. وفي هذا المناخ المحترق، اجتمعت «لجنة الأهداف» الأمريكيّة لاختيار مدن لم تتعرّض بعد لدمار واسع، حتّى تظهر القوّة التدميريّة الخاصّة بالسّلاح الجديد الذي كان يُصنع في سرّيّة مطبقة داخل مشروع مانهاتن.
الجزء الثّالث: العلوم الشيطانيّة في كواليس مشروع مانهاتن
إنّ السّلاح الذي دمّر هيروشيما وناغاساكي لم يكن مجرّد نسخة أكبر من المتفجّرات التقليديّة، بل كان التّجسيد الماديّ لعقود من الاكتشافات في الفيزياء والكيمياء والهندسة؛ اكتشافات بدأت بمحاولة فهم بنيّة المادّة، ثم انتهت إلى تحرير طاقة النّواة نفسها.
الشرارة الأولى والخوف من القنبلة النازية
بدأت الحكاية العلميّة الحاسمة في كانون الأوّل/ديسمبر عام 1938 في معهد القيصر فيلهلم للكيمياء في برلين، عندما قصف الكيميائيّان الألمانيّان أوتو هان وفريتز شتراسمان اليورانيوم بالنيوترونات، ثم وجدا بين نواتج التجربة عنصراً أخفّ هو الباريوم. وقدّمت الفيزيائيّة النمساويّة ليزه مايتنر، بالتّعاون مع ابن أختها أوتو فريش، التّفسير الفيزيائيّ الحاسم: إنّ نواة اليورانيوم انقسمت إلى نواتين أخفّ. وأطلقا على الظّاهرة اسم «الانشطار النوويّ» (Nuclear Fission).
تبيّن أنّ انشطار النّواة الثّقيلة يطلق مقداراً هائلاً من الطّاقة نتيجة تحوّل جزء ضئيل من الكتلة إلى طاقة وفق معادلة آينشتاين الشّهيرة: E = mc². والأخطر من ذلك أنّ الانشطار يطلق نيوترونات إضافيّة يمكن أن تصطدم بنوى أخرى وتؤدّي إلى انشطارها، فينشأ ما يُعرف بـ«التّفاعل المتسلسل». أحدث هذا الاكتشاف هزّة في الأوساط العلميّة. وكان الفيزيائيّ الهنغاريّ المهاجر ليو زيلارد يدرك مبكّراً الأبعاد العسكريّة المحتملة لهذه الظّاهرة إذا تمكّنت ألمانيا النّازيّة من استغلالها.
وفي صيف عام 1939، أقنع زيلارد ألبرت آينشتاين بتوقيع رسالة صاغها زيلارد بالتّعاون مع علماء آخرين، وُجّهت إلى الرّئيس الأمريكيّ فرانكلين روزفلت. حذّرت الرّسالة من احتمال أن تعمل ألمانيا على تطوير قنابل تعتمد على اليورانيوم وذات قدرة تدميريّة غير مسبوقة، ودعت الولايات المتّحدة إلى دعم الأبحاث النوويّة. لم تؤدّ الرّسالة فوراً إلى إنشاء مشروع مانهاتن، لكنّها أسهمت في إطلاق سلسلة من اللجان والبرامج الحكوميّة التي توسّعت تدريجيّاً، إلى أن تحوّلت في عام 1942 إلى مشروع عسكريّ وصناعيّ بالغ الضّخامة.
الإدارة الشّرسة: تحالف الجنرال والسّاحر
مع دخول الولايات المتّحدة الحرب، أُخضع البرنامج لإشراف فيلق مهندسي الجيش الأمريكيّ، وحمل الاسم الإداريّ المموّه «منطقة مانهاتن الهندسيّة»، بينما عُرف المشروع كله لاحقاً باسم «مشروع مانهاتن». ولإدارة هذا المشروع، الذي تجاوزت كلفته ملياري دولار في أسعار الأربعينيّات، اختير رجلان يمثّلان قطبين مختلفين.
كان الأوّل الجنرال ليزلي غروفز، وهو مهندس عسكريّ صارم أشرف قبل ذلك على مراحل من بناء مبنى البنتاغون. اتّسم غروفز بعقليّة تنفيذيّة حاسمة، وفرض نظاماً بالغ الصّرامة من السرّيّة وتقسيم المعلومات، بحيث يعرف كلّ فريق الجزء الذي يحتاج إليه فقط من المشروع.
أمّا الرّجل الثّاني فكان روبرت أوبنهايمر، عالم الفيزياء النّظريّة من جامعة كاليفورنيا في بيركلي. كان واسع الثّقافة، سريع الفهم، وقادراً على التّواصل مع علماء من تخصّصات متعدّدة، لكنّه لم يكن يمتلك خبرة إداريّة توازي ضخامة المهمّة. ورغم اعتراضات الأجهزة الأمنيّة على صلاته السّياسيّة السّابقة، أصرّ غروفز على تعيينه مديراً علميّاً للمختبر الجديد.
أُسّس مختبر سرّيّ فوق هضبة معزولة في لوس ألاموس بولاية نيو مكسيكو، وجُمعت فيه نخبة من الفيزيائيّين والكيميائيّين والمهندسين. كان بعضهم قد حصل على جائزة نوبل، وبعضهم سيحصل عليها لاحقاً، وكان عدد منهم قد فرّ من الفاشيّة والاضطهاد في أوروبا. ومن بين أبرز المشاركين إنريكو فيرمي، وهانز بيته، وإدوارد تيلر، وريتشارد فاينمان، وجون فون نيومان، إلى جانب علماء ومستشارين زائرين مثل نيلز بور.
ولم يقتصر مشروع مانهاتن على لوس ألاموس. فقد بُنيت منشآت صناعيّة عملاقة في أوك ريدج بولاية تينيسي لتخصيب اليورانيوم، أي رفع نسبة النّظير القابل للانشطار، اليورانيوم-235، في اليورانيوم الطبيعيّ. كما أُنشئت في هانفورد بولاية واشنطن مفاعلات ومنشآت كيميائيّة لإنتاج البلوتونيوم وفصله. وبلغ عدد العاملين في المشروع في ذروته أكثر من 130 ألف شخص، لم يكن معظمهم يعرف طبيعة المنتج النهائيّ الذي يسهم في صنعه.
واجه علماء مشروع مانهاتن مسارين تقنيّين مختلفين لإنتاج القنبلة: مسار يعتمد على اليورانيوم-235، ومسار يعتمد على البلوتونيوم-239. وقد أدّى اختلاف خواصّ المادّتين إلى تصميمين مختلفين جذريّاً.
آلية المدفع وقنبلة اليورانيوم: «الولد الصغير»
يعتمد هذا التّصميم على اليورانيوم-235. ويتكوّن اليورانيوم الطبيعيّ بنسبة تقارب 99.3 في المئة من اليورانيوم-238، وهو نظير مشعّ طويل العمر، لكنّه لا ينشطر بسهولة بالنيوترونات البطيئة ولا يدعم بالطّريقة نفسها تفاعلاً متسلسلاً مستداماً. أمّا اليورانيوم-235، القابل للانشطار، فلا يشكل سوى نحو 0.7 في المئة من اليورانيوم الطبيعيّ. ولأنّ النّظيرين يمتلكان السّلوك الكيميائيّ نفسه تقريباً، لا يمكن فصلهما بكفاءة باستخدام التّفاعلات الكيميائيّة العاديّة. ولهذا تطلّب تخصيب اليورانيوم بناء منشآت صناعيّة هائلة في أوك ريدج، استُخدمت فيها تقنيات متعدّدة، منها الفصل الكهرومغناطيسيّ والانتشار الغازيّ. ولم يكن الناتج يورانيوم-235 نقيّاً، بل يورانيوم عالي التّخصيب، أي مادّة رُفعت فيها نسبة اليورانيوم-235 من أقلّ من واحد في المئة إلى مستويات عالية كافية لصنع السّلاح.
كان تصميم قنبلة «الولد الصّغير» بسيطاً نسبيّاً. فقد وُضع جزء من اليورانيوم العالي التّخصيب في أحد طرفي جهاز يشبه سبطانة المدفع، ووُضع جزء آخر في الطّرف المقابل. وكان كلّ جزء منفرداً دون الحالة الحرجة المطلوبة لبدء تفاعل متسلسل متسارع. وعند التّفعيل، دفعت شحنة دافعة تقليديّة أحد الجزأين بسرعة داخل الجزء الآخر. وعند اجتماعهما، تكوّن خلال زمن قصير جدّاً تجميع فوق حرج، أي تجميع أصبح فيه عدد النيوترونات القادرة على إحداث انشطارات جديدة يتزايد من جيل إلى آخر. وفي أجزاء ضئيلة من الثّانية، تحرّرت طاقة هائلة قبل أن تتمكّن القنبلة نفسها من التّمزّق والتبعثر. وبسبب بساطة التّصميم النسبيّة، والثّقة العالية بإمكان نجاحه، لم يُختبر هذا النّوع قبل استخدامه فوق هيروشيما.
آلية الانضغاط الداخلي وقنبلة البلوتونيوم: «الرجل البدين»
اعتمد المسار الثّاني على البلوتونيوم-239، وهو عنصر يُنتج صناعيّاً، ولا يوجد في الطبيعة إلّا بآثار ضئيلة لا تصلح مصدراً عمليّاً. وكان إنتاجه يتمّ بتعريض اليورانيوم-238 لتدفّق من النيوترونات داخل المفاعلات، فيتحوّل عبر سلسلة من التّحوّلات النوويّة إلى البلوتونيوم-239. امتاز البلوتونيوم بإمكان استخدام كتلة أصغر نسبيّاً لإنتاج سلاح نوويّ. لكنّ العلماء اكتشفوا مشكلة خطيرة عندما حاولوا تطبيق آلية المدفع عليه. فالبلوتونيوم المنتج في المفاعلات يحتوي حتماً على نسبة من البلوتونيوم-240، وهو نظير يملك معدّلاً مرتفعاً نسبيّاً من الانشطار التلقائيّ وإطلاق النيوترونات. ولو جُمعت كتلتان من البلوتونيوم ببطء آلية المدفع، فقد يبدأ التّفاعل المتسلسل قبل اكتمال التّجميع، فتتمزّق القنبلة مبكّراً وتنتج انفجاراً ناقص المردود، أو إخفاقاً نوويّاً جزئيّاً، بدلاً من الانفجار المطلوب. ولحلّ هذه المشكلة، طوّر سيث نيدرماير وعلماء آخرون مفهوم «الانضغاط الداخليّ» (Implosion).
اعتمد التّصميم على وضع نواة شبه كرويّة مصمتة من البلوتونيوم في مركز الجهاز. وكانت النّواة في حالتها الابتدائيّة دون الحالة الحرجة اللازمة للانفجار، ثمّ أُحيطت بطبقات من موادّ عاكسة للنيوترونات وحافظة للقصور الذّاتيّ، وبمنظومة بالغة التّعقيد من «العدسات المتفجّرة».
لم تكن هذه العدسات عدسات بصريّة، بل تشكيلات هندسيّة من موادّ متفجّرة سريعة وأخرى أبطأ، مثل «كومبوزيشن بي» و«الباراتول». وكان الغرض منها تحويل موجات الانفجار المتعدّدة إلى موجة صدميّة كرويّة متناظرة تتّجه نحو الدّاخل. وعند لحظة الصّفر، كان يجب أن تنفجر الشّحنات كلّها بتزامن بالغ الدّقّة، بفارق يقلّ عن جزء من المليون من الثّانية. فإذا نجح التّزامن، تلقّى سطح النّواة ضغطاً متماثلاً من جميع الاتّجاهات، كما لو أنّ كلّ نقطة على سطح كرة دُفعت في اللحظة نفسها نحو مركزها. أدّى هذا الضّغط إلى زيادة كثافة البلوتونيوم وتقليل تسرّب النيوترونات منه، فانتقلت النّواة بسرعة من حالة دون حرجة إلى حالة فوق حرجة، وبدأ التّفاعل المتسلسل المتسارع. ولأنّ أيّ خلل طفيف في شكل الموجة الصدميّة أو توقيتها كان كفيلاً بإفشال السّلاح، لم يكن ممكناً الوثوق بهذا التّصميم من دون اختبار عمليّ.
الجزء الرابع: اختبار ترينيتي وفتح أبواب الجحيم
في منتصف تموز/يوليو عام 1945، وبينما كان الرّئيس الأمريكيّ الجديد هاري ترومان يستعدّ للقاء الزّعيم السوفياتيّ جوزيف ستالين ورئيس الوزراء البريطانيّ وينستون تشرشل في مؤتمر بوتسدام بألمانيا، كان علماء لوس ألاموس يضعون اللمسات الأخيرة على أوّل اختبار نوويّ في التّاريخ. حمل الاختبار الاسم الكوديّ «ترينيتي»، أي «الثّالوث»، وهو اسم اختاره أوبنهايمر على الأرجح متأثّراً بأشعار الشّاعر الإنكليزيّ جون دون.
أُقيم الاختبار في منطقة صحراويّة نائية ضمن «جورنادا ديل مويرتو»، أي «مسير الرّجل الميت»، داخل ميدان ألاموغوردو للقصف والرّماية بولاية نيو مكسيكو. ورُفعت القنبلة الاختباريّة، التي أطلق عليها العلماء اسم «الأداة» (The Gadget)، فوق برج فولاذيّ ارتفاعه نحو مئة قدم. كانت «الأداة» من نوع قنابل البلوتونيوم ذات الانضغاط الداخليّ، وتشبه في مبدأ عملها القنبلة التي ستُلقى لاحقاً على ناغاساكي.
عند السّاعة الخامسة وتسع وعشرين دقيقة وخمس وأربعين ثانية من صباح السّادس عشر من تموز/يوليو عام 1945، أُعطيت إشارة التّفجير. في لحظة واحدة، شقّ وميض هائل ظلمة الصّحراء وحوّل الليل إلى نهار أبيض. أطلق الانفجار طاقة تقدّر بنحو واحد وعشرين ألف طنّ من مكافئ مادّة «تي إن تي». وتمدّدت كرة النّار بسرعة هائلة، ثمّ ارتفعت في السّماء سحابة فطريّة بلغت ارتفاعاً يقارب أربعين ألف قدم. دُمّر البرج الفولاذيّ، وتبخّر أو انصهر معظم أجزائه، ولم يبق منه قرب نقطة الصّفر إلّا آثار محدودة. وولدت كرة النّار في قلبها درجات حرارة هائلة، فيما أدّت الحرارة والإشعاع قرب سطح الأرض إلى صهر رمال الصّحراء وموادّ البرج والمنشآت المحيطة ودمجها في مادّة زجاجيّة مشعّة، غلب عليها اللون الأخضر الباهت، وعُرفت لاحقاً باسم «الترينيتيت» أو «زجاج ترينيتي». والترينيتيت ليس معدناً بالمعنى العلميّ الدّقيق، بل مادّة زجاجيّة غير متبلورة، تكوّنت عندما انصهرت رمال الصّحراء وامتزجت بموادّ أخرى ثمّ بردت وتصلّبت بعد الانفجار.
وقف العلماء والجنرالات على مسافات بعيدة يراقبون السّحابة المتصاعدة بمزيج من الذّهول والانتصار والخوف. وروى أوبنهايمر لاحقاً أنّ آية من الملحمة الهنديّة «البهاغافاد غيتا» خطرت في ذهنه، يتحدّث فيها كريشنا في هيئته الكونيّة:
«الآن صرتُ الموت، مدمّر العوالم».
وليس من المؤكّد أنّه تلفّظ بهذه العبارة لحظة الانفجار، لكنّها أصبحت لاحقاً التّعبير الأشهر عن الصّدمة الأخلاقيّة التي صاحبت ولادة السّلاح النوويّ.
أمّا الفيزيائيّ كينيث بينبريدج، مدير اختبار ترينيتي، فقد التفت إلى أوبنهايمر بعد الانفجار وقال له بعبارة شديدة القسوة:
«الآن أصبحنا جميعاً أوغاداً».
لم يكن نجاح اختبار ترينيتي مجرّد إنجاز تكنولوجيّ لعلماء مشروع مانهاتن، بل كان نقطة اللاعودة في التّاريخ الإنسانيّ. فقد امتلكت الإدارة العسكريّة والسّياسيّة الأمريكيّة، للمرّة الأولى، سلاحاً يستطيع إبادة مركز حضريّ كامل خلال لحظات، ويترك خلفه آثاراً حراريّة وإشعاعيّة تمتدّ إلى سنوات وعقود. لكنّ الاختبار لم يكن نهاية الرّحلة العلميّة، بل بداية الاستخدام السّياسيّ والعسكريّ للسّلاح. ومع وصول خبر النّجاح إلى الرّئيس ترومان في بوتسدام، اكتسبت الولايات المتّحدة ورقة قوّة جديدة في مواجهة اليابان وفي حساباتها مع الاتّحاد السوفياتيّ.
وفي جزيرة تينيان بالمحيط الهادئ، كانت القاذفات الأمريكيّة المرابطة تنتظر الأوامر. كانت قنبلة اليورانيوم جاهزة لهيروشيما، وكانت قنابل البلوتونيوم قد أثبتت نجاحها في ترينيتي. ولم يعد السّؤال التقنيّ هو ما إذا كان السّلاح سيعمل، بل أين ومتى سيُستخدم، وكم إنساناً سيتحوّل خلال لحظة إلى ظلّ مطبوع على حجر.
هكذا خرج العلم من المختبر إلى سماء المدن. وهكذا تحوّلت المعادلات والسّبائك والنيوترونات والعدسات المتفجّرة إلى نار ستبتلع هيروشيما وناغاساكي، وتفتح فصلاً جديداً من السّياسة الدوليّة، يتشابك فيه دمار المدينتين مع ولادة الحرب الباردة وسباق التّسلّح النوويّ. أمّا السّؤال الذي ظلّ معلّقاً منذ ذلك الصّباح، فلم يعد سؤالاً في الفيزياء، بل في الأخلاق: هل كانت البشريّة، حين تعلّمت كيف تشطر نواة الذّرة، قد بلغت ذروة عبقريتها، أم أنّها كانت قد بدأت تشطر ضميرها هي أيضاً؟
(يُتبع قريباً…)
