من الطبيعي أن يتلقى مخططو العمليات في القيادة الوسطى الأميركية (CENTCOM) بصورة مستمرة معلومات محدثة عن إيران، تشمل قدراتها العسكرية، ونظام القيادة والسيطرة، وانتشار قواتها، وسائر المعطيات اللازمة لتحديث عملية تقدير الموقف. وبالمثل، من الطبيعي أيضًا أن يقوم مخططو القيادة العسكرية الإيرانية بالعمل نفسه، عبر متابعة الحشود العسكرية الأميركية المنتشرة في الدول المحيطة بإيران، وفي المحيط الهندي، والخليج العربي، والبحر المتوسط، وبحر قزوين.
وقد تصاعدت في الآونة الأخيرة تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران، ومضمونها التلويح بتوجيه ضربة موجعة وحاسمة إذا لم تمتثل طهران وتفتح مضيق هرمز وتقبل الدخول في مفاوضات من دون شروط. وبعض هذه التهديدات تُرجم إلى أفعال، كما حدث في الهجوم الذي استمر ثلاث عشرة ليلة، في حين لم يُنفذ بعضها الآخر، كما في التهديد الأخير الذي أثار قلقًا واسعًا في المنطقة، ودفع وزارة الخارجية الأميركية إلى تحذير رعاياها في معظم دول الشرق الأوسط من تدهور الوضع الأمني، وما قد يترتب عليه من مخاطر تطاول السكان المحليين والرعايا الأجانب على حد سواء، قبل أن تتراجع لغة التهديد لساعات لمصلحة الحديث عن تفاهم إيراني عُماني محتمل بشأن مضيق هرمز، بما يحفظ مصالح وسيادة البلدين ولو أدى إلى فتح مسار جديد في المضيق، يكون بديلاً للمسارين الجنوبي والشمالي.
ولا يبدو هذا السلوك الترامبي (التهديد والعودة عنه ثم إليه) مجرد تردد في اتخاذ القرار، بل يعكس مزيجًا من السياسة، والدعاية، والاستراتيجية، أكثر مما يعكس خداعًا عسكريًا بالمعنى التقليدي؛ إذ أن الحشود العسكرية الأميركية الضخمة تؤكد وجود استعداد حقيقي لاستخدام القوة متى رأت القيادة الأميركية أن الظروف أصبحت ملائمة لذلك.
سرد الوقائع
وقبل الانتقال إلى عرض الأعمال المحتملة، يجدر التوقف عند بعض الوقائع في الميدان العسكري:
-في حزيران/يونيو 2025، شنت إسرائيل حربًا على إيران استمرت اثني عشر يومًا، شاركت الولايات المتحدة في مراحلها الأخيرة بقصف المنشآت النووية، ولا سيما منشأة فوردو.
-في 28 شباط/فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا مشتركًا على إيران كان من بين أبرز أهدافه اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، وعدد من كبار قادة الجيش والحرس الثوري وأجهزة الاستخبارات. وانتهت العمليات العسكرية بعد تسعة وثلاثين يومًا، إثر وساطة باكستانية أفضت إلى وقف إطلاق النار بموجب تفاهم إسلام آباد.
وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال دان كين، قد أعلن أن القوات الأميركية قصفت نحو خمسة آلاف هدف خلال تلك العمليات.
ومن الواضح أن الهدف الأميركي لم يكن مجرد توجيه ضربة عسكرية، بل إسقاط النظام القائم وإحلال نظام موالٍ للولايات المتحدة، وهو ما أكده الرئيس ترامب في أكثر من مناسبة.
غير أن فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها، وعدم امتلاكها استراتيجية خروج واضحة من هذه الأزمة، أظهرا حالة من التخبط في الحسابات العسكرية والسياسية، انعكست في التبدلات المتكررة والتناقضات التي طبعت تصريحات الرئيس الأميركي ومواقفه.
وإذا أردنا تفكيك هذه الإشارات وإعادة قراءتها وفق المنهج الأكاديمي المعتمد في تقدير الموقف، فإن ذلك يقود إلى محاولة استشراف الأعمال المحتملة التي قد تلجأ إليها الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة، استنادًا إلى الحشود العسكرية الأميركية، وطبيعة انتشارها، والظروف العملياتية القائمة، والنيات المعلنة للقيادة السياسية والعسكرية الأميركية.
أولًا: الوضع الراهن طويل الأمد (Status Quo)
يقوم هذا الاحتمال على الإبقاء على الوضع العسكري الراهن لفترة طويلة، من خلال استمرار الحشود البحرية الأميركية في المحيط الهندي، مع إبقاء القطع البحرية، ولا سيما حاملات الطائرات، خارج مدى التهديدات الإيرانية المباشرة، بحيث لا تقل المسافة الفاصلة عنها عن نحو 250 كيلومترًا، وقد تصل بالنسبة إلى حاملات الطائرات إلى نحو ألف كيلومتر.
ويشمل هذا السيناريو أيضًا الإبقاء على الحصار المفروض على إيران، ومواصلة عمليات القصف في محيط مضيق هرمز بهدف إضعاف قدرة القوات الإيرانية على إغلاق المضيق، أو استهداف السفن التي لا تلتزم بتعليمات الحرس الثوري، سواء باستخدام الصواريخ الباليستية، أو الطائرات المسيّرة، أو الزوارق السريعة.
وفي المقابل، تتولى القوات الأميركية المنتشرة في دول الخليج الدفاع عن قواعدها ومنشآتها، بما في ذلك استخدام منظومات الدفاع الجوي لاعتراض الصواريخ الإيرانية، مع الاستعداد لتحمل الخسائر المحتملة الناتجة عن إصابة بعض هذه القواعد أو تعرضها لأضرار متفاوتة.
ثانيًا: توسيع عمليات القصف
يقوم هذا العمل المحتمل على تنفيذ حملة قصف واسعة تمتد على طول جبهة المواجهة، من السليمانية وأربيل في شمال العراق، وصولًا إلى رأس مسندم في سلطنة عُمان.
وتشمل هذه العمليات استهداف المراكز العسكرية الإيرانية في المحافظات الجنوبية، ولا سيما سيستان وبلوشستان، وهرمزغان، وفارس، وبوشهر، بهدف الحد من قدرة القوات الإيرانية المنتشرة في محيط مضيق هرمز على إغلاقه أو التحكم بحركة الملاحة فيه.
كما قد تمتد عمليات القصف إلى المحافظات الشمالية المحاذية لإقليم كردستان العراق.
وقد لوحظ، خلال الفترة الأخيرة، تنفيذ ضربات أميركية استهدفت منطقة بيرانشهر المقابلة لأربيل. ويُرجَّح أن يكون الهدف من هذه الضربات توفير إسناد غير مباشر للمعارضة الكردية، وللقوى الداعمة لها في أربيل والسليمانية، باعتبار أن أي تقدم لهذه القوى داخل الأراضي الإيرانية قد يفتح المجال أمام تواصلها مع المناطق الكردية في محافظات كرمانشاه، وكردستان، وإيلام، وأجزاء من أذربيجان الغربية، بما يشكل ضغطًا إضافيًا على القيادة الإيرانية.
ثالثًا: ضرب الأهداف الاستراتيجية
يتضمن هذا السيناريو توجيه ضربات مباشرة إلى أهداف استراتيجية داخل إيران، تشمل محطات توليد الكهرباء، والمنشآت النووية، ولا سيما منشأة جبل فأس، إضافة إلى منشآت استخراج النفط وتخزينه، وفي مقدمتها جزيرة خرج، التي تعد المركز الرئيسي لتصدير النفط الإيراني.
وتضم الجزيرة خزانات ضخمة لتخزين النفط الخام، تقدر طاقتها الاستيعابية بنحو أربعين مليون برميل، إضافة إلى مرافق متطورة لتحميل ناقلات النفط بسرعة عالية، الأمر الذي يجعلها هدفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.
كما قد تشمل الضربات مصافي تكرير النفط المنتشرة في مختلف أنحاء إيران، بهدف تقويض قدرتها على إنتاج المشتقات النفطية، وإضعاف بنيتها الاقتصادية.
وفي إطار هذا السيناريو، يُرجَّح أن تقدم الولايات المتحدة دعمًا مباشرًا لأي هجوم بري قد تنفذه المعارضة الكردية في شمال إيران، من خلال توفير الإسناد الجوي واستهداف الوحدات الإيرانية التي تتولى الدفاع عن تلك المناطق.
ولا يُستبعد، في حال تطور العمليات، تنفيذ إنزال عسكري محدود على جزيرة خرج، انطلاقًا من قاعدة عريفجان في الكويت، أو من قواعد أميركية أخرى في المنطقة، بهدف السيطرة المؤقتة على منشآت النفط أو تعطيلها.
في النهاية، يبقى تقدير الموقف عملاً ديناميكياً يتغير مع تغير المعلومات والظروف الميدانية والسياسية. فما يُعد اليوم عملاً محتملاً قد يفقد جدواه غداً، وقد يبرز عمل آخر أكثر ملاءمة لتحقيق الهدف السياسي والعسكري. لذلك، لا ينبغي التعامل مع الحشود العسكرية أو التهديدات المتبادلة باعتبارها مؤشراً حتمياً على اندلاع الحرب، بل بوصفها جزءاً من عملية مستمرة لإنتاج الخيارات وصنع القرار. أما القرار النهائي، فيبقى رهناً بالتوازن الدقيق بين القدرة العسكرية، والكلفة السياسية، ورد فعل الخصم، والنتائج المتوقعة لكل خيار.
