أسفرت المرحلة الأولى، في مطلع الستينيات، عن طرد كلّ من نسيب نمر وأوهانس إغباشيان ونخلة مطران وإدمون عون، إلى جانب لائحة طويلة من كوادر الحزب العاملين في الحقلين النقابي والسياسي. ولم يحدثنا غسّان الرفاعي عن تلك المرحلة، بل التزم الصمت حيالها، شأنه شأن معظم قيادات الحزب الذين كتبوا مذكّراتهم، باستثناء جورج البطل الذي عبّر في مذكّراته بلغة ودّية تجاه نخلة مطران وإدمون عون، من دون أن يتطرّق إلى طبيعة تلك الأزمة.
وشكّلت مشاركة كل من جورج حاوي وموريس نهرا في جنازة نسيب نمر عام 2001 رسالة رمزية لطيّ تلك الصفحة وما رافقها من ممارسات ستالينية. وقد انصبّ التركيز بصورة أكبر على المرحلة الثانية من الأزمة، وربما كانت الأهم في نظر غسّان الرفاعي وسائر الذين كتبوا عنها، من كريم مروة إلى الياس البواري وجورج البطل. فهي المرحلة التي نقلت الحزب إلى حالة جديدة تنظيمياً وفكرياً وسياسياً، وفتحت أمامه الطريق ليتبوأ دوراً قيادياً في العمل الوطني اللبناني خلال العقدين التاليين.
يتناول غسّان الرفاعي أزمة الحزب في الستينيات من خلال روايته لمسار الأزمة التي أدّت إلى طرد حسن قريطم وصوايا صوايا وبعض الذين انحازوا إلى تكتلهما، كما يسلّط الضوء على الدور الذي لعبه الأمين العام للحزب نقولا الشاوي في الخروج من الأزمة والحفاظ على وحدة الحزب ووضعه على طريق الإعداد للمؤتمر الثاني، بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على المؤتمر الأول الذي عُقد في أواخر عام 1943 ومطلع عام 1944.
وفي ما يتعلق بالإعداد للمؤتمر الثاني، يذكر الرفاعي بالأسماء عدداً من الذين أسهموا في رسم الرؤية الجديدة للحزب، سواء في الفكر والسياسة أو الفن والحياة الديموقراطية داخل الحزب. فيقول:
“لا يمكن التقليل مثلاً من دور جورج البطل ورهيف فياض في توضيح رؤيتنا للآفاق الوطنية والديموقراطية التي ينبغي أن يتضمنها البرنامج… وجهود الرفيق محمود الواوي في تهيئة الدراسات حول القضية الفلسطينية… وعزيز صليبا والرفاق محمد نجيب الجمال وعدنان دغيدي وفهد البيطار وفؤاد نصر ومنصور صوما في القضية الزراعية”.
ويتابع:
“وهنا لا بدّ من التنويه بالجهد الكبير الذي أدّاه الرفيق حسين حمدان (أبو فادي)، وروجيه حاج، وأحمد بعلبكي، والياس الهبر (الريس)، ومجموعة من القادة والمناضلين النقابيين في بلورة تصوراتنا وفهمنا للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتحديد التوجهات العامة لنضالاتنا في هذه القطاعات والميادين المرتبطة بها. كما أسهم الدكتور حسين مروة والدكتور حسن حمدان (مهدي عامل)، ونسيم ضاهر، وفؤاد زحيل، وكامل شاهين، والياس شاكر، وسمير سعد، وزاهي الدبس، ومحمد دكروب، والدكتورة يمنى العيد، والدكتور إبراهيم الحاج في وضع سياستنا العامة في التربية والتعليم والبرامج وبلورتها، وفي وضع أسس توجهاتنا في المجالات الأيديولوجية عامة، وفي مكافحة الاتجاهات والأفكار الطائفية، وفي وضع المبادئ والقواعد الفكرية والقانونية لإصلاح الدولة اللبنانية. كما كان للدور الاستشاري الثمين الذي قدّمه الفنانون والكتّاب الكبار: جلال خوري، ومحمد عيتاني، ويعقوب الشدراوي، وبول غيراغوسيان، وقاسم حول، في ميادين المسرح والسينما والفنون التشكيلية، أهمية حاسمة في صياغة سياستنا على الصعيدين الثقافي والفني”. (ج1، ص 247)
هنا أراد غسّان الرفاعي إبراز الطابع الجماعي لعملية إعادة بناء الحزب وصوغ توجهاته الجديدة، والتأكيد أن هذه الورشة الفكرية والسياسية والثقافية لم تكن صناعة فرد أو قائد بعينه، كما أوحت بعض الكتابات اللاحقة. كما تكشف هذه الشهادة حجم الاهتمام الذي أولاه أهل الفكر والثقافة والفن للفكر اليساري الماركسي، وللدور الذي كان يُنتظر من الحزب الشيوعي اللبناني أن يضطلع به في عملية النهوض والتغيير.
أما مهمة إعداد التقرير السياسي الذي سيلقيه نقولا الشاوي أمام المؤتمر الثاني، فقد أُنيطت بغسّان الرفاعي. وقد تطلّب ذلك لقاءات وجلسات طويلة مع “أبو زهير” أثناء التحضير، إضافة إلى العودة إلى صحافة الحزب وأرشيفه على امتداد خمسة وعشرين عاماً، أي منذ المؤتمر الأول، من أجل بناء رؤية تجمع بين البعد التاريخي والاستشراف المستقبلي. (ج1، ص 248)
في المسألة القومية
نظر معظم قادة الحزب، وعلى مختلف المستويات، إلى المؤتمر الثاني بوصفه أكثر من مجرد مؤتمر تاريخي، حتى إن بعضهم اعتبره ولادة جديدة أو ولادة ثانية للحزب. تجلّى ذلك في إعادة الاعتبار للحياة الديموقراطية داخل المنظمات الحزبية على مختلف المستويات، وإن كنت أفضل عدم استخدام تعبير “العودة”، لأن الممارسة الديموقراطية بمعناها الأصيل لم تكن حاضرة بصورة فعلية في حياة الحزب منذ نشأته. كما تجلّى هذا التحول في المقاربة الجديدة للمسألة القومية، ولا سيما في الموقف من الوحدة العربية والقضية الفلسطينية.
فقد انتقل الحزب بصورة سريعة من موقف عبّر عنه البيان المشترك للحزبين الشيوعيين اللبناني والسوري الصادر في 17 تشرين الأول/اكتوبر 1947، والذي أكّد أن “قضية فلسطين هي قضية حرية وجلاء واستقلال”، وأن حلها يكمن في “الجلاء والاستقلال وإلغاء الانتداب ورفض مشروع التقسيم رفضاً باتاً”، مع الإيمان بإمكان “عيش العرب واليهود في فلسطين في ظل دولة ديموقراطية مستقلة واحدة” (نضال الحزب الشيوعي من خلال وثائقه، الجزء الأول، ص149)، وهو موقف انسجم مع التوجه السوفياتي السائد آنذاك.
وجاء في تقرير المؤتمر الثاني:
“ينبغي الاعتراف بصراحة أن مردّ ذلك وأساسه هو استصغار وإهمال القضايا القومية وعدم فهمها بشكل موضوعي لمرحلة طويلة، وعدم رؤية طبيعتها الثورية. وكان ذلك ناتجاً عن النظرة الخاطئة، أي النظر من الخارج إلى القضايا القومية، واعتبارها قضية البرجوازية وحدها، كأن العمال والفلاحين والجماهير الشعبية لا تتحسس بالمشاعر القومية ولا تحركها القضايا القومية”. (نضال الحزب، ص153)
وقد سمح هذا النقد الذاتي للحزب بأن يتموضع كقوة فاعلة داخل المناخ السياسي الجديد الذي كان يتشكل في لبنان، في ظل التفاف شعبي واسع حول الثورة الفلسطينية والعمل الفدائي. غير أن هذا الانخراط قاد أيضاً إلى تبنّي مقاربات لم يستشرف الحزب النتائج الكارثية التي ستترتب عليها لاحقاً داخل الساحة اللبنانية، أي تقديم البعد القومي ولا سيما الفلسطيني على البعد اللبناني.
وليس من السهل اختصار تلك المرحلة من حياة الحزب بين عامي 1968 و1972، ولا المخاض الفكري والسياسي الذي رافقها. فقد امتزج النضال الوطني من أجل حياة ديموقراطية سليمة بالنضال الطبقي الذي قاده العمال والمزارعون عبر قيادات نقابية واعية ومستقلة، كما امتزج بالنضال القومي مع صعود العمل الفلسطيني السياسي والعسكري على الأرض اللبنانية.
وشكّلت تظاهرة 23 نيسان/أبريل 1969 محطة تاريخية في تجسيد هذه العلاقة بكل ما حملته من عناصر قوة وضعف، ومن رهانات صحيحة وأخطاء جسيمة. وقد مهّد ذلك كلّه للمؤتمر الثالث للحزب الشيوعي اللبناني (1972) ورفعه شعار: “من أجل حكم وطني ديموقراطي يمهّد الطريق للانتقال إلى الاشتراكية”، أي خيار الانتقال السلمي والديموقراطي، بخلاف ما كان سائداً في المنطقة من تجارب انقلابية عسكرية.
تزامنت الأزمة الداخلية التي قادت إلى المؤتمر الثاني مع تحولات واسعة داخل الحركة القومية العربية نحو الماركسية. ولم يكن التقارب سهلاً بين الحزب الشيوعي والقادمين الجدد إلى هذا الفضاء الفكري.
فبين 15 أيلول/سبتمبر و6 كانون الأول/ديسمبر 1969، نشرت مجلة “الحرية” سلسلة مقالات لأحد رموز حركة القوميين العرب محسن إبراهيم بعنوان “حقيقة الخلاف مع الحزب الشيوعي اللبناني”. وجاء الردّ والنقاش بقلم غسّان الرفاعي، الذي كان آنذاك في موسكو مسؤولاً عن متابعة دورة تثقيفية لحوالي ثلاثين كادراً حزبياً، قبل أن يطلب منه الحزب العودة وتكليفه بهذه المهمة.
ويشير الرفاعي إلى أن الردّ كان حذراً، لأن “اسم محسن كان يُتداول دائماً في اجتماعات المكتب السياسي بكثير من الاحترام”، بوصفه أحد قادة الانتقال من الفكر القومي إلى الفكر الماركسي. لذلك كان الهدف من السجال تحقيق التقارب لا تعميق التباعد.
وقد جُمعت هذه المقالات لاحقاً
في كتاب بعنوان “اليسار الحقيقي واليسار المغامر” وقّعه الرفاعي باسم مستعار هو “يساري لبناني”. كان الكتاب مادة سجال فكري وسياسي مع محسن إبراهيم حول موقف الحزب الشيوعي اللبناني من القضية القومية، ولا سيما القضية الفلسطينية والحرب الشعبية طويلة الأمد، وطبيعة الأنظمة الوطنية، وكيفية إسقاط حكم الطغمة المالية، ودور الجيوش العربية النظامية في عملية التحرير.
وما يزال كتاب “اليسار الحقيقي واليسار المغامر” يحتل موقعاً مهماً في تاريخ السجال الفكري اليساري العربي، بوصفه وثيقة تعكس طبيعة الحوار والخلاف بين التيار الماركسي الذي مثّلته الأحزاب الشيوعية العربية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي اللبناني بعد مؤتمره الثاني، وبين الحركة القومية العربية التي كانت تبحث، عقب هزيمة عام 1967، عن طريقها الجديد نحو اليسار الماركسي، في مواجهة أزمة الأنظمة الوطنية وجيوشها ومشاريعها السياسية.
وحتى اليوم، لم يقم الحزب الشيوعي اللبناني بإجراء تقييم شامل للحرب الأهليّة في لبنان، باستثناء بعض القراءات النقدية المتفرقة التي قدّمها عدد من قادة الحزب الذين عايشوا تلك المرحلة. وربما كان أول من تطرّق إلى هذا الموضوع جورج حاوي، في مقابلة أجراها معه الشهيد مهدي عامل بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ونشرتها مجلة “الطريق” تحت عنوان: “ماذا جرى؟ ولماذا؟ وما العمل؟”. كما تناول كريم مروة، في العديد من كتبه ومقالاته ومقابلاته، الحرب الأهلية وانخراط الحزب فيها من منظور نقدي، إضافة إلى ما ورد في مذكرات جورج البطل بعنوان: “أنا الشيوعي الوحيد”.
خصّص غسّان الرفاعي في مذكّراته، بل في قراءته النقدية للحرب الأهلية، فصلاً كاملاً لهذا الموضوع، تكثر فيه الأسئلة أكثر بكثير من الاستنتاجات والأجوبة. فقد تناول مسألة نضوج الأوضاع الداخلية التي أدّت إلى اندلاع الحرب، أو ما يمكن تسميته بحتميتها، وإمكان طرح مشروع تغيير للنظام القائم أو بديل له، كما سلّط الضوء على العلاقة بين البعدين “الوطني” و”القومي” في نهج الحركة الوطنية اللبنانية، وعلى الدور الخارجي، أو بالأحرى الأدوار الخارجية، في تفجير الصراع.
يكتب غسّان الرفاعي:
” التناقضات (الداخلية) لم تكن إلا “الصاعق” المطلوب، إذا ما استخدمنا لغة الحرب وتعابيرها. وهذا الواقع بالذات لا يخفف، بل على العكس يضاعف المسؤولية علينا، نحن الأطراف الوطنية اللبنانية جميعاً، من دون أي استثناء، لأننا ندرك طبيعة أبعاد ذلك المخطط الجهنمي واستهدافاته الأوسع مدى، ومع ذلك انجرفنا في دوامة حرب مدمرة للحجر والبشر. وحتى لو قلنا إن المسؤوليات تتفاوت بين الأطراف من حيث درجاتها، فإن ذلك لا يعفي من المسؤولية حتى الطرف “الأكثر براءة”. فالانفجار في لبنان لم يكن حصراً نتيجة تفجر تناقضاته الداخلية(…). هذه التناقضات استخدمت كصاعق لتمرير استراتيجية أعمق تطال منطقة الشرق الأوسط كله، بدءاً من لبنان حيث منظمة التحرير الفلسطينية والقضية التي تمثلها كقوة رئيسية معيقة أمام تحقيق تلك الاستراتيجية”. (ج1، ص 262)
لقد وقعت الواقعة وانفجر القتال. وبحسب قراءة غسان الرفاعي، كان هناك مخطط أميركي واسع النطاق تورّطت فيه أطراف لبنانية، وتحديداً “فئة قيادية ضيقة جداً من الوسط الطائفي اليميني المسيحي”، في مقابل محاولات حثيثة من جانب قوى منظمة التحرير الفلسطينية لـ”بناء سلطتها، أو دولتها البديلة، على الأرض اللبنانية، متجاهلة الدولة اللبنانية”.
ومع ذلك، لا يقدّم غسّان الرفاعي أي تبرئة للحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع الثورة الفلسطينية، ولا سيما في ما يتعلق بمسؤوليتها عن تداعيات الحرب الأهلية وما خلّفته من قتل وتهجير وتدمير وخراب وانهيار لمؤسسات الدولة. وهنا تكمن أهمية مقاربته النقدية.
ففي الحروب الأهلية لا تقتصر المسؤولية على من ارتكب “المعصية الكبرى”، بل تمتد أيضاً إلى من ارتكب “المعصية الصغرى”.
ويتابع الرفاعي نقده لموقف الحركة الوطنية، وبصورة خاصة لموقف الحزب الشيوعي اللبناني، فيقول:
“هذا التقييم الموضوعي لمسار الأحداث لا يبخس الأهمية السياسية والإعلامية للبرنامج المرحلي، لكنه يُظهر عدم واقعية طرح أهداف أعلى لا تسمح بتحقيقها الشروط السياسية الخارجية أولاً وأساساً، ثم الداخلية ثانياً، المؤثرة في الوضع اللبناني آنذاك. والحقيقة الثانية التي أغفلناها ولم نأخذها بعين الاعتبار، كما أعتقد، هي أن تناقضات الوضع اللبناني الخاصة، على الرغم من كل ثغرات النظام السياسي والاقتصادي اللبناني، لم تكن قد وصلت إلى درجة تبرّر عملية “تغيير النظام”، أو تُبرّر ذلك الانفجار العسكري الواسع والرهيب”. (ج1، ص 268)
هذا النقد ليس تفصيلاً عابراً، بل يذهب إلى صلب الخلل الذي شاب تقدير الحزب لمدى نضوج شروط التغيير وإمكان تحقيقه. فالرفاعي يقرّ، من موقعه القيادي، بأن الحزب طرح مهمات تفوق طاقته الفعلية، ولا تعكس مستوى نضج القوى السياسية والاجتماعية في الداخل، ولا طبيعة ميزان القوى الإقليمي القادر على تحويل هذه الشعارات إلى واقع.
ويختلف هذا التقييم عن الموقف التقليدي للحزب، الذي كان يرى في البرنامج المرحلي للحركة الوطنية اللبنانية إطاراً يحدّ من تفاقم الحرب الأهلية ويضع لبنان على سكة التغيير الديموقراطي. أما غسّان الرفاعي، فقد انتهى إلى الاعتقاد بأن ما طُرح آنذاك كان أقرب إلى أهداف صعبة المنال، بل إلى مطالب تعجيزية في ظل الظروف القائمة.
أما في ما يتعلق بوضع الثورة الفلسطينية في لبنان ودورها في تفجير الحرب وممارستها، فإن مقاربة غسّان الرفاعي تقترب كثيراً من الخلاصة التي توصّل إليها محسن إبراهيم، ومفادها أن الحركة الوطنية اللبنانية حمّلت لبنان وحده أكثر مما يحتمل من أعباء القضية الفلسطينية في مواجهة إسرائيل.
ويقول الرفاعي:
“هذا “التفصيل” الذي أغفلناه في تحليلنا وممارستنا أوقعنا في المحظور الخطر، الذي جرّنا إلى “خطيئة” الإخلال بالمعادلة السياسية، عبر إبخاس وزن العامل الوطني لمصلحة العامل القومي في نهجنا الممارس”. (ج1، ص 268)
بلغة أخرى، طغى ما يمكن تسميته بـ”فائض القومية” على مقاربة الحزب الشيوعي اللبناني للمسألة الوطنية، فاحتل البعد القومي موقع الصدارة على حساب الاعتبارات الوطنية اللبنانية. وهي النقطة التي عاد إليها عدد من قادة الحزب وكتابه في مراجعاتهم النقدية للحرب الأهلية.
إلا أن غسّان الرفاعي يذهب أبعد من ذلك، حين يشير إلى أن:
“أجواءً من الوهم الطموح، غير المبرر موضوعياً، كانت مسيطرة على عقول أشخاص في مواقع نافذة في الحركة الوطنية، كانوا يأملون في وضع اليد على السلطة عبر تحالفهم مع الثورة الفلسطينية… دون أن يدركوا أن الوصول إلى السلطة ليس عملاً لبنانياً داخلياً بحتاً”. (ص 259)
ميزة مذكرات غسان الرفاعي أنها تتجاوز الشخص إلى سيرة حزب شيوعي لبناني على مدى أكثر من نصف قرن، وما يزيد من أهمية المذكرات أن غسان الرفاعي استفاد من منابته العراقية لكي يراكم ثقافة سياسية ترى دور الشيوعيين اللبنانيين بوصفه جزءاً من دور يساري عربي، ولعل تحربته السورية المتواضعة في زمن الحزب الشيوعي الواحد في لبنان وسوريا، حفّزته للانشداد أكثر نحو استقلالية الشيوعيين اللبنانيين.. برغم أن الكثيرين يأخذون على غسان الرفاعي أنه انتهى لبنانوياً يُنادي بـ”لبنان أولاً”، على شاكلة ما يُنادي الكثيرون من رموز اليمين اللبناني.
