تتضمن الوثيقة ثلاثة عشر بنداً تتناول ملفات تتراوح بين الترتيبات الأمنية، وآليات إعادة الإعمار، والمساعدات الدولية، والعلاقات السياسية بين لبنان وإسرائيل. إلا أن القراءة المتأنية للنص تكشف أن أهمية الوثيقة لا تكمن فقط في ما تنص عليه صراحة، بل أيضاً في ما تسكت عنه، وفي المفردات القانونية التي اختيرت بعناية لتفتح الباب أمام تفسيرات والتزامات قد تتجاوز ظاهر النص. ومن هذا المنطلق، يمكن التوقف عند أبرز البنود على النحو الآتي:
البند الأول
تشي الفقرة، من خلال صياغات دقيقة، بأنّ كلا البلدين يتجهان إلى إنهاء حالة العداء بينهما. في الحقيقة، لا يزال اتفاق الهدنة (1949) ساري المفعول منذ أن شرع الكيان في إقامة اتفاقات هدنة مع البلدان المجاورة عقب خسارة الجيوش العربية معركتها لاستعادة فلسطين إثر النكبة. وقد وقّع لبنان عام 1949 هذه الاتفاقية بإشراف الأمم المتحدة، والتي بموجبها رُسم ما عُرف آنذاك بخط الهدنة، وسحبت إسرائيل قواتها من ثلاث عشرة قرية لبنانية كانت تحتلها آنذاك. كما التزم الجانبان بعدم اللجوء إلى القوة العسكرية لتسوية قضية فلسطين، وبالامتناع عن اتخاذ أي عمل عدائي ضد شعب الجانب الآخر أو قواته، أو الإعداد لمثل هذا العمل أو التهديد به. كذلك تنص الاتفاقية على أن يُحترم احتراماً كاملاً حق كل طرف في أمنه وحريته من الخوف من هجوم تشنه عليه قوات الجانب الآخر المسلحة.
وبالعودة إلى الفقرة الأولى من الاتفاق الإطاري، فإن البلدين، كما هو منصوص في الوثيقة، يعبّران عن عزمهما على العمل لإحراز تقدم لا رجعة فيه نحو حل شامل لجميع القضايا العالقة بينهما. غير أنّ الوثيقة لا تذكر ما هي هذه القضايا، ولا الإطار الذي ستُحل ضمنه، علماً أنّه، قبل حرب الإسناد، كانت هناك ثلاث عشرة نقطة متنازعاً عليها على الخط الأزرق منذ حرب تموز 2006، إضافة إلى قضية ملكية مزارع شبعا.
ثم أضيفت إلى هذه الملفات عشرات القرى والبلدات التي احتلتها إسرائيل بين حربي الإسناد الأولى والثانية، فضلاً عن عشرات (وربما مئات) المعتقلين والمفقودين اللبنانيين الذين ما يزال مصيرهم مجهولاً، ولم تكلّف الدولة اللبنانية نفسها حتى عناء إثارة قضيتهم، ولو إعلامياً، في المحافل الدولية.
البند الثاني
تقول الفقرة بوضوح إن الجيش اللبناني يستعيد سيادته على الأراضي اللبنانية “ريثما يتم التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها”، والمقصود، بطبيعة الحال، حزب الله.
إذاً، فإن استعادة السيادة، في هذا السياق، تصبح مرتبطة بتحقيق الهدف الإسرائيلي الدائم المتمثل في نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها، أي مؤسساتها بأكملها.
ولا تشير الفقرة إلى انسحاب إسرائيلي، بل تعمّد معدّو الوثيقة استبدال هذه العبارة بأخرى هي “إعادة الانتشار خارج الأراضي اللبنانية”، في تكرار واضح للنموذج الذي اعتُمد في غزة بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار هناك.
البند الثالث
تبدأ الفقرة بعبارة ذات دلالات لافتة للانتباه: “عملاً بالملحق الأمني”. وهذا يعني أنّ هناك ملحقاً أمنياً، أو عدة ملاحق أمنية، ستلي الاتفاق الإطاري، وهي تؤدي عادةً وظيفة المراسيم التنفيذية للقوانين، إذ تتضمن آليات التطبيق التنفيذية والإجرائية.
وانطلاقاً من مبدأ الشفافية، وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، ينبغي على السلطات اللبنانية الكشف عن هذه الملاحق، خصوصاً بعدما ألمح الجانب الإسرائيلي إلى أن لبنان هو الذي طلب ابقاء الملحق سرياً.
وإذا تجاوزنا هذه النقطة، نصل إلى مسألة أكثر إشكالية تتعلق بما تسميه الوثيقة “المناطق الأمنية”. إذ تشير إلى وجود منطقتين أمنيتين سيجري تطبيق هذه الآلية فيهما، في بادئ الأمر، من دون أن تحددهما بالاسم.
والأخطر من ذلك أنّ الاتفاق الإطاري ينص على أنه، بمجرد التأكد من “نجاح نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية في هذه المناطق”، سيتولى الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية الكاملة والفاعلة فيها، وستبدأ جهود إعادة الإعمار المدعومة دولياً، وسيتمكن المدنيون اللبنانيون من العودة إليها بأمان.
وبمعنى آخر، فإن عودة الأهالي وبدء إعادة الإعمار يصبحان مشروطين بتحقيق هدف نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته بالكامل!
البند الرابع
تؤكد الفقرة التزام الحكومة اللبنانية بالعمل على ضمان عدم وجود أي دور عسكري أو أمني أو قدرات مسلحة لهذه الجماعات المسلحة في أي مكان من لبنان.
وإذا كان من المؤكد أنّ حزب الله هو الطرف المقصود بهذا النص، كما في سائر بنود الوثيقة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يشمل ذلك أيضاً سلاح الفصائل الفلسطينية، سواء داخل المخيمات أو خارجها؟
علماً أنّ الحكومة اللبنانية اتخذت سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى معالجة هذا الملف خلال صيف وخريف عام 2025، قبل أن يتبين وجود ثغرات جوهرية في الخطة، كشفت عن تسرّع في مقاربة هذا الملف، وعدم الجدية الكافية في معالجته.
البند الخامس
يشعر قارئ هذه الفقرة وكأن العمليات العسكرية التي ينفذها جيش الاحتلال ضد لبنان، أرضاً وشعباً، ليست سوى نتيجة مباشرة لوجود المقاومة، متجاوزة بذلك حقائق تاريخية ثابتة تؤكد أنّ إسرائيل اعتدت على مناطق لبنانية مختلفة، وقتلت مدنيين، وخطفت مواطنين، قبل ظهور المقاومات الشعبية في لبنان خلال ستينيات القرن الماضي.
فقد شهدت المرحلة الممتدة بين توقيع اتفاق الهدنة عام 1949 واتفاق القاهرة عام 1969 عشرات الاعتداءات الإسرائيلية، وكان العدوان على مطار بيروت الدولي أحد أبرز هذه الاعتداءات.
البند التاسع
تنص الفقرة بوضوح على ما يلي: «أي مساعدة أميركية جديدة للقوى الشرعية ستكون مشروطة بصرامة بتحقيق مراحل محددة قابلة للتحقق، وبالشفافية الكاملة، وتحقيق نتائج ملموسة، وخضوعها لرقابة مستمرة. ومن شأن هذا الجهد أن يتيح إعادة ترسيخ السيادة اللبنانية بشكل آمن ومنظم، كما سيساهم في تعزيز الاستقرار والأمن على نطاق أوسع في منطقة الشرق الأوسط بأسرها».
وبكلام آخر، فإن أي مساعدة تُقدَّم إلى الجيش اللبناني، سواء كانت على شكل هبات أو قروض، ستكون مرتبطة بمدى تنفيذ السلطات اللبنانية تعهداتها، بما فيها الالتزامات السياسية التي تنازل عنها لبنان الرسمي في هذه الوثيقة، أو تلك التي قد يتنازل عنها لاحقاً.
ولاحظوا أيضاً أنّ النص يتضمن عبارة «رقابة مستمرة» على هذه المساعدات، في محاولة واضحة لربطها بإلزامية تنفيذ الرغبات الأميركية والإسرائيلية المشتركة بوصفها شرطاً للحصول على هذه المنح.
البند العاشر
يمثل هذا البند إغراءً مالياً واقتصادياً مباشراً للسلطة اللبنانية، عبر الوعود ببرامج للتعافي الاقتصادي، ودعم المؤسسات، وإنعاش الاقتصاد، بل إن الولايات المتحدة تتعهد بالعمل على حشد الدعم الدولي لهذا المسار التنموي، بما يشمل إعادة البناء وإصلاح البنى التحتية.
وبعد ساعات قليلة من توقيع الاتفاق الإطاري، وفي إطار تشجيع السلطات اللبنانية على المضي في تنفيذه، أعلن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، تقديم مساعدات إنسانية فورية بقيمة 100 مليون دولار، ستُصرف بالتعاون مع الأمم المتحدة ومؤسساتها العاملة في لبنان، إضافة إلى مساعدات عسكرية للقوات المسلحة اللبنانية بقيمة 30 مليون دولار.
ويمكن النظر إلى هذه المساعدات بوصفها «دفعة على الحساب»، وفق التعبير اللبناني الشائع، تمهيداً لحزم دعم أكبر، شرط التزام الدولة اللبنانية بتنفيذ التعهدات الواردة في الاتفاق.
البند الحادي عشر
تنص الفقرة على «التزام كل من لبنان والولايات المتحدة بمنع تدفق الأموال إلى أي كيان أو منظمة أو فرد تابع لجماعات مسلحة من غير الدول، واتخاذ التدابير القانونية المتاحة لحظر أنشطة أي كيان أو منظمة أو فرد من هذا القبيل».
كما تؤكد «التزام الحكومة اللبنانية صراحة بمنع وصول أموال إعادة الإعمار إلى الجماعات المسلحة من غير الدول والكيانات المرتبطة بها».
في الواقع، تستكمل هذه الفقرة سلسلة الإجراءات الحكومية التي اتُّخذت سابقاً بحق مؤسسة القرض الحسن.
وفي هذا السياق، حظر مصرف لبنان على المصارف وشركات الوساطة التعامل مع كيانات غير مرخصة، وأشار صراحة إلى مؤسسة القرض الحسن نموذجاً لذلك، في تعميم أصدره في تموز/يوليو الماضي.
ويُذكر أنّ وزارة الخزانة الأميركية فرضت عقوبات على المؤسسة عام 2007، معتبرة أنّ حزب الله يستخدمها غطاءً لإدارة أنشطة مالية ومنفذاً للوصول إلى النظام المالي الدولي.
واستكمالاً لهذه الإجراءات، التي بدأت منذ صيف عام 2025، أحال وزير العدل، عادل نصّار، مؤسسة القرض الحسن إلى النيابة العامة التمييزية للتحقيق في مخالفات قانونية، في ظل مساعٍ متواصلة لتضييق نطاق نشاطها المالي أو تغيير طبيعته.
البند الثاني عشر
نقتبس من هذه الفقرة المقطع الآتي:
«لتحقيق أهداف هذا الإطار، ستنشئ الحكومتان على الفور مسارات تكميلية للتواصل المباشر والمستمر بتيسير من الولايات المتحدة، وتلتزم الحكومتان بالمضي قدماً بحسن نية حتى يتحقق سلام كامل ودائم…»
وتثير هذه الصياغة ملاحظتين أساسيتين:
الأولى؛ أنّها توحي بأن لبنان وإسرائيل قد دشّنا مرحلة جديدة من العلاقات المباشرة والطبيعية عبر قنوات اتصال مفتوحة، في وقت لا تزال القوانين اللبنانية النافذة، وفي مقدمها قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955، تحظر أي تواصل مباشر مع العدو، إلا إذا كانت لدى السلطة نية مستقبلية لتعديل هذه التشريعات.
أما الملاحظة الثانية؛ فتتعلق بحملات إعلامية ودعائية برزت في لبنان خلال السنوات الثلاث الماضية، راحت تروّج بصورة علنية لخطاب يقوم على التسامح مع العدو والتطبيع معه، تحت عناوين ومسميات مختلفة.
ويقف وراء هذه الحملات، بحسب متابعات متعددة، سياسيون ومصرفيون وإعلاميون، إضافة إلى عدد من المؤثرين، يرتبط بعضهم بعلاقات مع دوائر القرار الأميركية أو مع جماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة والغرب.
البند الثالث عشر
تلفت هذه الفقرة الانتباه إلى مسألتين أساسيتين:
الأولى؛ أنّها تنص على تعهد لبنان وإسرائيل بوقف الأعمال العدائية بينهما في المحافل السياسية والقانونية الدولية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يعني ذلك التزام لبنان بعدم ملاحقة إسرائيل أمام المحاكم والهيئات الدولية، بما يشمل الدعاوى المرتبطة بقتل المدنيين، والصحافيين، وفرق الإسعاف والإنقاذ، فضلاً عن مسؤوليتها القانونية الناجمة عن احتلال أجزاء من الأراضي اللبنانية؟
أما المسألة الثانية؛ فتتعلق بالعبارة الأخيرة من الفقرة، التي تنص على أن الطرفين «يتعهدان بالعمل على البحث عن الرفات وإعادتها، والإفراج عن المحتجزين».
وهنا تبرز ملاحظتان:
الأولى؛ هل المقصود بالرفات هو رفات الطيار الإسرائيلي المفقود منذ العام 1986 رون أراد.
ويُذكر أنّ قوات إسرائيلية خاصة نفذت، في آذار/مارس 2026، عملية إنزال جوي وتوغلاً برياً في بلدة النبي شيت، شرق لبنان، بحثاً عن رفات أراد، إلا أنّ العملية انتهت بالفشل.
أم أنّ لدى إسرائيل معلومات عن رفات جنود آخرين فُقدوا خلال الحرب الأخيرة؟
الثانية؛ تتعلق بالاستخفاف الواضح بملف الأسرى اللبنانيين، إذ لا يرد أي تحديد لهويتهم أو عددهم، برغم حساسية هذه القضية وأولويتها الوطنية.
فكيف تقبل الدولة اللبنانية أن يُدرج هذا الملف في البند ما قبل الأخير من الاتفاق الإطاري، بدلاً من أن يحتل موقعاً متقدماً في الوثيقة؟
ولا يبدو هذا الأمر مستغرباً، إذا صحّ الرأي القائل إن السلطات اللبنانية قدّمت، في نظر الكاتب، تنازلات أساسية في ملفات سيادية قبل الوصول إلى هذه المرحلة.
في الخلاصة؛ تكشف القراءة المتأنية للاتفاق الإطاري أن المسألة لا تتعلق بمجرد تفاهم تقني لتنظيم وقف إطلاق النار أو إعادة ترتيب الوضع الأمني في جنوب لبنان، بل بوثيقة ترسم، للمرة الأولى منذ عقود، إطاراً سياسياً وقانونياً جديداً للعلاقة بين لبنان وإسرائيل، وتربط بين الأمن والسيادة وإعادة الإعمار والمساعدات الدولية ضمن منظومة واحدة من الالتزامات المتبادلة، وبالتالي تجعل لبنان في الحضن الإسرائيلي الأميركي.
وقد بيّنت الظروف المرافقة لتوقيع الاتفاق الإطاري أنّ الدولة اللبنانية استعجلت صياغته لقطع الطريق أمام المسار الأميركي الإيراني الذي نصّ في فقرته الأولى على وقف الحرب في جميع الجبهات بما فيها لبنان، غير أن هذه المحاولة غير مضمونة النتائج خصوصاً أن امكان تحول مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية إلى اتفاق مبرم، هو احتمال لا تزال حظوظه مرتفعة طالما أننا ما نزال ضمن مهلة الستين يوماً.
ولا يمكن الحكم النهائي على هذه الوثيقة قبل نشر ملاحقها الأمنية والتنفيذية، لأنها هي التي ستحدد آليات التطبيق وحدود الالتزامات الفعلية لكل طرف. غير أن البنود المعلنة وحدها تكفي لإثارة أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحجم التنازلات المتبادلة، وحدود ما تستطيع الدولة اللبنانية الالتزام به دستورياً وسياسياً، فضلاً عن انعكاسات ذلك على الصراع مع إسرائيل وعلى مستقبل القرار السيادي اللبناني.
ولذلك، فإن هذا الاتفاق لا ينبغي أن يبقى مادة للتجاذب السياسي أو الإعلامي فحسب، بل يفترض أن يخضع لنقاش وطني وقانوني واسع، لأن الوثائق من هذا النوع لا تؤسس فقط لوقف حرب، بل قد ترسم ملامح مرحلة كاملة من تاريخ لبنان.
وفي الختام، ينبغي القول إن توقيع الجانب اللبناني هذا الاتفاق يمثّل انتقاصاً لكرامة عشرات آلاف الشهداء الذين سقطوا ليس خلال العامين المنصرمين فقط، إنما خلال العقود السبع الأخيرة، منذ نشوء الكيان على حدودنا عام 1948 وحتى يومنا هذا. وهذه تضحيات اندفع لتثبيتها عشرات آلاف الأشخاص الذين قاوموا المحتلّ من أجل تحرير الأرض، مهما كانت راية هذه المقاومة، منذ ستينيات القرن الماضي، وحتى حرب الإسناد الأخيرة.
(*) راجع النص الكامل للاتفاق الإطاري الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل على الرابط الآتي: www.alaraby.co.uk/politics
