غزة، لم تكن ضمن دائرة البحث في اللقاء الثامن بين ترامب ونتنياهو، بعد أسابيع من الخلافات العاصفة بينهما، ودفعت بالرئيس الأميركي إلى استخدام أوصاف نابية في وصف شريكه في حربين على إيران. وكان الباعث على الغضب الأميركي المحاولة المكشوفة من نتنياهو لنسف محاولات الحوار مع إيران، عبر التصعيد المتواصل في لبنان.
الثلاثاء الماضي هي المرة الأولى، التي لا يحتفل فيها ترامب باستقبال نتنياهو أمام وسائل الإعلام، وفق ما درج عليه منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل سنة ونصف. وحتى دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي جرى من باب خلفي. واتسم بيان الرئاسة الأميركية حول اللقاء بعبارات تقليدية على غرار أنه “كان إيجابياً ومثمراً”، بينما تعمد الجانب الإسرائيلي التركيز على أن الاجتماع اقتصر على بحث الملف الإيراني، مع حرص على إيراد عبارة أن نتنياهو أكد أن ترامب هو الذي “يقود” المواجهة، وذلك تجنباً لتكرار الروايات التي سادت عقب اجتماع 11 شباط/فبراير، التي أفادت بأن نتنياهو جرّ ترامب إلى حرب “غير ضرورية”.
ومع أن ترامب وصف الخميس اعلان مجلس السلام بأنه “اختراق تاريخي”، فإنه في اليوم التالي بدا أقل حماسة عندما اعترف في اجتماع إدارته بمنتجع كمب ديفيد، بأن “ليس ثمة من تفاهم مع إسرائيل” حول بنود الخطة التي أعلنها مجلس السلام يوم الخميس الماضي، لكنه أضاف بأن “إسرائيل سعيدة جداً، وقد ساعدتنا”. ونحى نحو الواقعية بوصفه الوضع بأنه “بالغ التعقيد”، مشيراً إلى احتمال تعرض الخطة لـ”تقلبات”.
وهذا ما درج عليه ترامب. إذ أنه يحتفي بالاتفاقات التي تحمل بصماته، ومن ثم لا يلبث أن يهملها وينساها. وعلى سبيل المثال، لم تعمر مذكرة التفاهم التي وقعت مع إيران سوى أسبوعين، علماً إنه وصفها بعد مهر توقيعه عليها في قصر فرساي الفرنسي في 17 حزيران/يونيو الماضي، بأنها خطوة تاريخية ستفتح آفاق السلام في الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ 3 آلاف سنة.
كذلك فعل ترامب عندما أعلن عن الاتفاق النووي مع السعودية، ليعود بعد 24 ساعة ليقرنه بموافقة الرياض على الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وعلى التأكيد أن بنوده لا تتضمن أي امكانية لتخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية.
وسبق لترامب نفسه، عند الإعلان عن خطته لغزة في شرم الشيخ قبل نحو عام، أن قال إن الشرق الأوسط قد دخل العصر الذهبي. وبعد أشهر على التوقيع على وقف النار في تشرين الأول/أكتوبر، انصرف إلى فنزويلا وإيران، وكان مصير الخطة الإهمال، بينما قتلت إسرائيل أكثر من 1200 فلسطيني مذاك، وحشرت مليوني فلسطيني في شريط ساحلي ضيق، بعدما دفعت بـ”الخط الأصفر” من 53 في المئة من مساحة غزة، لحظة وقف النار، إلى 64 في المئة حالياً، مع خطط للتوسع إلى 70 في المئة، وفق ما يؤكد نتنياهو علناً.
الآن، أي معارضة من قبل نتنياهو لخطة مجلس السلام، قد تزيد من تعقيدات العلاقة مع ترامب، الذي يرى أن التقدم في غزة كمتنفس له، بعد أكثر من خمسة أشهر من الصراع غير المحسوم مع إيران، وليُقدّم نفسه كصانع للسلام في الشرق الأوسط. وآخر ما يتوقعه ترامب هو أن يتحول الإعلان عن التقدم المحرز في غزة حالياً، إلى ما يشبه قفزة رأس في بركة فارغة.
وفي موقف ينم عن الشعور الثقيل بالقلق، وزّعت الحكومة الإسرائيلية بياناً الجمعة لما وصفته بـ”مسؤول ديبلوماسي”، أكد على ضرورة “نزع فعلي” لسلاح حركة “حماس”. وأعلن وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير ووزير المال بتسلئيل سموتريتش، معارضتهما القوية لأي انسحاب إسرائيلي من غزة، وكرّرا المطالبة بطرد الفلسطينيين من القطاع وبعودة الاستيطان.
تحريك مسار غزة قبل الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر، يضع نتنياهو في مأزق مزدوج. لا يستطيع خوض الانتخابات على خلفية التوتر مع ترامب، وكذلك لا يمكنه المجازفة بإغضاب الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة. وشعبيته في الاستطلاعات لا تطمئن أبداً في ظل تقدم زعيم حزب “يشار” بزعامة غادي آيزنكوت عليه.
وللخروج من المأزق، سيذهب نتنياهو إلى المماطلة وتصعيب الشروط على “حماس” حتى يظهر بأنها غير جدية في موافقتها على تسليم سلاحها. وعلى الأرجح سيعود إلى اللعبة القديمة-الجديدة، وهي المطالبة بنزع السلاح أولاً قبل الإقدام على أي انسحاب إسرائيلي، على المنوال نفسه في لبنان، من حيث المطالبة بتسليم سلاح “حزب الله” قبل التفكير في تنفيذ انسحابات إسرائيلية.
وقد ربطت “حماس” تسليم سلاحها الثقيل بوقف عمليات الاغتيال المستهدف وتنفيذ إسرائيل التزاماتها التي تنص عليها المرحلة الأولى من خطة ترامب المكونة من 20 بنداً، وبينها وقف النار وإدخال المساعدات الغذائية بكميات كافية إلى القطاع. وترى الحركة أن تسليم السلاح يجب أن يترافق مع بدء الانسحاب الإسرائيلي ودخول اللجنة الإدارية الفلسطينية وانتشار قوة الاستقرار الدولية وحل المليشيات التي أنشأتها إسرائيل، وكذلك بتحقيق تقدم ملموس نحو اعادة اعمار غزة.
ومع ذلك، ثمة تغيير واضح في موقف “حماس”، إذ كانت تربط في الماضي تسليم السلاح بقيام دولة فلسطينية. أما الآن، فإن الحركة تبدي مرونة واضحة مع موافقتها على “تخزين الأسلحة الثقيلة تحت سلطة وإشراف إدارة فلسطينية، وعدم نقلها إلى السيطرة الإسرائيلية”.
لكن الأمر ليس سوى خطوة أولى في مسار محفوف بالأفخاخ السياسية والعسكرية. وهذا ما أقر به الرئيس التنفيذي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف بقوله إن ما ينص عليه الاتفاق “أمر مهم، لكن ما سيحدث بعد ذلك أكثر أهمية، إذ يجب أن يكون التنفيذ والتحقق حقيقيين”.
يعتبر نتنياهو نفسه، حتى قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أن وجوده في السلطة، هو الضمانة لعدم قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة. وهو يخوض حملته الانتخابية تحت شعار عدم الانسحاب من “الخطوط الصفر” في غزة ولبنان وسوريا.
وعلى غرار غزة، يستخدم نتنياهو في الضفة الغربية استراتيجية الضم التدريجي، من خلال بناء المستوطنات، ومصادرة الأراضي، وشق الطرق، وإقامة نقاط التفتيش والمناطق العسكرية، وإصدار أوامر الهدم، وإضفاء الشرعية على بؤر استيطانية كانت تُعتبر سابقاً غير مرخصة.
وإذا كانت الأساليب تختلف، فإن المنطق الاستراتيجي يزداد تشابهاً: حصر الفلسطينيين في مناطق تتقلص مساحتها باستمرار، وتدمير المقومات المادية والاقتصادية للحياة الطبيعية، وخلق ظروف تجعل الرحيل يبدو وكأنه طوعي، وفق ما لاحظ مقال في مجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأميركية.
