السّرّ الأخطر والأعظم للبشريّة.. ما هو؟

تأمّل و/أو تفكّر معي جيّداً، وبكلّ هدوء وبكلّ صفاء ذهنيّ وبكلّ انفتاح: ما هو أخطر (وأعظم) سرّ أو لغز (Mystère) بالنّسبة إلى جميع البشر وبالنّسبة إلى البشريّة جمعاء.. وبالنّسبة ربّما إلى كلّ الكائنات الواعية على هذه الأرض، وربّما في أماكن أخرى؟ من الواضح - أليس كذلك؟ - أنّ حدسنا يُشير على الدّوام.. إلى أنّ هناك "سرّاً أعظم" قد يكون وراء كلّ شيء أو أنّه "سرّ" كلّ شيء.. أو فيه أو من خلاله فكّ لغز كلّ شيء. فما هو هذا السّرّ الأخطر الأعظم؟ ماذا يُمكن أن يكون؟

ما هو هذا السّرّ الذي نعرف أو نرجّح أنّ كَهَنة وسَحَرة ووسَطَاء – أو شامانيّي Chamanes – الجماعات البشريّة البدائيّة كانوا يقرعون له الطّبول، ولا يزال أحفادهم إلى اليوم في أماكن متعدّدة يقرعون له الطّبول والقلوب.. في ليالٍ عجيبةٍ، مُظلمةٍ مُنيرةٍ معاً، تشترك فيها جميع الثّقافات الانسانيّة ربّما؟

ما هو هذا السّرّ الأعظم الذي لطالما نشعر ونلمس، أو نرجّح أيضاً، أنّه الموضوع الحقيقيّ لأغلب الألحان الموسيقيّة إن لم يكن لجميع تلك الألحان.. ولجميع ما أبدعه الانسان أخو الإيقاع واللّحن والشّعر والفنّ والذّوق؟

ما هو هذا السّرّ الذي نحسّ ونشعر في أحيان كثيرة أنّه الموضوع الحقيقيّ الوحيد.. خلف أعظم وأعجب قصص الحبّ والعشق أخي الوصل والشّجون والقتل والنّوى.. والجنون؟

ما هو هذا السّرّ الذي نشعر كثيراً، أو نلمس بأيدي عقولنا نفسها، أنّه المقصد الأخير.. لتفكّر الفلاسفة وأهل التّفكير المنطقيّ-العقلانيّ أجمَعين؟

حقّاً، ما هو هذا السّرّ، الذي هو بالتّأكيد وراء انجذاب أعظم المتصوّفين والسّالكين، من أهل الأديان والمذاهب الرّوحيّة أجمَعين.. بل وراء شعورهم الملموس والواقعيّ والحارق: بالفناء قبل الفناء، وبالبقاء بعد البقاء؟

حقّاً، ما هو هذا السّرّ الذي أشعر على الدّوام بأنّه منتهى طلب الطّالبين للعلم وللمعرفة.. ومنتهى طلب الباحثين عن الحقيقة، مهما اختلفت تجلّيات وأشكال هذه الأخيرة؟

ألا يا أيّها الانسان، ويا أيّتها الموجودات الواعية من الإنس ومن المخلوقات جميعاً ومن عوالم الجانّ.. ما هو سرّكم هذا الأعظم والأخطر الذي تشعرون بوجوده في كلّ آن، ولكن.. سرعان ما تهربون من الالتفات إليه جدّيّاً، وسرعان ما تغفلون عن تذكّر تواجده معكم مع كلّ نَفس من أنفاسكم؟

ما هو هذا السّرّ؟ ماذا يُمكن أن يكون؟

***

سوف يذكر الكثيرون من المتفكّرين ومن المتأمّلين ومن المتفنّنين بيننا.. عدداً من الأسماء ويشيرون إلى عددٍ من المفاهيم.

من مثل ذلك: أنّ السّرّ الأعظم لَهُو.. الوُجودُ في ذاته، أي اللّا-عَدَم (أو: في “ل-ماذا” هناك شيء أصلاً، بدلاً من “لا شيء”، كما تحدّثنا في مقال سابق).

ومن مثله أيضاً: قول البعض إنّ السّرّ هذا لَهُو في أو حول انتقال الوجود، من درجة الوجود المَحض – الأحديّ – إلى درجة التّجلّيات أو الموجودات – أي إلى درجة الوجود المُتكثّر كما يُعبّر البعض. السّرّ عند البعض إذن قد يكون في انتقال الواحد المطلق.. إلى الكثير.

ومن مثله: حديث البعض أو الكثيرين عن أنّ السّرّ الأعظم طبعاً.. إنّما هو في “الله” (غالباً ما نتحدّث هنا في الواقع.. عن “مفهوم” حول الله، كما أشرنا في السّابق أيضاً).

ومن مثله: تشديد البعض على أنّ “الحياة” لَهِي السّرّ الأعظم.. أو ربّما الوجه الآخر لهذه الحياة.. أي “الموت”.

ومن مثله: انشاد المُنشدِين، من أغلب الجِنّة والنَّاس أجمَعين.. أنّ “الحُبّ” لَهُو هذا السّرّ العظيم، بما في ذلك أو وراءَه.. الحبّ الالهيّ، غير المشروط، الأعظم العظيم.

***

من دون مجازفة كبيرة تُذكر، يُمكنني الادّعاء واقعاً بأنّ الثّقافة التي بذلت الجهد الأكبر، وغاصت في العمق الأخطر لهذه المسألة.. هي الثّقافة الهنديّة بشكل عامّ، لا سيّما سالكو ومتأمّلو ومعلّمو الهندوسيّة من أهل الأوبانيشاد والآدفايتا فيدانتا، وهي من أهمّ كُتب وتقاليد الحكماء الأوّلين عندهم والآخرين، إن لم تكن أهمّها.

لقد تأمَّلَ أهلُ السّير والسّلوك والتّركيز من متأمّلي الهندوسيّة منذ آلاف السّنين ربّما، قبل ظهور بوذا العظيم وبعدَه.

تأمّلوا الأشياء والأمور “كما هي”، أي كما تظهر أو كما تتجلّى في وعي الانسان، أي من غير حُجب ذهنيّة وفكريّة ومفاهيميّة.. تأمّلوا، ونظروا واستنظروا، فرأوا على الأرجح – وربّما بالتّأكيد – ما هو “سرّنا العظيم الأعظم” جميعاً.

***

رأوا أنّ الخطوة الأولى تقوم على سؤال: حسناً؛ ومن الذي.. يسأل السّؤال؟ من الذي يسأل هذه الأسئلة كلّها؟

سيقول أيّ واحدٍ منّا.. “أنا”؛ أنا هو الذي يسأل السّؤال!

وهنا سيقول له أهل التّأمّل والتّنفّس والتّعمّق والتّذكّر: ومن هذا “الأنا”؟

حقّاً: اسألْ نفسَك.. من هذا ال-أنا الذي تدّعي أنّه هو الذي يسأل. فإذا قلت: هو هذا (الاسم)، سترى أنّ هناك “أنا” أعلى من هذا الاسم.. وقد أشارت إلى هذا الاسم.

فإذا قلت إنّ هذه الأخيرة هي (الدّماغ).. سترى بوضوح فائق أيضاً أنّ هناك “أنا” أعلى منها مجدّداً، وقد أشارت إلى هذا الدّماغ.

وإذا قلت إنّ هذه الأخيرة إنّما هي (ذهني) أو (عقلي).. سترى كذلك بوضوح متصاعد أنّ هناك “أنا” أعلى أيضاً، و”هي” التي قد أشارت وتشير إلى هذا الذّهن وهذا العقل.

وكذلك إذا قلت (وعيي)، أو (لا-وعيي)، أو حتّى (نفسي)، أو حتّى (نفسي المتعالية).. أو حتّى (خاطري) أو (ضميري).. أو حتّى (روحي).

هناك دائما مَن يرى من أعلى، ثمّ أعلى، ثمّ أعلى.. نحو اللّا-نهاية.

راقب داخلك جيّداً وبأمانة: سترى أنّ هناك دائماً (مَن) أعلى؛ هناك (جهة) أعلى فأعلى، “هي” أو “هُو” الذي يُشير إليها جميعاً ويُشير إلى كلّ شيء بما في ذلك الأفكار والمفاهيم والخواطر والضّمير نفسه والذّهن نفسه.

إقرأ على موقع 180  إيران وأمريكا.. مفاوضات في الميدان أم حول الطاولة؟

لقد وصل كبار المتأمّلين إلى أنّ هناك “أحَداً” هو الذي يُراقب، وهو الذي يَرى، وهو الذي يُشاهد.. ولكن، كلّما حاولت حدّه أو تحديده (أو تحديد من-هو طبعاً).. اكتشفتَ أنّك كنتَ واهماً في الواقع، أنّك أمام شيء مستحيل.

ومع ذلك، فهناك “أحدٌ” ما، هو الذي يُراقب ويَشهد ويَرى، وهو ذو وُجود مَلموس ووَاقعيّ وحَقيقيّ.

راقب الأمر جيّداً في داخلك، وسترى أنّ الأمر واضحٌ وجليّ: هناك “هُوَ” بالتّأكيد.. ولكن يستحيل تحديد “مَن هُوَ”!

هُوَ “هنا” واقعاً ويقيناً كما أشرنا.. فهو الذي يُدرك أو يَعي الأشياء كلّها. بل، إذا ما أعدت التّمرين بما يكفي، سترى أنّه.. هو الوحيد الذي يُمكن الادّعاء أصلاً أنّه “هنا” أو موجود.

حقّاً: من هُوَ.. هذا الهُوَ؟

والأخطر، كما يصل أكثر هؤلاء المتأمّلين، هو أن تُدرك أنّك في الحقيقة أمام سؤال: من (هُوَ).. هذا (الأنا)؟

ألست (أنتَ) الذي تتحدّث وتسأل في نهاية المطاف؟

***

عند هذا الحدّ، نقترب يقيناً، مع كثير من أصدقائنا من متأمّلي ومعلّمي الطّرق الهندوسيّة خصوصاً.. نقترب من باب هيكل هذا السّرّ الأعظم:

  • فمن جهة، هناك “أنا” تُشاهد أو تُدرك الأشياء والموجودات.. ولكن، يستحيل حدّها أو تحديدها أو تحديد ما-هيّتها. حاول ما شئت: من المستحيل حدّها بأيّ شكل أو تحديدها بمفهوم. ومع ذلك، فهي موجودة إن لم تكن هي الشّيء الوحيد الموجود في داخل كلّ واحدٍ منّا في نهاية المطاف كما بدأنا بالإشارة (لاحظ قرب هذا البحث من بحث أصالة الوجود، ومن أسئلة المدارس الوجوديّة الحديثة).
  • ومن جهة ثانية، وهنا يُصبح الأمر خطيراً وربّما خطيراً جدّاً، وهذا ما يصل إلى ادراكه – بمعنى المشاهدة المباشرة حتّى – الكثير من هؤلاء السّالكين بعد سنوات طويلة من التّأمّل والمجاهدة غالباً. فمن المشروع، وربّما من الضّروريّ، أن نسأل أنفسنا.. إن كان هناك، حقّاً وواقعاً..

“أنا” في داخل كلّ واحدٍ منّا، مُنفصلة، عن “أنا” الآخر أو عن “أنا” كلّ الآخرين. فهذه الجهة الواعية، كما رأينا، لا يُمكن حدّها بأيّ حدّ، ولا يُمكن تحديدها بأيّ طريقة من الطّرق ولا بأيّ شكل من الأشكال. وهي، مع ذلك، واقعيّة وحقيقيّة كما أشرنا. فكيف لا تكون هي نفسها.. التي تُدرك وتتحدّث داخلنا جميعاً؟

أليس من الواضح، أيّها المُتفكّر المتأمّل: أنّ “أنا” كهذه.. لا يُمكن إلّا أن تكون واحدة، بل وحيدة؟

“أنا”، موجودة وواقعيّة، ومع ذلك لا يُمكن تحديدها بأيّ شكل من الأشكال، ولا يُمكن تحديد أيّ “هويّة” لها تُميّزها عن أيّ شيء آخر.. هل يُمكن إلّا أن تكون هي نفسها داخل كلّ واحد منّا..

بل، إذا ما عمّمنا التّمرين المذكور علينا جميعاً، هل يُمكن إلّا أن تكون هي الوحيدة المَوجودة في نهاية المَطاف؟

***

عند هذا الحدّ، أتركك عزيزي القارئ مع عالم التّأمّل والتّمرّن الرّوحيّ والذّهنيّ.. إذا ما اهتممت بهذه القضيّة الخطيرة وربّما بهذه القضيّة الأخطر على الاطلاق.

ماذا لو كان هناك جِهة وَاعية.. واحدة ووحيدة في هذا العالم، لا ثانيَ معها في الواقع الحقيقيّ.. وهي التي ترى وتتحدّث في داخل كلّ واحد منّا، وكأنّنا مُجرّد منافذ أو ممرّات لتجلّي (وعيِها) الواحد الوحيد، كالنّور نفسه عندما يتلوّن من خلال تلوّن بعض قطع الزّجاج والقوالب على اختلافها؟

عزيزي القارئ: ماذا لو كانت الجهة التي تكتب هذه الكلمات، هي نفسها التي تقرأ هذه الكلمات نفسها؟

هل من سرّ أعظم وأخطر من هذا السّرّ.. لو صحّ ما يقوله المتأمّلون؟

***

(*) تعليقٌ أول حول الانتقال من عدم إمكان الحدّ والتّحديد إلى الوَحدانيّة أو الواحديّة:

قد يُقال إنّ في هذا انتقالاً متسرّعاً. وهو ليس كذلك، ولا هو قفزةٌ ساذجة. فأنا لا أقول: بما أنّني لا أستطيع تمييزها (أي “الأنا” المذكورة)، فهي واحدة. بل أقول: إنّ ما لا يُمكن حدُّه ولا تحديدُه ولا تصنيفُه ولا وضعُه ضمن أو فهمه من خلال أيّ مفهومٍ كان.. لا يسعُنا إلّا أن “نفهمه” بوصفه “المُطلق”. والمُطلقُ، بطبيعة الحال، لا يُمكن أن يكون اثنين، بل لا يُمكن أن يكون له “آخَرُ” أصلاً — وهذا “الآخَر” هو مربطُ الفرس: إذ إنّ مُجرّد وجود آخَرَ معه يُناقض إطلاقيّته. فما إنْ نُدرك أنّ هذا الشّاهد مُطلقٌ حقّاً، حتّى تسقط الكثرةُ من تلقاء ذاتها. وهي فكرةٌ أساسيّة، قد نعود إليها في مقالاتٍ قادمة.

(**) تعليقٌ ثانٍ:

فكرةُ اللّا-ثنائيّة هذه أوضحُ وأكثرُ نضجاً وتصريحاً في تقليد الأدفايتا فيدانتا.. منها في النّصوص الأقدم كالأوبانيشاد، التي أرست بذورها من غير أن تُبلورها بهذا الحسم. إلى حدّ كبير، يمثّل ما وصفناه في هذا المقال، في اعتقادي، أعمق نظرة إلى وحدة الوجود (أي وحدة الشّهود هنا).. ولكن، هذا بحثٌ آخر.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  ماكرون لا تأتنا.. بلادك أورثتنا دولة مستحيلة!