في اللوْن.. والبَشْرة

على ناصية الشَّارع الذي أقطنه يقع محلُّ ملابس شهير، وأكثر شهرته مبنيّ على سلوك أصحابه؛ فكلبانِ أسودان يستوطنان عتباته ليلَ نهار، ويتوجَّهان إلى الداخل من حين إلى آخر؛ يتجولان قليلًا ثم يخرجان. اعتاد الزبائنُ وجودَهما، وأدركوا أن مُلَّاك المكان يطعمونهما، ولا يقتصدون في تدليلهما وملاعبتهما.

الكلبان ودودان لطيفان لا ينبحان دون سبب ولا يضايقان الزوَّار؛ لكن وجودَهما مُخيفٌ للبعض؛ وبخاصة مع تفاقُم أزمةِ العَقر والإيذاء، فضلًا عن حضور ذاك المَوروث القديم الذي يدفع للتشاؤم عند مُلاقاة كلبٍ أو قط مُكتمِل السَّواد، ويحرض على التمتمة بأدعية وآيات؛ لعلها تقي العابر ما يتوهَّم مِن شرّ.

***

السَّواد والسَّمار عند كثير الناس واحد؛ ربما اختلافا فقط في الدرجة. يُوصَف الليل بأنه أسود بهيم دلالة على شدته، ويُكنى من أتى عملًا شائنًا بأنه أسود الوجه، أما عن اللب الذي يُعَد من التسالي المُحبَّبة فمنعوت بالأسمر، ويقال ضمن عبارات الغَزَل الشهيرة: “سَمَار وحلاوة“، ولا تُنسى الأمثولةُ الشَّعبية التي تُقرر أن “السَّمار نُصّ الحلاوة“.

***

قديمًا أنشد الشاعرُ العربيُّ: “قالوا تعشقُها سَوداءً قلت لهم.. لونُ الغَوالي لونُ المِسك والعُود.. إني امرؤٌ ليس شأنُ البِيضِ مُرتفعًا.. عندي ولو خَلت الدنيا من السُّود“. البيتان منسوبان لابن الخطاب النصراني، وفيهما مِن تحدي الأعراف وتجاهلها ما نَدَر، ومِن رهافة القَّول وسلامة الحسّ ما يلفت النظر. على عكس ما يتبدى في الشعر من جمال، خرق الأسماعَ تعليق لأحد الرياضيين المعروفين، يسخر من لاعبي فريق أوروبي قائلًا: “فخادهم بيضا“. استخدام اللونِ في هذا السياق غرضُه التهوين من شأن المَوصوفين، والإيحاء بضعفِ أدائهم وسهولة تحقيق الفوز عليهم، والحقيقة أن القولَ مُنعدِم الكياسة، مُفتقِر إلى اللباقة واللياقة.

***

ارتبط السَّمار منذ قديم الأزل بخفة الدَّم ونقاء القلب؛ أهل النوبة وأسوان مجبولون على بشاشة الوجه وحُسن المَعشر وصفاء السريرة، ويُذكَر من الفنانين المَحبوبين علي الكسار الذي اشتهر بدور النوبي الطيب في فيلم “سلفني تلاته جنيه”، كذلك العملاق أحمد زكي صاحب البصمة المتفردة في تاريخ السينما المصرية، وفي الذاكرة أيضًا أغنية “أبو سَمرة السُّكرة” لمحمد قنديل، و”أسمر يا أسمراني” لعبد الحليم حافظ، و”حبيبي لون الشوكولاته” لمحمد منير؛ وجميعها كلمات في مديح ذوي البشرة السَّمراء.

***

لا تقتصر اللمحاتُ الإيجابيةُ المتعلقة باللون على مجالات الفن؛ فسُمرة النيل مُعبرة عن الخير الوفير؛ إذ تعكس كثافةَ ما يحمل من طمي وما تخفي مياهُه من خصوبة. العنبُ الأسود من أفخر أنواع الفاكهة، والفاصولياء السوداء من أعظمها قيمة، والأسود من الياقوت والعقيق والألماس يحظى بمكانة رفيعة وسط الأحجار الكريمة، والشوكولا الداكنة الخالية من الحليب أعلى فائدة من غيرها وأغلى سعرًا أيضًا؛ أما الحَجَر الأسود فموضع تقديسٍ عند جماهير المسلمين.

***

برغم هذا كله؛ ثمة مُبيض للأسنان ومُبيض للبشرة ومُبيض للملابس، بل ومُبيض للشاي والقهوة؛ وكأن التبييضَ في ذاته هدفٌ أسمى، والحال أن الأبيضَ يظل الأفضلَ في المُخيلة الجمعيَّة؛ قرينًا لسلامة القلب والطوية ومرادفًا للنقاء والطهارة. التفرقة العنصرية تصلُ حتى ثمار الباذنجان؛ فالأبيض منه مَحبوبٌ مُصطفَى، يُدَسُّ فيه الأرزُ مخلوطًا بما تيسَّر من خضروات وتصنع منه آواني المَحشي فتحتل الموقع الرئيس على الموائد وتمارس دور البطولة، أما الباذنجان أسود اللون؛ فيُكتفى بضمِّه لقائمة المُشهيَّات، ويُنظَر له كصنفٍ جانبيّ لا يهتم لغيابه أحد.

***

إذا سُئِل الواحد: “إيش لونك؟” فاطمئنان على صحته؛ إذ درجت بعضُ الشعوب منذ انتشار وباء الطاعون ببغداد قبل قرون، على التأكد من لون البشرة؛ المَعلوم تغيُّره بسبب الإصابة. رحلَ الطاعون إلى غير رَجعة، وبقيت العادة وقد ألفتها الألسنة وواظبت على تداولها.

***

يميز لونُ البشرة الداكن مُعظم سُكان أفريقيا ومنهم أصحابُ قوة بدنية هائلة وأجساد ممشوقة وقدرة لا تُضاهى على التحمُّل، وكثيرهم يحترف رياضات صعبة في دول أوروبية ويتحصَّل على أعلى المراكز والتتويجات. قد تُرى الصفاتُ نفسُها في أصحاب البشرة شديدة البياض خاصة من الدول الاسكندنافية ودول الاتحاد السوفيتي سابقًا؛ ويذكر في هذا الصَّدد لاعبُ النرويج العملاق “هالاند” صاحب الالتحامات المُبهِرة التي يصعب على أي منافس الخروج منها منتصرًا. البيئات المُتطرفة تخلق بُنىً عتيَّة، وتطور صفاتٍ جسديَّة فريدة؛ لكن ثمَّة استثناءات أكيدة؛ مارادونا وميسي وموديريتش أمثله، إذ سطروا خلودهم في تاريخ كرة القدم بامتلاك مهارات مُراوَغة أذهلت الجماهير.

***

تاريخٌ لافتٌ للانتباه من الاستعباد مارسته القارةُ البيضاءُ ضد القارةِ السوداء، عقود طويلة مُضنِية صار اللونُ بمقتضاها مرادفًا لمكانة الفرد ومَرتبته، وبات الحكمُ على الإنسان بأنه من السَّادة أو العبيد مَعزوًا لبشرته، ولو انقلبت الآية وتبدَّل مسار التاريخ؛ لتحوَّل اللونُ الأبيض إلى دليل عبوديَّة، وبات الأسود في موقع السيادة والسَّيطرة؛ إنما هي المقادير التي أعطت وأخذت، وخلقت واقعًا مريرًا؛ توجَّبت مُناهضته وحقَّ هدمُه وتفكيكه.

***

السَّمَار في أغلب الظروف لونُ الجنوب؛ خشونةٌ وعَرَقٌ وكَد دائم، والسَّائد أن الجنوبَ أفقر، أدنى، وأكثر تعرُّضًا للقهر والاستغلال والاضطهاد، وفي الوقت ذاته أعمق تمسكًا بالتقاليد والأصول. الناسُ في صعيد مصر مستقلون بكثير عاداتهم عن دلتاها، جنوب إيطاليا يختلف تمام الاختلاف عن شمالها، وضواحي لبنان الجنوبية، بالغةُ التمايُز عن المدن الشمالية. لكلّ منطقة تضاريسها ولكل مجموعة من السُّكان خصائصهم الجَّسدية المتوارثة بما فيها لون البشرة؛ لكن هذه الاختلافات لا تغير حقيقة انتمائهم للجنس البشري.

إقرأ على موقع 180  في الاستعجالِ.. والصَّبر

***

الأسود رَمز الحِداد المُتعارَف عليه؛ لكن هناك من باتوا يفضلون عليه الأبيضَ، وقد ظهرت صالونات العزاء مؤخرًا بخليط من اللونين النقيضين؛ وإن لم تزل للسَّواد اليدُّ العليا. للأسود استعمالاتٌ وأغراضٌ عديدة بمنأى عن الحزن، فهو رَمز الأهميةِ والخطورة وباعث الرَّهبة والغموض؛ عرباتُ كبار السُّادة والحكام سَوداء، والبذل الأنيقة أغلبها أسود، والنظارات التي تُخفي أعينَ مُرتدييها وتحجِبُ هوياتِهم بدورها سوداء. راية المنع على البحر الهائج سوداء، وحِداد الشيعة الدائم مُغرِق هو الآخر في السَّواد، ولا شكَّ أن واقعنا يستحقُّ الوصفَ الشائع “أيام سودا”؛ فلا أسوأ من أحوال الفقر والجوع والمهانة التي تحياها الغالبية العظمى، ولا أسوَد من رؤوسٍ أضحَت مَحنِيَّة خانِعة ومُنصاعة.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  شكراً شيرين.. لا ننتمي إلا إليك