وسط هذا الاستقرار، يتابع الأوروبيون نشرات الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي كما لو أنهم مأخوذون بالعالم الرقمي. يتصدر النقاش هذا الصيف مضيق هرمز، وتصريحات دونالد ترامب المثيرة للجدل، وتقلبات أسعار الطاقة، إلى جانب بطولة كأس العالم لكرة القدم التي طغت حتى على بطولة ويمبلدون. أما أخبار قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فلا تظهر إلا عابرًا بين خبر وآخر؛ لكن هنا تحديدًا يكمن الخطأ.
فبينما تنشغل القارة بأزمات الخارج، يجري داخل أوروبا تحول استراتيجي قد يكون الأهم منذ نهاية الحرب الباردة، وهو إعادة بناء القوة العسكرية الألمانية.
في بروكسل، كما في معظم العواصم الأوروبية، استُقبل الخبر بكثير من الارتياح. فقد قررت برلين أخيرًا الاستثمار بصورة غير مسبوقة في قواتها المسلحة، رافعة إنفاقها الدفاعي إلى نحو 152 مليار يورو بحلول عام 2029، أي ما يعادل 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بعدما كان لا يتجاوز 2.3% عام 2025. وبهذا تكون ألمانيا قد استجابت للضغوط الأوروبية والأميركية التي طالبتها، طوال سنوات، بتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع عن القارة.
ظاهريًا، يبدو الأمر خبرًا سارًا؛ لكن في العمق، لا تبدو الصورة بهذه البساطة.
ففي عدد من الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا وإيطاليا وبولندا، يثير هذا التحول ذكريات تاريخية لا تزال حاضرة في الوعي السياسي، حتى وإن لم تُقَل بصراحة.
وقبل أن تعلن برلين رسميًا خططها المالية الضخمة، كان وزير الخارجية البولندي السابق رادوسلاف سيكورسكي قد لخّص هذا القلق بعبارته الشهيرة:
“كنت أخشى تقاعس ألمانيا أكثر مما أخشى قوتها”.
كانت تلك العبارة تعكس، في حينها، حاجة أوروبا إلى ألمانيا أكثر انخراطًا في الدفاع. أما اليوم، وبعد أن قررت برلين بالفعل إعادة تسليح نفسها بهذا الحجم، فقد بدأت العبارة نفسها تُقرأ بمعنى مختلف: ماذا لو أصبحت ألمانيا قوية إلى الحد الذي يخلّ بالتوازن الأوروبي نفسه؟
في شمال أوروبا، لا يثير هذا السؤال كثيرًا من القلق. ففي السويد وفنلندا وهولندا يُنظر إلى إعادة التسلح الألمانية بوصفها فرصة لتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، وتطوير الصناعات العسكرية الأوروبية، وتوسيع التعاون مع برلين.
وينطبق الأمر نفسه، بدرجات متفاوتة، على عدد من دول أوروبا الوسطى والشرقية، التي ترتبط اقتصاديًا وصناعيًا بألمانيا منذ عقود، وتنتظر من الإنفاق الدفاعي الألماني الضخم أن ينعكس استثمارات وفرص عمل ونموًا صناعيًا داخلها.
لكن حتى في هذه الدول، لا يغيب البعد التاريخي عن المشهد.
ففي بولندا، على سبيل المثال، يتداخل الارتياح مع الحذر. فمن جهة، تخطط وارسو بدورها لرفع إنفاقها الدفاعي إلى نحو 4.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وترى في تعاظم القوة العسكرية الألمانية عاملًا يعزز الجناح الشرقي لحلف الناتو في مواجهة روسيا، خصوصًا أن الجيش الألماني بات منتشرًا بصورة دائمة في ليتوانيا، بما يخدم أيضًا المصالح الأمنية البولندية.
التوازن يهتز!
من جهة أخرى، تعود إلى الواجهة مخاوف قديمة يصعب تجاهلها.
فصعود حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD)، بخطابه القومي المتشدد ومواقفه الأكثر انفتاحًا تجاه موسكو، يجعل بعض النخب البولندية تتساءل: ماذا لو اجتمعت، يومًا ما، قوة عسكرية ألمانية متعاظمة مع قيادة سياسية يمينية متطرفة تميل إلى إعادة رسم علاقاتها مع روسيا؟
ذلك الاحتمال، وإن بدا بعيدًا اليوم، يكفي لإحياء هواجس لم تغادر الذاكرة الأوروبية تمامًا.
أما في فرنسا، فإن القلق يبدو أكثر وضوحًا.
فالمسألة هناك لا تتعلق فقط بزيادة الإنفاق العسكري الألماني، بل باحتمال انهيار التوازن غير المكتوب الذي حكم العلاقة بين باريس وبرلين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم تعزز بعد الحرب الباردة: ألمانيا هي القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا، فيما تبقى فرنسا القوة العسكرية والاستراتيجية، بفضل جيشها وخبرتها العملياتية وقدراتها النووية.
اليوم، بدأ هذا التوازن يهتز.
غير أن هذا التوازن بدأ يتآكل تدريجيًا منذ اندلاع الحرب الروسية ــ الأوكرانية.
فالميزانية الدفاعية الألمانية مرشحة لبلوغ نحو 195 مليار يورو في العام المقبل، مقابل نحو 70 مليار يورو فقط لفرنسا. والفارق لا يعكس مجرد زيادة في الإنفاق، بل انتقالًا تدريجيًا لمركز الثقل العسكري داخل الاتحاد الأوروبي.
ولذلك لم يكن تحذير رئيس أركان الدفاع الفرنسي، الجنرال فابيان ماندون، أمام مجلس الشيوخ الفرنسي في 13 أيار/مايو، مجرد تعليق على أرقام الموازنات، بل تعبيرًا عن قلق استراتيجي عميق، حين قال إن استمرار ألمانيا بهذا الإيقاع سيجعل من الصعب، خلال خمس سنوات، تبرير الحديث عن التفوق العملياتي الفرنسي أو عن قيادتها العسكرية لأوروبا.
فحين يمتلك بلد ما موارد مالية بهذا الحجم، يصبح قادرًا على شراء القدرات العسكرية بسرعة، وتطوير صناعاته الدفاعية بصورة مستقلة، من دون الاضطرار إلى انتظار شركاء أوروبيين يختلفون على التمويل أو المواصفات التقنية أو الجدول الزمني.
وهذا ما بدأت برلين تفعله بالفعل.
فخلال الأشهر الأخيرة، أخذت ألمانيا تبتعد تدريجيًا عن عدد من المشاريع الدفاعية الأوروبية المشتركة، مفضلة تطوير قدراتها الوطنية بصورة مستقلة.
وكان أبرز الأمثلة على ذلك تعثر مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (SCAF)، الذي كان يُفترض أن يشكل حجر الزاوية في التعاون العسكري الفرنسي ــ الألماني. لكن المشروع دخل عمليًا مرحلة الانهيار بعد انسحاب برلين، وهو ما أُعلن عنه رسميًا في الثامن من حزيران/يونيو، قبل أن تتجه ألمانيا، في اليوم التالي مباشرة، إلى تطوير مشروع منافس تقوده شركة إيرباص في شقها الألماني.
ولم يكن هذا المثال الوحيد.
فالمشروع المشترك للدبابة الأوروبية الجديدة يواجه بدوره صعوبات متزايدة، فيما أُهملت مشاريع أخرى، من بينها طائرات الدوريات البحرية والجيل الجديد من مروحيات “تايغر”.
كما قررت برلين الانسحاب من مشروع الفرقاطة (F126) الذي كان يُطوَّر بالتعاون مع هولندا، وشرعت في بناء منظومة اتصالات عسكرية وطنية، بعيدة عن الشبكات الأوروبية المشتركة.
هذه القرارات، وإن بدت تقنية، تحمل دلالة سياسية واضحة: ألمانيا لم تعد تكتفي بقيادة الاقتصاد الأوروبي، بل تسعى أيضًا إلى بناء قاعدة صناعية وعسكرية مستقلة، تجعلها أقل اعتمادًا على شركائها الأوروبيين.
الردع النووي
في الوقت نفسه، تروّج أوساط سياسية وعسكرية ألمانية لسيناريو يعتبر عام 2029 موعدًا قد تصبح فيه روسيا قادرة على شن هجوم واسع النطاق ضد أوروبا.
ويرى عدد من الخبراء الأوروبيين أن هذا التاريخ يؤدي وظيفة سياسية داخلية بقدر ما يستند إلى تقديرات عسكرية، إذ يُستخدم لإقناع الرأي العام الألماني، الذي اعتاد عقودًا من “رخاء السلام”، بقبول القفزة غير المسبوقة في الإنفاق العسكري.
بل إن بعض الضباط الفرنسيين يشككون في قدرة ألمانيا على تحويل هذه الأموال إلى قوة استراتيجية مستدامة، معتبرين أن وفرة الموارد قد تخلق شعورًا زائفًا بالقوة، بينما يواجه النموذج الاقتصادي الألماني تحديات بنيوية متزايدة.
وبرغم ذلك، فإن عدداً متزايدًا من الدول الأوروبية يبدو أقل حماسة للرؤية الفرنسية التقليدية للاستقلال الدفاعي.
فقرابة عشرين دولة انضمت إلى مبادرة الدرع الأوروبية المضادة للصواريخ التي أطلقتها ألمانيا عام 2022، والتي تعتمد بصورة أساسية على تقنيات أميركية وإسرائيلية، في حين كانت باريس تدفع باتجاه بناء منظومة دفاع أوروبية مستقلة تعتمد على الصناعة الأوروبية.
ولا يقتصر الخلاف على التكنولوجيا، بل يمتد إلى فلسفة الأمن نفسها.
ففي برلين، يشتكي عدد من النواب والمسؤولين من أن التعاون الدفاعي مع فرنسا أصبح شديد التعقيد، بسبب تمسك باريس بمفهوم السيادة الوطنية، وحرصها على إبقاء صناعاتها العسكرية، كما ردعها النووي، تحت سيطرة فرنسية كاملة.
ويذهب بعضهم إلى حد القول إن التعاون مع الولايات المتحدة في برنامج المقاتلة (F-35) كان أسهل من التعاون مع أقرب شريك أوروبي.
ومع ذلك، ما زالت فرنسا تحتفظ بورقة يصعب على ألمانيا تجاهلها: الردع النووي.
فمع تزايد الشكوك حول مستقبل الالتزام الأميركي بأمن أوروبا، بدأت برلين تنظر إلى القوة النووية الفرنسية بوصفها عنصرًا يمكن أن يشكل مظلة ردع أوروبية في المستقبل.
ولهذا السبب، يعمل البلدان على بلورة تفاهم أولي حول هذا الملف قبل نهاية عام 2026.
غير أن الطريق ما زال طويلًا.
فالرئيس إيمانويل ماكرون يقترب من نهاية ولايته، ومن الصعب أن يقدم، في الأشهر الأخيرة من عهده، تنازلات تتعلق بما يعدّه الفرنسيون “جوهرة التاج” في منظومتهم الدفاعية.
ولهذا، لا يتوقع المراقبون أكثر من إعلان سياسي عام خلال اجتماع مجلس الوزراء الفرنسي ــ الألماني المقرر في السابع عشر من تموز/يوليو في برول، بولاية شمال الراين ــ وستفاليا، من دون أن يصل ذلك إلى مستوى اتفاق استراتيجي ملزم.
وبينما ينشغل ملايين الأوروبيين بأسعار النفط، ومضيق هرمز، وتصريحات ترامب، وبطولة كأس العالم 2026، يجري، بهدوء، تحول قد يعيد رسم موازين القوة داخل القارة نفسها.
فإعادة التسلح الألمانية ليست مجرد زيادة في الإنفاق العسكري، بل بداية مرحلة جديدة قد تنهي التوزيع التقليدي للأدوار الذي حكم أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: ألمانيا قوة اقتصادية، وفرنسا قوة عسكرية.
والسؤال الذي يواجه الأوروبيين اليوم لم يعد ما إذا كانت ألمانيا تحتاج إلى جيش أقوى، بل ماذا سيحدث عندما تصبح، للمرة الأولى منذ ثمانين عامًا، القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في أوروبا معًا.
(*) يُنشر بالتزامن مع “أخباربووم“
بسام خالد الطيّارة
كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس
