ما بعد المقاومة.. صراع النخب على تعريف هوية لبنان

شكّلت الحرب الإسرائيلية على لبنان بين عامي 2024 و2026، زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا عميقًا، اختلف اللبنانيون في مقاربته. فقد رأى بعضهم في النتائج فرصة قد لا تتكرر للتخلص من تيار المقاومة وأدبياته ورموزه. في المقابل، رأى فيها آخرون جولة جديدة من جولات الصراع الطويل، ودعوا إلى مقاربة تُقرأ فيها المصلحة الوطنية من منظور جامع، لا فئوي ولا استقوائي، ولا يقتصر النقاش فيها على مستقبل سلاح المقاومة ودورها، أو على طبيعة العلاقة مع إسرائيل، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمن يملك حق تحديد العدو والصديق، ورسم موقع لبنان في الإقليم، وإعادة تعريف مفاهيم السيادة والسلام.

من هذه الزاوية، لا تعود قضية المصرفي  اللبناني (الأميركي الجنسية) أنطون صحناوي مجرد واقعة شخصية. فظهوره في عشاء بواشنطن حضره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وما أُثير بشأن مشاركته في تنظيمه، دفع مجموعة من المحامين اللبنانيين إلى تقديم شكوى بحقه، فيما أصدر القضاء اللبناني بحقه بلاغ بحثٍ وتحرٍّ لمدة ثلاثين يومًا. وتبقى هذه الاتهامات خاضعة للتحقيق، ولم يصدر بشأنها أي حكم نهائي، إلا أن الواقعة كشفت انتقالًا من التعبير النظري عن السلام إلى مستوى أكثر علنية من التواصل السياسي والاجتماعي مع الإسرائيليين.

والأهم أن صحناوي لا يمثل، بالضرورة، صوتًا معزولًا، وإن ظل الحالة الأكثر وضوحًا وجرأة وتعبيرًا عن جعل فكرة التطبيع تغادر الهامش المحظور وتدخل دائرة النقاش العلني. وهذا التحول لا تصنعه السياسة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى إعلام يعيد ترتيب اللغة والمفاهيم والأولويات. فقبل أن تتحول الفكرة إلى قرار، تتحول غالبًا إلى سؤال مشروع، ثم إلى وجهة نظر تستحق الاستماع، ثم إلى خيار يناقش باعتباره أحد البدائل الممكنة.

غير أن الخطأ الأكبر يتمثل في التعامل مع هذا الاتجاه كما لو أنه يعبر عن نهاية مرحلة المقاومة، أو كما لو أن القوى المؤيدة لها فقدت قدرتها على الاعتراض والتأثير. فالواقع اللبناني أكثر تعقيدًا. صحيح أن حزب الله وتيار المقاومة تلقيا ضربات سياسية وعسكرية واجتماعية قاسية، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء قدرتهما على الفعل، أو تحولهما إلى مجرد أثر من الماضي. فلا يزال هذا التيار يحتفظ بقاعدة شعبية واسعة، وببنية تنظيمية متماسكة نسبيًا، وبحضور سياسي ونيابي، فضلًا عن امتلاكه أدوات تعطيل لا يمكن تجاهلها في أي تحول حاد يطال بنية النظام أو توجهات السياسة الخارجية اللبنانية.

لذلك، فإن فرض تعريف أحادي جديد للمصلحة الوطنية، أو السير في مقاربة تطبيعية تتجاوز تضحيات آلاف الشهداء والجرحى الذين سقطوا جراء الاعتداءات الإسرائيلية، قد يشكل عاملًا إضافيًا يدفع نحو مواجهة داخلية خطرة. فالتطبيع ليس ملفًا خارجيًا منفصلًا عن الداخل، ولا قضية تخص بيئة سياسية أو مذهبية بعينها، ولا مجرد خيار شخصي، بل هو مسألة تمس الهوية السياسية لجماعات واسعة، وتعيد فتح أسئلة الشرعية: شرعية الدولة، وشرعية المقاومة، وشرعية القرار الوطني.

إن الانتقال السريع من خطاب المقاومة إلى خطاب التطبيع لا يمكن أن يحدث في بلد منقسم طائفيًا وسياسيًا من دون أثمان باهظة. فشريحة واسعة من اللبنانيين لا تزال تنظر إلى إسرائيل بوصفها قوة احتلال وعدوان، وترى في المقاومة – برغم اعتراض قسم وازن من اللبنانيين على أدائها وسلاحها – جزءًا من معادلة الردع والحماية. وفي المقابل، ترى قوى أخرى أن استمرار السلاح خارج إطار الدولة يعطل سيادتها ويحول دون انتقال لبنان إلى مرحلة السلام والاستقرار.

ومن هنا يمكن قراءة الدور الذي تؤديه بعض البرامج الحوارية اللبنانية، باعتبارها نموذجًا لإعلام يمنح الأولوية لمواجهة حزب الله وسلاحه، ويستضيف خطابًا يعيد تعريف الصراع من زاوية الدولة والسيادة والقرار الحر.. لذا يُصبح من المشروع تحليل اللغة التي تنتهجها هذه البرامج، والموضوعات التي تضعها في صدارة النقاش، وطريقة مقاربتها للتطبيع تدريجيًا، من كونه «محرّمًا وطنيًا» إلى احتمال قابل للمداولة.

ولا يعني هذا التحول أن الإعلام يمتلك وحده القدرة على تغيير المجتمع، لكنه يسهم في تهيئة البيئة الفكرية والسياسية لذلك. فالتكرار المستمر للربط بين السلام والازدهار، وبين المقاومة والانهيار، قد يفضي، مع مرور الوقت، إلى تشكل تصور جديد لدى جزء من الرأي العام. غير أن هذا التصور يواجه، في المقابل، خطابًا لا يزال قويًا، يربط التطبيع بالهزيمة، ويرى أن نزع سلاح المقاومة قبل الوصول إلى تسوية إقليمية عادلة سيضع لبنان تحت الهيمنة الإسرائيلية.

وتكمن خطورة المرحلة في أن لبنان لا يعيش داخل إقليم حُسمت صراعاته، ولا ضمن نظام إقليمي مستقر. فالصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لم ينتهِ، والمواجهة الإقليمية لم تبلغ نتائجها النهائية، والقضية الفلسطينية لا تزال مفتوحة، كما أن مستقبل سوريا والمنطقة برمتها يبقى محاطًا بقدر كبير من الغموض. ومن ثم، فإن الرهان على أن ميزان القوى الإقليمي قد استقر نهائيًا لمصلحة مشروع التطبيع قد يكون وهمًا سياسيًا باهظ الكلفة.

وفي المقابل، يبني تيار المقاومة في لبنان جزءًا مهمًا من رهانه على غياب الحسم الإقليمي. فهو يرى أن موازين القوى قابلة للتبدل، وأن إيران وحلفاءها لا يزالون يمتلكون القدرة على استعادة جزء من نفوذهم، وأن الضغوط الحالية لا تمثل نهاية المشروع، بل مرحلة تراجع مؤقت. وهذا التصور يمنحه دافعًا للتمسك بما تبقى لديه من أوراق قوة، وعدم التسليم بأي إعادة بناء للنظام اللبناني تقوم على إقصائه أو نزع شرعيته دفعة واحدة.

إقرأ على موقع 180  «شباب الثورة" و"عواجيز يناير».. صراع أجيال مبكر!

ولذلك، لا يستطيع أي مشروع داخلي يستهدف سلاح المقاومة أو موقعها السياسي أن يتجاهل قدرتها على التعطيل. فهي لا تزال قادرة، بدرجات متفاوتة، على استخدام تمثيلها النيابي، وتحالفاتها الطائفية، وحضورها الشعبي، وموقعها داخل مؤسسات الدولة، وربما أدوات القوة الأخرى، لمنع أي تحول تعتبره تهديدًا وجوديًا لها ولبيئتها.

من هنا، ينبغي التنبه إلى أن أي اندفاع متسرع نحو التطبيع (انهاء المقاومة)، قد يفتح الباب أمام انفجار داخلي واسع. فقد أثبتت التجارب التاريخية أن كل محاولة لإعلان نهاية طرف قبل انتهاء الشروط التي أنتجت وجوده تدفعه، في الغالب، إلى مزيد من التشدد، لا إلى التراجع.

وفي المقابل، ما تزال الدولة اللبنانية، تُميز بين التفاوض والتطبيع. فقد أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان كان، حتى نهاية عام 2025، بعيدًا عن إقامة علاقات دبلوماسية أو اقتصادية مع إسرائيل، وربط أي انتقال إلى التطبيع بمبادرة السلام العربية، وبحل القضية الفلسطينية، برغم قبوله اعتماد مفاوضين مدنيين في المباحثات الجارية.

غير أن هذه المسافة بين خطاب الدولة وخطاب بعض النخب قد لا تدوم طويلًا. فتاريخ لبنان يبين أن الحروب الكبرى لا تعيد رسم الحدود وموازين القوى فحسب، بل تعيد أيضًا إنتاج النخب السياسية والفكرية التي تمنح نفسها حق تعريف المصلحة الوطنية. فقد أنشأ عام 1920 نخبة دولة لبنان الكبير، وأنتج استقلال عام 1943 نخبة الميثاق الوطني، وأفرزت الحرب الأهلية نخبة أمراء الحرب، ثم جاءت تسوية الطائف لتنتج نخبة جديدة، قبل أن ينقسم لبنان، بعد عام 2005، بين معسكري السيادة والمقاومة.

وعليه، فإن الفضاء التطبيعي الذي بدأ يطل برأسه من الزوايا السياسية والاقتصادية والإعلامية يُمكن قراءته بوصفه أحد مؤشرات محاولة إنتاج نخبة سياسية جديدة لمرحلة ما بعد المقاومة؛ نخبةٌ ترى أن المشكلة لم تعد تكمن في أصل وجود إسرائيل بقدر ما تكمن في استمرار الصراع معها، وأن ازدهار لبنان يقتضي إخراجه من محاور المنطقة، حتى لو انتهى ذلك إلى تطبيع علاقاته مع دولة لا تزال تحتل أجزاءً من أراضيه.

وفي المقابل، لا يزال تيار المقاومة قادرًا على الاعتراض والتأثير، لكنه لم يعد يمتلك، وحده، القدرة على فرض تعريفه للمصلحة الوطنية كما كان في مراحل سابقة. وبين هذين الاتجاهين تقف دولة ضعيفة، عاجزة، حتى الآن، عن إنتاج تسوية وطنية جديدة تحظى بحد أدنى من الإجماع الوطني.

لذلك، لا تقتصر الإشكالية على فكرة التطبيع في حد ذاتها، بل تتجاوزها إلى محاولة ترسيخ أيديولوجيا جديدة، وإنتاج نخب جديدة تؤمن بأن المصلحة الوطنية تقتضي إعادة تعريف علاقة لبنان بإسرائيل وبالإقليم، وإعادة صياغة اللغة التي يتحدث بها المجتمع اللبناني عن العدو والحرب والسلام.

وعندما تنتقل الفكرة من المحرّم إلى الممكن، ومن الممكن إلى الضروري، تكون السياسة قد بدأت بالفعل، حتى قبل أن تُوقَّع الاتفاقات أو تُبرم المعاهدات.

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  هندسة جديدة للإقليم في مواجهة إيران.. والانفلات الترامبي نحو الخليج