الصفدي يسقط قبل التسمية أم بعد التكليف أو التأليف؟

أما وأن إسم محمد الصفدي هو الإسم الوحيد المتداول حتى الآن لرئاسة الحكومة المقبلة، فإن مرحلة ما بعد تفاهم الرئيس اللبناني ميشال عون ورئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري، بشراكتهما الكاملة مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، على الصفدي، محكومة بخارطة طريق تتخللها تعرجات وتعقيدات كثيرة.

ما جرى في الساعات التي أعقبت تسريب إسم محمد الصفدي إلى الإعلام اللبناني والعربي والعالمي، بشأن إحتمال تكليفه برئاسة الحكومة اللبنانية المقبلة، يشي بأن الطريق لن تكون معبدة بالورود أمام الرجل، بل ثمة تعقيدات سيواجهها أيا كان الرئيس المكلف، طالما أن “حليمة رجعت لعادتها القديمة”، وفق المثل العامي اللبناني الذي إستخدمه مصدر سياسي مقرب من الحريري، ردا على إعلان رئيس التيار الحر موعد الإستشارات النيابية (الإثنين) قبل أن يحدد موعدها الرئيس عون، وفق الدستور، قبل أن ينصحه المصدر نفسه بأنه إذا أراد أن يقدم خدمة للعهد ورئاسة الجمهورية “ينبغي أن يطلب إجازة عن الكلام”.

موقف الحريري إستوجب توضيحا من عون، فقالت مصادره إن الأمور تحتاج إلى مزيد من التشاور قبل تحديد موعد الإستشارات، وبالتالي لم يحصل إتصال بين عون والصفدي، “وبالتالي ميشال عون غير معني بالتسمية (أي الصفدي) إنما هو معني بنتائج إستشارات التكليف (النيابية)”، وفق مصادر الرئاسة اللبنانية.

وما أن صدر توضيح عون، حتى إضطر باسيل للقول إن ما نسب إليه بشأن تحديد موعد الإستشارات وأنها ستجري بسرعة وسيتم تكليف الصفدي “لم يكن نتيجة تصريح بل أجواء إعلامية على خلفية دردشة صحفية وبالتالي فإن ما ورد يفتقد إلى الكثير من الدقة في العناوين والتفاصيل”، حسب المكتب الإعلامي لباسيل.

تشي هذه الردود بأن ثمة مشكلة صلاحيات و”صيغة” بين الحريري وعون ولو كان إسمها المضمر هو جبران باسيل، فهذه هي المرة الأولى في تاريخ لبنان، تستقيل حكومة، ويتم رهن تكليف رئيس جديد للحكومة بمسار التأليف، أي إختيار الأسماء والحقائب والتوازنات السياسية، وربما الإتفاق على أولويات الحكومة مسبقا، وهذا يعطي دليلا إضافيا على عجز الصيغة السياسية الحالية (الطائف) عن تقديم إجابات واضحة حول عناوين تركها الدستور الجديد إما مبهمة بشكل بناء، أو تبعا لتوازنات القوى، وهذا ما يحصل في يومنا هذا.

لم يعد تشكيل الحكومة في لبنان رهن بإرادة رئيس الجمهورية وفق ما كانت تقرره المادة 53 من الدستور اللبناني قبل تعديلها في الطائف:”رئيس الجمهورية يعيّن الوزراء ويسمي منهم رئيساً”. ولكن بعد التعديلات الدستورية بموجب دستور الطائف فإن تشكيل الحكومة أصبح رهن توافق ثلاثة أطراف هي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف ومجلس النواب.

ووفق أستاذ مادة القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية عصام نعمه إسماعيل، “حدد الدستور اللبناني مرحلتين لتكوين الحكومة، الأولى، تنص وفق الدستور على أن:”يسمي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استناداً إلى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسمياً على نتائجها”. وهذه الفقرة مستقلة عن مرسوم تعيين رئيس الحكومة الذي هو نتيجة طبيعية لهذه الفقرة، بحيث أنه وبعد نجاح الرئيس المكلف في مهمته، يصار إلى تعيينه رئيساً للحكومة، وهذا التعيين ترعاه الفقرة 3 من المادة 53 التي نصّت على أن رئيس الجمهورية:”يصدر مرسوم تسمية رئيس مجلس الوزراء منفرداً”.

وفي المرحلة الثانية، فإن تشكيل الحكومة “معلّق وفق الدستور على توافق ثلاثة أطراف، هم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف ومجلس النواب، وهذا ما نصّت عليه الفقرة 2 من المادة 64:”يُجري (أي رئيس الحكومة) الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها”.

هذا من الناحية الدستورية، ماذا على الصعيد السياسي؟

ثمة إحتمالات أو سيناريوهات عدة تنتظر المرشح لرئاسة الحكومة محمد الصفدي وهي الآتية:

أولا، أن يسقط إسم محمد الصفدي قبل أن تبدأ الإستشارات النيابية الملزمة في الأسبوع المقبل، إما بقرار من الرجل نفسه بأن يعتذر عن المهمة، وهو إحتمال نسبته واحد في المئة حتى الآن، إذا أن الرجل ينتظر هذه الفرصة أقله منذ عقد من الزمن (من تسوية الدوحة في العام 2008)، وإما بقرار من الحريري نفسه، إحتجاجا على سلوك باسيل، بما يتضمنه من تعد واضح على صلاحيات رئاسة الجمهورية ومجلس النواب والرئيس المكلف، وهذا الإحتمال أيضا صار ضعيفا، خصوصا وأن الحريري أعطى إيعازا مباشرا لجمهور تيار المستقبل بالخروج من الشوارع في طرابلس وبيروت وصيدا والبقاع وإقليم الخروب (منطقة الشوف في جبل لبنان الجنوبي)، من أجل تعبيد الطريق أمام الصفدي. وإما أن نشهد صحوة من الحريري وباقي المكونات بأن إسم الصفدي أحدث ردة فعل سلبية عند الحراك، ولا بد من سحب هذا الفتيل المتفجر من الشارع، غير أن كل هذه الإحتمالات الثلاث ضعيفة للغاية إن لم تكن أضعف الإحتمالات.

لن يكون الصفدي رئيسا لحكومة مواجهة أو “حكومة أكثرية”، لأنه يرفض هكذا تموضع وهو يدرك أن لا سعد الحريري ولا نبيه بري ولا حزب الله سيوفرون التغطية لهكذا وزارة، والأهم أنه سيكون بلا شرعية سعودية إذا مشى بهكذا خيار صدامي

ثانيا، أن يدعو رئيس الجمهورية إلى الإستشارات في الأسبوع المقبل، وعندها سيحظى الصفدي بتسمية من أكثر من 110 نواب، وعلى الفور يبدأ الرئيس المكلف رحلة التأليف. سيجد الصفدي أمامه مجموعة من الألغام والتعقيدات في موازاة شارع لم تتراجه فيه حركة الإحتجاج، بل ربما ترتفع وتيرتها، وعندها سيبادر إلى الإعتذار، لتبدأ رحلة البحث عن بديل له.

ثالثا، أن يكلف الصفدي بعد تسميته من أغلبية النواب، ولكن سيصطدم أول ما يصطدم بجبران باسيل، الذي لم يحسم أمره حتى الآن سواء بأن يكون وزيرا في الحكومة أم لا يشارك شخصيا، وهذا الأمر يطرح إشكالية يبدو جوابها واضحا.

وفق المعلومات المتداولة، فإن الحريري إشترط على باسيل عندما أبرما سوية صفقة الصفدي، بأن يخرج الإثنان معا (الحريري وباسيل) من الحكومة الجديدة، وإذا قيل أنهما لم يتفقا بوضوح على هذه النقطة، ماذا يمنع باسيل رئيس أكبر كتلة برلمانية في مجلس النواب، كما قال رئيس الجمهورية في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، من الإصرار على وجوب أن يشارك شخصيا في الحكومة الجديدة، وماذا ستكون ردة فعل الحريري على ذلك، أو ردة فعل الشارع أو باقي المكونات السياسية؟

رابعا، إذا قرر سعد الحريري، ردا على إصرار باسيل على المشاركة، عدم مشاركة تيار المستقبل في الحكومة الجديدة سواء بوجوه سياسية أو كفاءات من التيار نفسه، يكون قد نزع الشرعية السياسية عن الوزارة الجديدة، وبالتالي، يشجع القوات اللبنانية والزعيم الدرزي وليد جنبلاط على التضامن معه أو أن يقررا عدم المشاركة في الحكومة الجديدة، إذا شارك فيها باسيل، فكيف سيتصرف في هذه الحالة محمد الصفدي نفسه وكذلك الحريري، وماذا ستكون ردة فعل الرئيس نبيه بري وقيادة حزب الله، خصوصا وأنهما إشترطا للقبول بالصفدي بديلا لسعد الحريري (وحتى تمام سلام كخيار ثان قبل الصفدي)، أن يشارك الحريري في التسمية وأن يتمثل تيار المستقبل في الحكومة بوزراء وأن يعطي الثقة للحكومة الجديدة؟

خامسا، لن يكون الصفدي رئيسا لحكومة مواجهة أو “حكومة أكثرية”، لأنه يرفض هكذا تموضع وهو يدرك أن لا سعد الحريري ولا نبيه بري ولا حزب الله سيوفرون التغطية لهكذا وزارة، والأهم أنه سيكون بلا شرعية سعودية إذا مشى بهكذا خيار صدامي.

سادسا، من الواضح أن القوات اللبنانية هي الخاصرة الرخوة. لن يقاتل أحد من أجل تمثيلها في حكومة مكتملة النصاب سياسيا وميثاقيا، طالما أن التيار الوطني الحر بكتلته الثلاثينية سيعطيها الثقة والمشروعية المسيحية، من جهة، وطالما أن القوى الأسلامية الوازنة (بري والحريري وحزب الله ووليد جنبلاط ليسوا مستعدين للقتال من أجل تمثيل القوات في أية وزارة جديدة، من جهة ثانية، بينما يبدو الحال مختلفا مع جنبلاط، إذ ثمة توافق ضمني على أن أية صيغة يقبل بها الرئيسان بري والحريري يقبل بها وليد جنبلاط.

الأسئلة كثيرة حول توازنات الحكومة وتمثيل المكونات فيها، إذا وضعت على سكة الولادة الجدية، لكن هل خيار سعد الحريري ما زال مطروحاً؟

نعم، أقله عند كل من رئيس مجلس النواب والأمين العام لحزب الله.

هل مسار التكليف والتاليف سيكون سريعا؟

من حظ لبنان إذا ولدت حكومة ــ أعجوبة قبل الأول من كانون الثاني/يناير 2020.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course