سماءٌ مستباحة بالمُسيّرات وحربٌ نفسية عن بعد.. تُسمَع ولا تُرى

في سماء بيروت وقرى الجنوب اللبناني وأحياء قطاع غزة المحاصرة، لا يحتاج الإنسان دائماً إلى أن ينظر إلى الأعلى كي يعرف أنه مراقَب؛ يكفي ذلك الطنين المتكرر الذي يتسلل إلى المنازل والمكاتب والشوارع، ويظل معلقاً فوق تفاصيل الحياة اليومية. يعرف الفلسطينيون هذه الطائرات باسم «الزنانة»، بينما يطلق عليها بعض اللبنانيين أسماء شعبية مثل «أم كامل» أو طائرات «الـMK». ومع مرور السنوات، لم يعد صوتها مجرد ضجيج عابر، بل أصبح جزءاً من الذاكرة السمعية لسكان مناطق كاملة: صوتٌ لا يرى الناس مصدره دائماً، ولا يعرفون مهمته أو هدفه أو المدة التي سيبقى خلالها فوق رؤوسهم.

قد يكون هذا الطنين، من الناحية التقنية، نتيجة مباشرة لعمل المحركات والمراوح وطريقة تحليق الطائرة، لكن أثره في الإنسان يتجاوز كونه نتيجة ميكانيكية عادية. فعندما يقترن الصوت في ذاكرة السكان بالمراقبة والقصف والاغتيال واحتمال الموت المفاجئ، يتحول إلى إنذار مفتوح لا ينتهي. وسواء كان هذا الأثر النفسي هدفاً مقصوداً في كل حالة، أم نتيجة ملازمة يجري استثمارها عسكرياً، فإن الحضور المستمر للطائرات المسيّرة يحوّل السماء عملياً إلى أداة ضغط نفسي تفرض نفسها على السكان طوال الوقت. عندئذ لا تعود الطائرة مجرد عين تراقب من الأعلى، بل تصبح جزءاً من بيئة كاملة من السيطرة الجوية: ترى الناس من دون أن يروها، وتتابع حركتهم من دون أن يعرفوا ما الذي تسجله، وتتركهم عاجزين عن التمييز بين رحلة استطلاع عادية ومقدمة لهجوم وشيك.

من السيطرة الجوية إلى الحرب عن بُعد

ليست فكرة إخضاع السكان من الجو جديدة. ففي عشرينيات القرن الماضي استخدمت الإمبراطورية البريطانية ما عُرف بسياسة «الضبط الجوي» في عدد من مستعمراتها، حيث استُخدمت الطائرات للاستطلاع والقصف العقابي وبث الخوف بتكلفة أقل من نشر الجيوش البرية. ومع تطور التكنولوجيا، انتقلت السيطرة الجوية من الطائرات المأهولة إلى منظومات أصغر وأكثر قدرة على التحليق لساعات طويلة وجمع الصور والبيانات. واستخدمت إسرائيل الطائرات غير المأهولة في مهام الاستطلاع والخداع منذ سبعينيات القرن العشرين، ثم توسعت أدوارها خلال حرب لبنان عام 1982، قبل أن تصبح عنصراً أساسياً في عمليات المراقبة والاستهداف خلال الانتفاضة الثانية وما تلاها.

وبعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وسّعت الولايات المتحدة بصورة كبيرة استخدام الطائرات المسيّرة في اليمن وباكستان والصومال وأفغانستان. ولم تعد بعض الضربات تستهدف أشخاصاً معروفين بالاسم فقط، بل اعتمدت أحياناً على تحليل أنماط الحركة والموقع والاتصالات، فيما عُرف بـ«ضربات البصمة» أو Signature Strikes. في هذا النوع من الحرب يمكن أن تتحول مجموعة من الإشارات الرقمية إلى أساس لاتخاذ قرار قاتل: سيارة تسلك طريقاً معيناً، أشخاص يجتمعون في مكان ما، هاتف ينتقل بين منطقتين، أو نمط سلوك تفسره الخوارزمية باعتباره مشبوهاً. وهكذا نشأ شكل جديد من أشكال القوة: قتلٌ يجري من مسافة بعيدة، اعتماداً على صورة جوية وبيانات قد تكون ناقصة واحتمالات إحصائية، بينما يبقى الشخص الموجود على الأرض عاجزاً عن معرفة ما إذا كان يُراقب فقط أم أصبح هدفاً.

تخلق هذه الحرب عن بُعد مسافة جغرافية ونفسية هائلة بين من يستخدم القوة ومن يتعرض لها. فقد يجلس مشغّل الطائرة في غرفة تحكم آمنة، على بعد مئات أو آلاف الكيلومترات، ويتابع الأشخاص عبر صور حرارية ونقاط وإحداثيات. ومع مرور الوقت قد تتحول حياة بشرية كاملة إلى «هدف» أو «نمط حركة» أو «توقيع» داخل منظومة معلوماتية. والخطر الأخلاقي هنا هو أن اللغة التقنية قد تحجب الإنسان الموجود على الأرض؛ فالشخص الذي يظهر كنقطة صغيرة على الشاشة قد يكون أباً (أو أمّاً) عائداً إلى منزله، أو طفلاً قرب سيارة، أو مسعفاً يهرع إلى جريح. وعندما تُختزل الحياة إلى صورة منخفضة الدقّة، يصبح الخطأ أكثر احتمالاً، وتصبح المساءلة أكثر صعوبة، خصوصاً في العمليات التي تعتمد على معلومات سرية أو تقديرات خوارزمية لا يستطيع الضحايا أو عائلاتهم مراجعتها.

عندما يصبح الصوت جزءاً من المعركة

لا يقتصر تأثير الطائرات المسيّرة على ما تحمله من كاميرات أو ذخائر، فالصوت نفسه يمكن أن يصبح جزءاً من تجربة الحرب. وقد نقلت تقارير صحافية وحقوقية وشهادات ميدانية من غزة وجنوب لبنان روايات عن استخدام طائرات صغيرة من نوع «كوادكوبتر» مزودة بمكبرات صوت، تبث أحياناً أصوات بكاء أو استغاثة أو صفارات أو رسائل مسجلة. وتكمن خطورة هذه الممارسات في أنها تستغل الاستجابة الإنسانية الطبيعية للأصوات: الرغبة في النجدة، والفضول، والخوف على الآخرين. وفي بيئة يسودها الظلام والقصف وانقطاع الاتصالات، لا يعود من السهل التأكد مما إذا كان الصوت حقيقياً أم مسجلاً، أو ما إذا كان مصدره إنساناً يحتاج إلى المساعدة أم وسيلة لاستدراج السكان إلى مكان مكشوف.

كما تحدثت شهادات عن استخدام الطائرات الصغيرة في الاقتراب من النوافذ والمنازل وتصوير السكان في أماكن يُفترض أنها خاصة وآمنة. عندئذ لا يعود المنزل ملاذاً كاملاً، لأن آلة قادرة على الرؤية والتسجيل قد تظهر عند النافذة أو تحوم فوق السطح في أية لحظة. وتندرج هذه الممارسات ضمن تاريخ أوسع من استخدام الصوت لبث الرعب، مثل اختراق جدار الصوت فوق المدن، أو استخدام الانفجارات الوهمية والقنابل الصوتية. ففي هذه الحالات لا يكون المقصود دائماً تدمير مبنى، بل إحداث الصدمة وإرباك الإحساس بالأمان وإبقاء السكان في حالة انتظار دائمة للخطر.

ليس كل صوت مرتفع متشابهاً في تأثيره، فالإنسان لا يستجيب لشدة الصوت وحدها، بل لطبيعته وتردده وتقطعه وإمكانية توقعه، وكذلك للمعنى الذي يحمله. وتشير دراسات في علم السمعيات النفسية إلى أن ضوضاء الطائرات المسيّرة قد تتصف بحدة نغمية واضحة وخشونة وتغيرات سريعة ومتكررة في شدة الصوت، تنتج عن دوران المراوح وتداخل النغمات الصادرة عنها وعن المحركات. ولهذا قد يجد الإنسان طنين طائرة صغيرة أكثر إزعاجاً من صوت آخر مساوٍ له تقريباً في الشدة، لأن الضجيج المستمر والمتغير قليلاً يجذب الانتباه مرة بعد مرة ويجعل الدماغ عاجزاً عن إهماله أو تصنيفه ضمن «ضوضاء الخلفية».

لكن الفيزياء الصوتية لا تفسر كل شيء، فالأثر النفسي للصوت يرتبط بما يمثله. صوت مروحة منزلية لا يحمل المعنى نفسه الذي يحمله صوت طائرة ارتبط في ذاكرة السكان بالمراقبة والقصف والاغتيال. وحين لا يعرف الإنسان ما إذا كانت الطائرة تراقب طريقاً أو منزلاً أو شخصاً بعينه، يتحول الصوت إلى سلسلة من الأسئلة التي لا تجد جواباً: هل نحن الهدف؟ هل ستقصف؟ هل تتابع هذه السيارة؟ هل يمكننا التجمع؟ هل نغادر المنزل أم نبقى داخله؟ بهذا المعنى يصبح الطنين إنذاراً غامضاً ومتواصلاً، والخطر الغامض قد يكون أكثر إنهاكاً من الخطر المعروف، لأن الإنسان لا يستطيع اتخاذ قرار واضح بمواجهته أو الابتعاد عنه.

جسدٌ عالق في حالة استنفار

عندما يشعر الدماغ بوجود خطر، ينشط الجهاز العصبي استجابة «الكر أو الفر». يزداد الانتباه، ويتسارع النبض، وتتغير أنماط التنفس، وتُفرز هرمونات مرتبطة بالضغط النفسي مثل الأدرينالين والكورتيزول. هذه الاستجابة ضرورية عندما يكون الخطر قصير الأمد، لكنها تصبح مرهقة عندما يتكرر التهديد أو يستمر ساعات وأياماً من دون أن يمتلك الإنسان وسيلة واضحة للتخلص منه. فالطائرة قد تبقى في الجو طوال الليل، وقد تختفي ثم تعود، وقد يسمعها السكان من دون أن يتمكنوا من تحديد موقعها. وهكذا يبقى الجهاز العصبي في حالة استعداد متكرر حتى عندما لا يقع هجوم فعلي.

وتشير أبحاث عن المجتمعات التي تعيش تحت المراقبة والقصف الجوي إلى انتشار أعراض مثل الأرق والكوابيس وصعوبة التركيز والانفعال والخوف من التجمعات والقلق الترقبي؛ أي الخوف من حدث لم يقع بعد لكنه يبدو محتملاً في كل لحظة. وقد وصف بعض الباحثين هذه الحالة بأنها عيشٌ في منطقة معلّقة بين الحياة والموت: فالإنسان يواصل أعماله اليومية، لكنه يفعل ذلك تحت احتمال دائم بأن يتحول في لحظة إلى هدف. لا يشعر المزارع بالأمان في حقله، ولا السائق في سيارته، ولا أفراد العائلة عندما يجتمعون في المنزل. وقد تصبح المناسبات الاجتماعية والجنازات وعمليات الإسعاف نفسها مصدراً للخوف إذا ارتبط التجمع في الذاكرة باحتمال وقوع ضربة جديدة.

يتجلى هذا الأثر بأقسى صوره لدى الأطفال، لأنهم لا يمتلكون الأدوات المعرفية نفسها التي يستخدمها البالغون لفهم الخطر أو تفسيره. فالطفل يسمع الطنين ويرى خوف والديه، وقد يشاهد انفجاراً أو فقدان منزل أو قريب، لكنه لا يستطيع أن يفهم لماذا تحوم الطائرة أو متى ستغادر أو لماذا لا يستطيع الكبار إيقافها. وتسجل الفرق النفسية العاملة في مناطق النزاع أعراضاً متعددة لدى الأطفال، منها اضطرابات النوم والتبوّل اللاإرادي ونوبات الخوف والتشبث بالوالدين وفقدان الشهية والتأتأة وتراجع القدرة على التركيز والتعلم. ولا ينبغي النظر إلى هذه الأعراض بوصفها ضعفاً أو خللاً فردياً، فهي استجابات مفهومة لجهاز عصبي يتعرّض بصورة متكرّرة لبيئة غير آمنة. فالطفل الذي يستيقظ كل ليلة على الطنين أو الانفجارات لا يواجه «صوتاً» فقط، بل يواجه انهياراً متكرراً لفكرة أساسية في نموه النفسي: أن البيت مكان آمن، وأن الوالدين قادران على حمايته، وأن الصباح سيأتي وفق نظام يمكن توقعه.

تقيس الحروب عادة بعدد القتلى والجرحى والمباني المدمرة، لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكشف كامل الضرر. لا تُظهر صور الأقمار الصناعية طفلاً لم يعد قادراً على النوم، ولا تسجل الخرائط عدد الأشخاص الذين يخافون من قيادة سياراتهم أو زيارة أقاربهم أو الوقوف في مجموعة أو الصعود إلى سطح المنزل. ولا يظهر في إحصاءات الدمار ما يحدث للعلاقات الاجتماعية حين يصبح الناس مترددين في التجمع أو تقديم المساعدة، أو حين تتحول المناسبات العامة إلى مصدر خوف. لهذا يدعو باحثون في شؤون الحروب عن بُعد إلى توسيع مفهوم «الضرر المدني»، فالضرر لا يبدأ لحظة سقوط الصاروخ ولا ينتهي عند إزالة الركام، بل يشمل أيضاً المراقبة الدائمة وفقدان الخصوصية واضطرابات النوم والقلق المزمن وتراجع القدرة على العمل والتعلم وتفكك الشعور بالحياة الطبيعية.

أما الدراسات المتعلقة بالصدمات العابرة للأجيال والجينات فوق الوراثية، فتشير إلى احتمال أن تترك الضغوط الشديدة والمزمنة آثاراً بيولوجية ونفسية طويلة المدى، لكن آليات انتقال هذه الآثار بين الأجيال وحدودها لا تزال موضع بحث ونقاش، ولا يجوز اختزالها في علاقة سببية بسيطة. المؤكد، مع ذلك، أن الأطفال يتأثرون بما يعيشه آباؤهم وأمهاتهم: بالخوف الذي يظهر في وجوههم، وبالقلق الذي يغير سلوك الأسرة، وبالفقر والنزوح وفقدان الاستقرار. وبهذا المعنى يمكن للحرب أن تستمر داخل المجتمع حتى بعد أن تصمت الطائرات.

القانون والسيادة: حين يُستباح الوطن وتُغلق أبواب العدالة

يحظر القانون الدولي الإنساني استهداف المدنيين، ويفرض على الأطراف المتحاربة التمييز بين الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الضرر. كما تحظر المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد والإرهاب ضد الأشخاص المحميين. ولذلك فإن الاستخدام المتعمد للصوت أو المراقبة أو التهديد لترويع السكان المدنيين يمكن أن يثير مسائل قانونية جدية، ولا سيما عندما يتحول التحليق المستمر للطائرات المسيّرة إلى وسيلة لإبقاء مجتمع كامل في حالة خوف وترقب واضطراب نفسي.

لكن إثبات المسؤولية القانونية لا يقوم على الأثر وحده، بل يحتاج إلى توثيق دقيق لطبيعة الفعل والجهة المسؤولة عنه والسياق الذي وقع فيه والنية الكامنة وراءه. فليس كل صوت صادر عن طائرة دليلاً بذاته على وجود عملية نفسية مخططة، غير أن تكرار التحليق فوق المناطق المدنية، واقترانه بالمراقبة والقصف والاستهداف، يجعل من الضروري التحقيق في هذا الأذى بوصفه جزءاً من الضرر الواقع على المدنيين، لا مجرد إزعاج هامشي لا قيمة قانونية له. كما أن توصيف بعض الأفعال ضمن أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية يتطلب إثبات القصد الخاص لتدمير جماعة محمية كلياً أو جزئياً، ولا يكفي إثبات الأذى الجسدي أو النفسي وحده. والدقة القانونية هنا لا تضعف الإدانة، بل تحميها وتمنح المطالبة بالعدالة أساساً صلباً.

غير أن المأساة لا تكمن فقط في الجرائم الإسرائيلية، بل أيضاً في موقف السلطة اللبنانية من حق مواطنيها في المساءلة. فالدولة التي تعجز عن حماية أجوائها ومنع الاعتداءات مطالبة، في الحد الأدنى، بتوثيقها ورفعها أمام المحاكم والهيئات الدولية والدفاع عن حق الضحايا في الحقيقة والمحاسبة والتعويض. إلا أن الاتفاق الإطاري القائم بين السلطة اللبنانية والعدو الإسرائيلي يثير مخاوف جديّة إذا فُسرت بنوده بطريقة تقيد قدرة لبنان على ملاحقة إسرائيل دولياً أو تمنعه من المطالبة بالتحقيق في الانتهاكات المرتكبة بحق اللبنانيين.

ولا تتعلّق هذه الانتهاكات بقتل المدنيين وتدمير القرى والتهجير واستخدام الأسلحة المحظورة أو العشوائية والمواد الكيميائية وحدها، بل تشمل أيضاً الأذى النفسي الناجم عن المراقبة الجويّة المتواصلة والطنين الذي يحرم السكان النوم والسكينة ويحول حياتهم اليومية إلى انتظار مفتوح للخطر. فالعدالة ليست عملاً عدائياً، واللجوء إلى القانون الدولي ليس إعلان حرب، وحق الضحايا في الحقيقة والتعويض لا يجوز أن يصبح ثمناً لأي تفاهم أو تسوية سياسية.

وهنا تقع الخطيئة السياسية والأخلاقية الكبرى التي ارتكبتها السلطة اللبنانية: لم تكتفِ بالعجز عن حماية اللبنانيين من الاعتداء، بل قبلت أيضاً بتقييد قدرتها على ملاحقة المعتدي والدفاع عن حقوق ضحاياه. لقد تصرفت وكأن حق الشعب في العدالة ملك للسلطة تستطيع أن تفاوض عليه، أو تؤجّله، أو تتخلّى عنه حين يصبح عبئاً سياسياً. لكن دماء الضحايا وآلامهم وحقهم في المحاسبة ليست أوراقاً تفاوضية، ولا تملك أية حكومة صلاحية شطبها باسم الواقعية السياسية أو المصالح الدولية.

أمام هذا الواقع، يصبح الحديث الرسمي المتكرّر عن السيادة الوطنية مفارقة مؤلمة. فما معنى السيادة عندما تُخترق السماء وتُراقب القرى والمدن ويعيش المواطنون تحت الطنين والخوف، ثم تقبل الدولة في الوقت نفسه بأن تُغلق أو تُضيّق أمامهم أبواب العدالة؟ السيادة ليست شعاراً يرفع في الخطب، ولا تقتصر على الخرائط والحدود، بل تعني قدرة الدولة على حماية مواطنيها وصون كرامتهم وخصوصيتهم وحقهم في الأمان.

وقد لا تمتلك الدولة اللبنانية، في ظل موازين القوى القائمة، القدرة العسكرية على منع جميع الخروقات، لكن ذلك لا يعفيها من توثيقها وقياس آثارها وتحريك المؤسسات الدولية وتقديم الدعم النفسي للمجتمعات المتضررة. كما لا يعفيها من الحفاظ على حق الضحايا في الملاحقة القانونية وعدم تحويل أي اتفاق سياسي إلى أداة لمحو الجرائم أو تكريس الإفلات من العقاب.

الصمت لا يمنع الطائرات، لكنه يعزل الضحايا ويحوّل معاناتهم إلى تجربة فردية مبهمة. أما الاعتراف الرسمي بالضرر وتوثيقه والسعي إلى المحاسبة، فيحول ما يتعرض له الناس إلى قضية عامة وحق قانوني لا يجوز التفريط فيه. فالدولة التي لا تستطيع منع الطائرات من استباحة سمائها ينبغي، على الأقل، ألا تساعد في إغلاق أبواب العدالة أمام شعبها. وإلا أصبحت السيادة مجرد كلمة فارغة: سماء مستباحة، ومواطنون مرهقون بالخوف والطنين، وسلطة تتنازل عن حقهم في مساءلة من ينتهك أرضهم وحياتهم وكرامتهم.

المقاومة المعرفية واستعادة الفضاء النفسي

تبدأ مواجهة هذا الشكل من الضغط بتسميته وفهم آلياته. عندما يعرف المواطن أن الأرق والتوتر وصعوبة التركيز ليست علامات ضعف شخصي، بل استجابات طبيعية لجهاز عصبي يتعرض لتهديد متكرر، يصبح أكثر قدرة على فهم ما يحدث له وطلب المساعدة. والمعرفة هنا لا تزيل الخطر، لكنها تنتزع منه جزءاً من سلطته؛ فالخوف يصبح أشد حين يكون غامضاً، وحين يعتقد الإنسان أنه وحده الذي يعانيه.

ولا ينبغي أن تتحول المقاومة المعرفية إلى إنكار للخوف أو مطالبة الناس بأن «يعتادوا» الطنين. فالاعتياد الظاهري لا يعني زوال الأثر. قد يواصل الإنسان عمله ويتحدث ويضحك، بينما يبقى جسده في حالة استنفار لا يلاحظها إلا عندما يحاول النوم. ما يحدث تحت الطائرات المسيّرة ليس مجرد إزعاج صوتي، ولا يمكن اختزاله في خرق أمني عابر، بل هو تجربة مركبة تجمع المراقبة وانعدام اليقين والخوف من الاستهداف وفقدان الخصوصية والضغط الصوتي المستمر.

وإذا كانت السيادة تعني شيئاً يتجاوز الخطابات، فيجب أن تبدأ من حق الإنسان في ألا يعيش مراقباً ومهدداً داخل منزله، ومن حق الطفل في أن ينظر إلى السماء من دون أن يربطها بالخوف، ومن حق الضحية في ألا تُغلق أمامها أبواب العدالة باسم التسويات والمصالح السياسية.

ويبقى السؤال موجهاً إلى الدولة والمجتمع الدولي معاً: متى تصبح سلامة المواطن النفسية جزءاً من تعريف السيادة، ومتى يصبح الحق في سماء خالية من الطنين والتهديد، وفي عدالة لا تُقايض بالسياسة، حقاً إنسانياً لا مجرد أمنية؟

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  وداعاً مظفر النواب.. "أخطر شاعر عربي"!
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ديموقراطية النار.. صناديق الاقتراع تتحكم بخنادق الشرق الأوسط