رحلة عون الأميركية.. هل تؤسس لسيادة لبنانية أم لـ”ارتهان أمني”؟

لم تكن زيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى واشنطن في تموز/يوليو 2026 حدثاً دبلوماسياً شبيهًا بالبروتوكولات التقليدية التي تجمع القوى العظمى بالدول الصغرى، بل شكلت محطة مفصلية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. تتشابك في هذه اللحظة أبعاد المواجهة الأميركية – الإيرانية المفتوحة، والاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب، ومحاولات تفكيك أو إعادة تموضع ترسانة "حزب الله"، بالتوازي مع صعود سلطة سورية جديدة تسعى لترسيخ شرعيتها.

​إن طرح التصور الرئاسي لمعالجة ملف السلاح بالتوازي مع المطالبة بالضغط على إسرائيل للانسحاب- والذي تزامن مع إطلاق مسار “المناطق التجريبية” وانتشار الجيش في نقاط كـ”زوطر الغربية”- ينقل الأزمة اللبنانية من إدارة التهدئة الميدانية إلى إعادة رسم هندسة القوة والسيادة. فالحديث هنا يتجاوز تثبيت خطوط التماس العسكرية إلى حسم أسئلة سيادية كبرى:

-​من يحتكر السلاح؟

-​ما حدود الدور الإسرائيلي في الرقابة الميدانية؟

-​ما مدى الإشراف الأميركي المباشر؟

-​وكيف ستؤثر الترتيبات الحدودية مع سوريا على القرار الوطني اللبناني؟

​الإشكالية المحورية: هل تمهد الترتيبات الناشئة لاستعادة سيادة لبنانية موجبة ومكتملة الأركان، أم تكرّس نمطاً من “السيادة المشروطة” التي تُمنح فيها الدولة صلاحيات الإدارة والأمن الإداري، بينما يظل قرارها الاستراتيجي مرهوناً بضمانات وحسابات القوى الخارجية؟

​أولاً: الزيارة الرئاسية والدبلوماسية القسرية

​1. تحول المفاوضات: من التهدئات العابرة إلى هندسة النظام الأمني

​مثّلت زيارة واشنطن تحولاً مفهومياً من التفاوض حول وقف إطلاق النار إلى صياغة الشكل النهائي للنظام الأمني. فمعالجة ملف “حزب الله” لم تعد تُطرح كإجراء لوجستي ينتهي بإزالة مواقع مسلحة، بل كإعادة هيكلة كبرى للعلاقة بين الدولة والتنظيمات المسلحة غير النظامية، واستعادة حصرية قرار الحرب والسلم.

​في هذا السياق، تخلت واشنطن عن دور الوسيط المحايد بالمعنى القانوني، لتلعب دور “المهندس التنفيذي” للترتيبات الأمنية، مستفيدة من قدرتها على توفير الغطاء المالي والعسكري للجيش اللبناني، والتأثير المباشر على القرارات الإسرائيلية، وربط ملف إعادة الإعمار بمدى الالتزام بالتنفيذ.

​وتتجلى هذه العملية عبر آليات “الدبلوماسية القسرية” (Coercive Diplomacy) لتوماس شيلينغ؛ حيث تُمارس واشنطن سياسة التوازن المزدوج من خلال تقديم حوافز وتسهيلات تشمل التمويل المباشر، الدعم السياسي، واستئناف الرحلات الجوية، بالتوازي مع ممارسة ضغوط وتلميحات ضمنية بربط إعادة الإعمار بتنفيذ الشروط وإبقاء الوضع القائم على حاله المتعثر.

​2. المكتسبات السياسية وحقيقة القدرة الردعية

​برغم أن الزيارة حققت للرئاسة والمؤسسة العسكرية مكاسب رمزية وسياسية قيّمة—شملت الاعتراف بالمرجعية الرسمية واستئناف الرحلات الجوية المباشرة—إلا أن هذه المكاسب تظل معلقة ما لم تُترجم إلى مؤشرات سيادية حاسمة:

-​الانسحاب الإسرائيلي الكامل والناجز.

​-الوقف الشامل للانتهاكات والعمليات العسكرية.

-عودة النازحين و​إطلاق عملية إعادة الإعمار.

​وهنا يبرز الفارق البنيوي بين الشرعية الدبلوماسية (التي حازتها السلطة الرسمية) والقدرة السيادية (المفتقرة للوسائل المادية لفرض الانسحاب أو منع الخروقات).

​ثانياً: معضلة الأمن واختلال التوازي في الالتزامات

​تتضح أزمة الثقة عند التقعيد لنظرية “المعضلة الأمنية” (Security Dilemma) لروبرت جيرفيس، حيث يُترجم الإجراء الدفاعي لطرف كتهديد مباشر للطرف الآخر.

​المنظور اللبناني: يُطرح انتشار الجيش بوصفه الخطوة السيادية الأولى التي تقوم على منطلق التلازم والاتساق الزمني، بحيث يتوازى انتشار المؤسسة العسكرية اللبنانية مع انسحاب إسرائيلي غير مشروط، على أن تمتد مرجعية التقييم إلى آليات تحقق دولية ومؤسسات الدولة الرسمية.

​المنظور الإسرائيلي: ينطلق من تراتبية إشراطية حادة، تعتبر انتشار الجيش غير ذي قيمة ما لم يقترن بتفكيك كامل للبنية العسكرية لـ”حزب الله”، مع الإصرار على أن تكون مرجعية التقييم أمنية وعسكرية أحادية الجانب. يتيح هذا التصور لإسرائيل الحفاظ على التزام مشروط وقابل للتراجع، حيث ترتبط لحظة الانسحاب بتقديراتها الخاصة لمستوى “زوال التهديد”، وهو ما يحوّل الاتفاقيات من التزامات متكافئة إلى علاقة غير متناظرة تُخضع الجانب اللبناني لشروط أحادية.

​ثالثاً: “المناطق التجريبية” وتفكيك السيادة الجغرافية

​يمثل برنامج “المناطق التجريبية” في بعض بلدات الجنوب صيغة انتقال اختبارية، تهدف شكلياً إلى تمكين الجيش اللبناني من بسط سلطته تدريجياً وإعادة السكان. غير أن هذا النموذج يحمل مخاطر هيكلية تنزع عن السيادة طابعها الشامل:

​السيادة المنقوصة عن بُعد: بتحول القوات الإسرائيلية من احتلال بري مباشر إلى قوة رقابة وهيمنة جوية واستخبارية، تمارس حق التدخل العسكري المباشر كلما اعتبرت الترتيبات مخترقة، مما يجعل سلطة الدولة مجرد إدارة إدارية يومية تحت سقف الردع الخارجي.

​البلقنة الوظيفية للسيادة: أدى تطبيق الترتيبات المقطعة إلى إيجاد خريطة أمنية مجزأة (مناطق للجيش، مناطق للرقابة المشتركة، نقاط للاحتلال المؤقت، ومناطق مقيدة العمران). تحول هذه التجزئة الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم ينفي عن الدولة سيادتها الوطنية الموحدة.

​رابعاً: الجيش اللبناني بين الاحتكار الشرعي للقوة وفجوة القدرات

​وفقاً للتعريف الفيبري للدولة، تظل استعادة السيادة مرهونة باحتكار القوة المشروعة. غير أن هذا الاحتكار لا يتحقق عبر التواجد الجغرافي للوحدات العسكرية فقط، بل بالقدرة على الردع وحماية المواطنين.

​وتتوزع سلطة الجيش اللبناني ميدانياً على أربعة مستويات متدرجة، تعكس التناقض بين الحضور الشكلي والفاعلية الحقيقية:

1-​التواجد الجغرافي: ويُعد المظهر الأكثر تحقّقاً عبر انتشار وحدات الجيش في القرى والبلدات.

2-​الضبط الأمني: ويتجلّى جزئياً من خلال فرض السيطرة الإدارية وتسيير الدوريات.

3-​الحماية الدفاعية: وتظل محدودة للغاية نظرًا لافتقار المؤسسة العسكرية لمنظومات الدفاع الجوي والردع التكتيكي.

4-​الاستقلال العملياتي: وهو البعد الأكثر تراجعاً نتيجة الاعتماد المستمر على الدعم المالي والتبادل الاستخباري الخارجي.

​إن الفجوة التكنولوجية والمالية الحادة التي يعاني منها الجيش اللبناني تجعله يمتلك “الوجود الإداري” من دون “القدرة الردعية”. ويكمن الخطر العملياتي في تحويل المؤسسة العسكرية إلى مجرد منفذ لترتيبات أمنية صُممت خارجياً، مما يهدد تماسكها الداخلي والغطاء الشعبي لها إذا ما أُقحمت في مواجهة استحقاقات سياسية واجتماعية لم يحسمها التوافق الوطني بعد.

​خامساً: حزب الله وتحديات التحول في وظيفة الردع

​1. السلاح كبنية اجتماعية وسياسية

​لا يمكن مقاربة سلاح “حزب الله” كترسانة عسكرية منفصلة، بل بوصفه منظومة ممتدة تشمل عقيدة أمنية، قاعدة اجتماعية ومؤسساتية، ذاكرة مقاومة للاحتلال، وعلاقات استراتيجية مع إيران. لذا، فإن معالجة هذا الملف تتطلب إعادة تنظيم لبنية القوة بدلاً من اتباع آليات النزع السريع.

إقرأ على موقع 180  هل يُغرِق ترامب العرب في بحر.. غزة؟

​2. سيناريوهات التكيّف العسكري

​تشير الخبرة التاريخية لحركات المقاومة إلى أن التنظيم قادر على اعتماد خيارات تكتيكية متعددة في مواجهة الضغوط:

-​التخلي عن الظهور العسكري العلني وتفكيك المواقع الثابتة.

-​نقل القدرات النوعية إلى مناطق خلفية مع الحفاظ على الشبكات السرية.

-​الاعتماد على اللامركزية والخلايا الصغرى الناشطة.

-​التحول من “الردع المباشر” إلى “الغموض الردعي الكامن”.

​3. متطلبات الدمج المؤسسي

​إن أي مسار لنزع السلاح دون حزمة متكاملة تتضمن تفاهمات سياسية، ضمانات أمنية، وبديلاً دفاعياً كفؤاً سينتهي إلى نتائج عكسية كالصدام الأهلي أو العمل السري. وتظل الصيغة الأكثر واقعية هي الدمج التدريجي المُمرحل، من خلال إخضاع السلاح الاستراتيجي لقيادة رسمية موحدة، واستيعاب الخبرات والأفراد ضمن استراتيجية دفاع وطني تتولى الدولة إدارتها.

​سادساً: الجغرافيا السورية والممرات الحدودية

​تفرض الجغرافيا السياسية حتمية التعاون الأمني بين بيروت ودمشق لضبط الحدود والمعابر. ومع تسلم سلطة سورية جديدة برئاسة أحمد الشرع وسعيها للاعتراف الدولي ورفع العقوبات، أصبحت دمشق شريكاً محتملاً في الاستراتيجية الأميركية لضبط الممرات والإمدادات.

​ومع ذلك، ينبغي التفريق بين مستويين من التنسيق:

​التنسيق السيادي المتكافئ: تنظيم الحدود والمنافذ وفق اتفاقيات معلنة وقوانين دولية.

​التوظيف الوظيفي: منح دمشق دور الموجه أو “الحارس الجغرافي” الذي قد يعيد إنتاج أشكال سابقة من النفوذ والوصاية السياسية تحت عناوين أمنية.

​سابعاً: الصراع الأميركي – الإيراني وسقف القرار اللبناني

​يظل الملف اللبناني ساحة رئيسية للتجاذب الإقليمي والدولي:

​واشنطن: تسعى لتقليص نفوذ طهران وحلفائها عبر استراتيجية “الاحتواء بالوكالة”، بتفويض المؤسسات الرسمية والجهات الدولية بإدارة الأمن من دون تورط عسكري أميركي مباشر.

إيران: تنظر إلى قدرات “حزب الله” كجزء لا يتجزأ من منظومة الردع الإقليمي الشاملة، ولا سيما في ظل تصاعد الضربات المتبادلة في المنطقة عام 2026.

​تؤدي هذه المعادلة إلى نتيجة مفادها أن حل ملف السلاح بشكل نهائي يستحيل تحقيقه بمعزل عن تفاهمات إقليمية واسعة توفر بديلاً أمنياً مقبولاً للجميع.

​ثامناً: نموذج “السيادة المشروطة”

​لتوضيح واقع الدولة اللبنانية، يمكن تفكيك السيادة إلى أربعة أبعاد رئيسية تتشابك ميدانياً:

1-​السيادة القانونية: المعترف بها دولياً في الحدود والمؤسسات.

2-​السيادة الإدارية: حيازة إدارة الشؤون اليومية ومرافق الدولة.

​3-السيادة العسكرية: المقيدة بفجوة القدرات الردعية والتسليحية.

4-​السيادة التقنية والمالية: المرهونة بالدعم والرعاية الخارجية.

​يكشف هذا التفكيك أن الترتيبات القائمة تُنتج حالة من السيادة المشروطة؛ حيث تمتلك الدولة الشرعية الإدارية والقانونية، بينما تُصادر قدراتها العسكرية والتقنية والاقتصادية لصالح معادلات وتوازنات تقررها أطراف خارجية.

​تاسعاً: خريطة السيناريوهات المستقبلية

​تتجاذب المشهد الميداني والسياسي خمسة مسارات سيناريوغرافية محتملة:

الأول؛ ​التهدئة المتدرجة والمتبادلة (احتمال متوسط): تقوم على انسحاب إسرائيلي مشروط يقابله انتشار للجيش وحوار وطني لمعالجة ملف السلاح، ويتطلب هذا المسار وجود ضمانات دولية صارمة.

الثاني؛ ​الاحتلال المنخفض الكلفة (احتمال مرتفع): يتجسد في تنفيذ انسحابات إسرائيلية محدودة مع بقاء تفوق الرقابة والضربات الجوية، وذلك في حال غياب جدول زمني ملزم للانسحاب الكامل.

الثالث؛ ​الاحتواء المتبادل (احتمال مرتفع جداً): يتضمن تراجع “حزب الله” عن المظاهر العسكرية دون تفكيك بنيته الاستراتيجية، مقابل تخفيض العمليات العسكرية، مما يشكل هدنة مؤقتة مقبولة إقليمياً.

الرابع؛ ​الانفجار الداخلي (احتمال منخفض إلى متوسط): ينجم عن محاولة فرض نزع السلاح بالقوة ومواجهة الجيش للمقاومة، وهو مسار مستبعد نسبياً لكلفته العالية على جميع الأطراف.

الخامس؛ ​التسوية الإقليمية الكبرى (احتمال معلق): يعتمد على حدوث توافق أميركي – إيراني شامل يعيد إرساء قواعد اللعبة والتوازنات في المنطقة ولبنان.

​عاشراً: الاستراتيجية التفاوضية المطلوبة للبنان

​لتحويل هذه الترتيبات إلى فرصة حقيقية لبناء الدولة، يتعين على صناع القرار في لبنان اعتماد محددات تفاوضية صارمة:

​التلازم الزمني والتبادلية: رفض الإجراءات الأحادية، وربط كل خطوة أمنية لبنانية بانسحاب إسرائيلي موثق وموازٍ.

​الجداول الزمنية وآليات التحقق: رفض الصيغ الفضفاضة (مثل “حين زوال التهديد”)، والإصرار على لجنة تحقق دولية محايدة تضم الأمم المتحدة.

​الاستراتيجية الدفاعية الوطنية: إدارة ملف السلاح عبر حوار وطني يربط بين قدرات المقاومة وبناء قدرات الجيش الدفاعية.

​المأسسة والشفافية: إخضاع كافة اتفاقيات التنسيق والمراقبة للرقابة البرلمانية ومنع إقامة أي قواعد أو مراكز أمنية أجنبية غير معلنة.

​الحياد الاقتصادي للإعمار: فصل المساعدات وإعادة الإعمار عن فرض الشروط السياسية التي تمس ديموغرافية وجغرافيا الجنوب.

​الندّية في العلاقة مع سوريا: ضبط الحدود والمعابر بقرارات رسمية ثنائية، ومعالجة ملف المفقودين واللاجئين بعيداً عن الوصاية.

​خاتمة

نقلت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن المسألة اللبنانية من مرحلة إدارتها كأزمة عسكرية إلى مرحلة إعادة هيكلة توازنات القوة. والتحدي اليوم لا يكمن في الاختيار التبسيطي بين “الدولة” أو “المقاومة”، بل في قدرة المفاوض اللبناني على تأسيس دولة قادرة على استيعاب وظيفة الردع الوطنية دون التفريط بسياسة القوة، والاستفادة من الدعم الدولي دون السقوط في فخ التبعية الأمنية، والتعاون مع الجوار من دون الارتهان للوصاية.

​عند هذه النقطة فقط، تتحول الدبلوماسية من أداة لتثبيت خلل القوة إلى وسيلة لتصحيحه، وتصبح العودة إلى أروقة القرار الدولي خطوة فعّالة نحو استعادة القرار الوطني المستقل.

 

Print Friendly, PDF & Email
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  هل يُغرِق ترامب العرب في بحر.. غزة؟