في جوهره، ليس هذا السؤال جديدًا. ففي عام 1928 نشر إدوارد بيرنيز، أحد أبرز منظّري البروباغندا الحديثة وابن أخت عالم النفس سيغموند فرويد، كتابه الشهير “البروباغندا”، واضعًا الأسس النظرية لما سماه «هندسة الجماهير». وفيه كتب عبارته التي أصبحت من أكثر الاقتباسات تأثيرًا في تاريخ الإعلام السياسي:
«التلاعب الواعي والمنظم بعادات الجماهير وآرائها عنصر أساسي في المجتمع الديموقراطي».
جاء بعده جوزيف غوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية بقيادة أدولف هتلر، ليحوّل هذه الأفكار إلى ممارسة سياسية ممنهجة، تقوم على تكرار السردية حتى تغدو، في وعي الجمهور، حقيقة يصعب مساءلتها. ولم يكن غوبلز يخفي تأثره ببيرنيز، إذ احتفظ بكتابه «بلورة الرأي العام» (Crystallizing Public Opinion) في مكتبته الخاصة، واستفاد من أفكاره في بناء آلة الدعاية النازية.
غير أن أدوات التأثير في الوعي لم تتوقف عند الصحافة أو الإذاعة أو التلفزيون. فقد أدى انتشار الإنترنت، ثم وسائل التواصل الاجتماعي، إلى انتقال البروباغندا من الرسالة الجماهيرية الموحدة إلى الرسائل المصممة خصيصًا لكل مستخدم، اعتمادًا على البيانات الشخصية والخوارزميات التي تراقب الاهتمامات والسلوك الرقمي. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، دخلنا مرحلة مختلفة نوعيًا؛ إذ لم تعد الخوارزمية تقرر ما الذي نراه فقط، بل أصبحت قادرة أيضًا على إنتاج النصوص، وصياغة التحليلات، وتقديم الإجابات بلغة تبدو مقنعة ومتماسكة.
وهنا يكمن التحول الحقيقي. فالبروباغندا التقليدية كانت تسعى إلى التأثير في ما يفكر فيه الإنسان، أما الخوارزميات الحديثة فقد تفتح الباب، إذا أسيء استخدامها، للتأثير في كيفية تفكيره. والخطر لا يكمن في أن تقدم التقنية إجابات سريعة، بل في أن يعتاد الإنسان تلقيها من دون مساءلة، فتتراجع تدريجيًا ملكة المقارنة، والشك، والبحث المستقل.
من التفكير النقدي إلى الاعتماد الإدراكي
حين كان والدي، رحمه الله، يقرأ الصحيفة اليومية، لم يكن يمتلك سوى أداة واحدة لتقييم ما يقرأ: عقله. كان يقارن بين الأخبار والصور والكاريكاتير، ويختبر الحجج، ويقبل بعضها ويرفض بعضها الآخر استنادًا إلى خبرته وقناعاته. وقد شكّل هذا التفكير النقدي، بالنسبة إلى جيله، خط الدفاع الأخير أمام سلطة الإعلام التقليدي.
أما اليوم، فقد تبدلت البيئة المعرفية جذريًا. فكثير من الشباب لم يعودوا يبدأون بحثهم من الكتب أو المصادر المتعددة، بل من سؤال يوجه إلى نموذج للذكاء الاصطناعي: «لخّص لي هذا الموضوع»، أو «حلّل هذه القضية». وبعد ثوانٍ معدودة تظهر إجابة متماسكة، مكتوبة بلغة واثقة ومنظمة، الأمر الذي قد يغري بعض المستخدمين بالتعامل معها بوصفها معرفة مكتملة، من دون العودة إلى مصادر أخرى أو مقارنة الروايات المختلفة أو مساءلة الافتراضات التي بُنيت عليها.
هنا لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تساعد الإنسان على التفكير، بل قد يتحول، إذا أسيء استخدامه، إلى وسيط معرفي يعتمد عليه في فهم الواقع وتكوين الأحكام. ويمكن وصف هذه الحالة بـ«الاعتماد الإدراكي» (Cognitive Dependency)؛ أي انتقال الإنسان من استخدام التقنية لتوسيع قدراته، إلى الاعتماد عليها في أداء وظائف ذهنية كانت حتى وقت قريب جزءًا من نشاطه الفكري اليومي.
عندما تصبح المعرفة خدمة جاهزة
لم يعرف الإنسان، منذ اختراع الطباعة وحتى ظهور الإنترنت، مرحلة أصبح فيها إنتاج المعرفة واستهلاكها بهذه السرعة. فقد كان الوصول إلى المعلومة يتطلب جهدًا في البحث، ثم جهدًا آخر في المقارنة، قبل الوصول إلى استنتاج شخصي. أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان اختصار هذه المراحل كلها في سؤال واحد يوجَّه إلى نموذج ذكاء اصطناعي، ليعود بعد ثوانٍ بإجابة متماسكة، ومصاغة بلغة واثقة، وغالبًا ما تبدو أكثر ترتيبًا مما يستطيع كثير من البشر إنتاجه.
هذه القدرة تمثل إنجازًا تقنيًا غير مسبوق، لكنها تحمل في الوقت نفسه مفارقة لافتة للانتباه. فكلما أصبحت المعرفة أكثر سهولة، تضاءلت الحاجة النفسية إلى بذل الجهد اللازم لبنائها. وهنا يكمن الفرق بين امتلاك المعلومات وإنتاج المعرفة. فالمعلومة يمكن نقلها في ثوانٍ، أما المعرفة فلا تتشكل إلا عبر المقارنة، والشك، واختبار الفرضيات، وربط الأفكار بسياقاتها المختلفة.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن الذكاء الاصطناعي يقدم إجابات، بل في أن يتحول تدريجيًا إلى بديل عن عملية التفكير نفسها. فعندما يعتاد الإنسان استقبال التحليل جاهزًا، يقل تدريجيًا ميله إلى مساءلته أو إعادة بنائه بنفسه، لتنشأ علاقة جديدة بين الإنسان والمعرفة، يصبح فيها العقل مستهلكًا أكثر منه منتجًا.
ولعل هذا ما يميز المرحلة الراهنة عن كل مراحل البروباغندا السابقة. فالدعاية التقليدية كانت تسعى إلى التأثير في مضمون الأفكار، أما الخوارزميات الحديثة فتملك القدرة على التأثير في الطريقة التي تُبنى بها هذه الأفكار أصلًا، عبر اختيار المعلومات، وترتيبها، وصياغتها، وتحديد ما يستحق الاهتمام وما يمكن تجاهله. إنها لا تخبر الإنسان فقط بما ينبغي أن يعرفه، بل قد تعيد تشكيل الكيفية التي يعرف بها.
الوصاية الفكرية الجديدة
ليست هذه المرة الأولى التي تؤدي فيها أداة جديدة إلى إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالعالم. فعندما عرف الإنسان الزراعة قبل نحو اثني عشر ألف عام في الهلال الخصيب، لم يكن الأمر مجرد اكتشاف محصول جديد، بل بداية لتحول حضاري عميق. فقد انتقل من حياة الصيد والترحال إلى الاستقرار، ومن التنقل الحر إلى الارتباط بالأرض ومواسمها وإيقاعها اليومي.
والذكاء الاصطناعي بدل أن يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالطبيعة، يعيد تشكيل علاقته بالمعرفة. وإذا كانت الزراعة قد غيّرت طريقة عيش الإنسان، فإن الخوارزميات مرشحة لتغيير طريقة تفكيره.
وتزداد أهمية هذا التحول لأن هذه الخوارزميات لا تعمل في فراغ، بل تُطوَّر داخل شركات تكنولوجية عملاقة تمتلك البيانات، وتصمم نماذج الذكاء الاصطناعي، وتحدد أولوياتها وآليات عملها. ومن هنا، لم يعد السؤال الأساسي: ماذا تستطيع هذه الأنظمة أن تفعل؟ بل أصبح: من يملك القدرة على تشكيل المعرفة الرقمية، ولأي غايات، وبأي معايير؟
وهكذا، لم تعد الوصاية الحديثة تُمارس عبر الرقيب الذي يمنع الكتب أو يصادر الصحف، بل قد تمارس بصورة أكثر هدوءًا وفاعلية، من خلال خوارزمية تقترح ما نقرأ، وما نشاهد، وما نبحث عنه، وما تعتبره الإجابة الأكثر احتمالًا. إنها وصاية لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى على الراحة والسرعة والثقة، ولهذا تبدو أقل ظهورًا، وربما أكثر تأثيرًا.
من هنا.. إلى أين؟
كتب عالم الفلك والمفكر الأميركي كارل ساغان في كتابه «عالم مسكون بالشياطين» أن المجتمع الذي يفقد قدرته على طرح الأسئلة النقدية، ويكتفي بتلقي الإجابات الجاهزة، يصبح أكثر قابلية للخداع، سواء جاء هذا الخداع من السلطة السياسية أو من أي مصدر آخر. وبعد ثلاثة عقود، تبدو هذه الفكرة أكثر راهنية من أي وقت مضى، لأن الإجابات الجاهزة لم تعد تأتي من السياسي أو رجل الدين أو وسائل الإعلام وحدها، بل أصبحت تأتي أيضًا من الخوارزمية.
غير أن التحدي الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مواجهة بين الإنسان والآلة. فالآلة، مهما بلغت قدرتها على التحليل وتوليد النصوص، لا تمتلك وعيًا أخلاقيًا، ولا خبرة إنسانية، ولا مسؤولية تجاه النتائج التي تترتب على ما تنتجه. إنها تعالج الاحتمالات، لكنها لا تدرك معنى الحقيقة، ولا تستطيع أن تميز بين المعرفة التي توسع حرية الإنسان، والمعرفة التي قد تُستخدم لتقييدها.
ومن هنا، فإن التفكير النقدي لا يقتصر على الشك في المعلومات، بل يبدأ قبل ذلك بامتلاك القدرة على صياغة السؤال الصحيح. فالإجابات، مهما بلغت دقتها، تبقى أسيرة السؤال الذي أُنتجت استجابةً له. أما الإنسان، فهو الكائن الوحيد القادر على مراجعة أسئلته، وتغييرها، وإعادة النظر في المسلمات التي ينطلق منها. وهذه القدرة هي التي جعلت الحضارة تتقدم؛ إذ لم يكن التقدم نتيجة امتلاك الإجابات النهائية، بل نتيجة استمرار الأسئلة.
لهذا، فإن مستقبل العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي لن يتحدد بمدى تطور الخوارزميات، بل بالكيفية التي سيختار بها الإنسان استخدامها. فإذا بقيت هذه التقنيات أدوات تساعد على البحث، وتوسيع المعرفة، واختبار الفرضيات، فإنها ستفتح آفاقًا غير مسبوقة للإبداع والابتكار. أما إذا تحولت إلى بديل عن التفكير، وإلى مرجعية نهائية لا تُراجع ولا تُناقش، فإنها ستؤدي تدريجيًا إلى تآكل إحدى أهم القدرات التي ميّزت الإنسان عبر التاريخ: الاستقلال في الحكم على الأشياء.
هل تستطيع الآلة أن تفكر؟
ليست هذه دعوة إلى مقاومة التكنولوجيا أو الخوف من الذكاء الاصطناعي، كما أنها ليست حنينًا إلى زمن ما قبل الثورة الرقمية. فالإنسان تقدم دائمًا بفضل الأدوات التي ابتكرها، من الكتابة والطباعة إلى الحاسوب والإنترنت. لكن كل أداة كبرى غيّرت شيئًا في علاقة الإنسان بالعالم، واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يغيّر علاقته بالمعرفة نفسها.
ولذلك، فإن السؤال الذي يواجهنا لم يعد: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟ بل: هل سيبقى الإنسان يمارس التفكير بوصفه فعلًا يوميًا، أم سيكتفي باستهلاك ما تنتجه الخوارزميات؟
إذا كانت البروباغندا في القرن العشرين قد سعت إلى التأثير في ما نفكر فيه، فإن التحدي الأعمق في القرن الحادي والعشرين قد يكون التأثير في كيفية تفكيرنا. وبين هذين النموذجين، يبقى التفكير النقدي هو آخر مساحة يحافظ فيها الإنسان على استقلاله؛ ليس لأنه يملك جميع الإجابات، بل لأنه لا يتوقف عن طرح الأسئلة.
