يدعو نص عبد الحسين شعبان إلى بناء علاقة “مثاقفة” تقوم على التفاعل والتبادل مع الآخر، بعيداً عن الانغلاق أو الاستتباع، مع التأكيد على الطابع الكوني لقيم الحرية وحقوق الإنسان والديموقراطية، برغم ما يشوب تطبيقها من ازدواجية في الممارسة الدولية. كما يتوقف عند التحولات العالمية الراهنة، ولا سيما صعود قوى جديدة وتنامي دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، باعتبارها عوامل قد تسهم في إعادة تشكيل موازين القوى الدولية.
وعلى المستوى الداخلي، يُقدّم الكاتب تشخيصاً لأزمات المجتمعات العربية، مبرزاً عناصر مثل الاستبداد، الطائفية، ضعف الحريات، انتشار الجهل والتعصّب، معتبراً أن تجاوز هذه الأزمات يتطلب إصلاحاً ثقافياً عميقاً يقوم على النقد وطرح الأسئلة، لا الاكتفاء بتغيير البنى السياسية الشكلية. كما يطرح تساؤلات موجهة إلى التيارات الفكرية الإسلامية والعلمانية حول قدرتها على إدارة الاختلاف وبناء فضاء تعددي.
بهذا المعنى، تتمحور المقالة حول الدعوة إلى نقد الذات والانفتاح على الآخر، وتأكيد دور الثقافة والمثقف في إحداث التغيير، عبر تعزيز قيم التسامح والتعددية، والسعي إلى بناء أفق إنساني مشترك يتجاوز الانقسامات والهويات المغلقة.
يمكن قراءة هذا النص بوصفه نموذجاً مكثّفاً لخطابٍ ثقافويّ عربيّ معاصر، يطمح إلى النقد والتنوير، لكنه، وبرغم غناه اللغوي وتعدّد إحالاته الفكرية، يُقدّم وعياً نقدياً جزئياً، يعالج الظواهر من دون أن ينفذ إلى بنيتها العميقة.
***
ينطلق نص عبد الحسين شعبان من إشكالية العلاقة مع “الآخر”، ويطرح ثنائية الغرب/الشرق بوصفها إطاراً تفسيرياً عاماً. غير أنّه، وبرغم محاولته التمييز بين “غرب سياسي قائم على فلسفات عنصرية وأيديولوجيات استعلائية ومصالح استغلالية” و”غرب ثقافي تعلّمنا منه الكثير”، يبقى ضمن المقاربة الثقافوية. فهذا التقسيم لا يُردّ إلى وحدة مادية واحدة، هي الرأسمالية العالمية، التي تنتج في آنٍ واحد قيم الحرية داخلياً وممارسات الهيمنة خارجياً. وهكذا، تتحوّل الإمبريالية في النص إلى مسألة “أفكار عنصرية” و”نزعات استعلائية”، بدلاً من كونها علاقة تاريخية قائمة على التوسع ونهب الموارد وإعادة إنتاج التبعية. فـ”الغرب” هنا يُدان أحياناً بوصفه عنصرياً ومهيمناً، ويُمتدح أحياناً بوصفه حاملاً لقيم الحرية وحقوق الإنسان، دون تفكيك الشروط المادية التاريخية التي أنتجت هذين الوجهين بوصفهما تعبيرين عن تطور واحد: تطور النظام الرأسمالي نفسه.
إنّ ما يظهر في النص كتناقض أخلاقي أو ازدواجية معايير، هو في التحليل الماركسي أوضح تعبير عن بنية الرأسمالية العالمية التي تجمع بين إنتاج القيم الليبرالية داخلياً وممارسة الهيمنة خارجياً.
ويتّضح هذا القصور أكثر في حديث شعبان عن القيم الحديثة. إذ يصف الحرية وحقوق الإنسان بأنها “قيم كونية وإنسانية نتقاسمها مع الغرب”، في حين أنّ هذه القيم نشأت ضمن شروط تاريخية محددة رافقت صعود البرجوازية الأوروبية بعد الثورة الفرنسية. إنّ تحويل هذه القيم إلى معطى كوني مجرّد يُخفي طابعها الطبقي، ويحوّلها إلى أيديولوجيا تُستخدم لتبرير الهيمنة بقدر ما تُستخدم للمطالبة بالتحرّر. لذلك، حين يشير النص إلى “ازدواجية المعايير”، فإنه يبقى في مستوى الإدانة الأخلاقية، دون ربطها بالبنية التي تجعل هذه الازدواجية ضرورة وظيفية للنظام نفسه.
غياب تام للمفهوم الطبقي
وفي موازاة ذلك، يعالج النص أزمة المجتمعات العربية عبر مفاهيم مثل الاستبداد، الطائفية، الجهل، والتخلّف. غير أنّ هذا التشخيص، وبرغم جاذبيته الظاهرية، يبقى سطحياً من منظور مادي تاريخي، لأنه يعزل هذه الظواهر عن شروط إنتاجها. فالاستبداد ليس مجرّد نزعة ثقافية، بل هو نمط حكم يرتبط ببنية اقتصادية محددة، غالباً ما تكون ريعية أو تابعة، حيث تتشابك مصالح السلطة مع الرأسمال العالمي، وتُعاد صياغة الدولة بوصفها أداة لضبط المجتمع لا لتمثيله. والطائفية تُقدَّم كمرض اجتماعي، لا كأداة سياسية لإعادة تنظيم الصراع الاجتماعي على أسس غير طبقية، بما يضمن تفتيت القوى الشعبية وإعادة إنتاج السيطرة. بهذا المعنى، يُعاد تفسير نتائج تاريخية معقّدة بوصفها سمات ثقافية، في عملية إزاحة واضحة من البنية التحتية إلى البنية الفوقية.
ومن هنا، فإنّ الغياب شبه التام لمفهوم الصراع الطبقي في النص ليس تفصيلاً، بل هو مؤشر حاسم على طبيعته الأيديولوجية. فالتاريخ، في هذا الخطاب، لا يُقرأ بوصفه صراعاً بين طبقات، بل بوصفه سجالاً بين ثقافات وهويات وأفكار. وهذا التحويل من المادي إلى الثقافي يُفرغ الواقع من تناقضه الأساسي، ويجعل التغيير مسألة “وعي” و”نقد” و”تنوير”، لا مسألة صراع اجتماعي ملموس. إنّ ما يغيب هنا هو بالضبط ما اعتبره كارل ماركس جوهر التحليل: أن البنية الفوقية، بما فيها الثقافة والأفكار، ليست مستقلة، بل هي انعكاس – وإعادة إنتاج – للبنية التحتية.
ويتجلّى هذا القصور أيضاً في تصور دور المثقف. فالنص يمنح المثقف وظيفة أخلاقية-تنويرية: طرح الأسئلة، نقد المسلّمات، الإسهام في التغيير الثقافي. غير أنّ هذا التصور، على أهميته، يبقى أقرب إلى النموذج الليبرالي للمثقف بوصفه ضميراً نقدياً، لا إلى التصور الماركسي الذي طوّره أنطونيو غرامشي، حيث المثقف “عضوي” منخرط في صراع طبقي، يعبّر عن موقع اجتماعي محدد ويساهم في بناء هيمنة مضادة.
إنّ تحييد المثقف طبقياً يُفرغه من قدرته على الفعل التاريخي، ويحوّله إلى شاهد لا إلى فاعل، كما يُفرغ النقد من وظيفته التغييرية، ويحوّله إلى نشاط ذهني منفصل عن شروطه المادية.
نزعة توفيقية
عندما ينتقل نص عبد الحسين شعبان إلى التحولات العالمية، نجده يشير إلى أنّ “من يسيطر على الذكاء الاصطناعي يسيطر على العالم”، وإلى صعود الصين بوصفها عامل توازن في نظام دولي متعدد الأقطاب. غير أنّ هذا الطرح، برغم أهميته، يبقى في مستوى جيوسياسي وتقني. لماذا؟
من جهة، لا يمكن إنكار أنّ صعود الصين وتموضع روسيا يشكّلان تحدّياً فعلياً للهيمنة الإمبريالية الغربية، ويسهمان في كسر الأحادية القطبية، وفتح هوامش أوسع أمام عدد من الدول. كما أنّ دخول الصين إلى الاقتصاد العالمي يتميّز بخصوصية، حيث يتداخل منطق السوق مع دور مركزي للدولة في توجيه التراكم، ما يمنح هذا الصعود طابعاً مختلفاً عن النمط الرأسمالي الغربي التقليدي.
لكن، من جهة أخرى، فإنّ هذا المسار لا يجري خارج منطق النظام العالمي، بل ضمن تناقضاته. فالصين منخرطة في ديناميات التراكم العالمي والتنافس على الأسواق والتكنولوجيا، كما أنّ غياب أدوات الهيمنة التقليدية لا يلغي إمكان نشوء أشكال جديدة من النفوذ.
أخيراً، يتجلّى الطابع الأيديولوجي للنص في نزعته التوفيقية، فهو يسعى إلى الجمع بين المتناقضات: بين الغرب والشرق، بين التراث والحداثة، بين الإسلاميين والعلمانيين، ويدعو إلى تجاوز “الواحدية” ورفض “التسيّد”، وإلى مثاقفة متبادلة بين الثقافات والهويات. غير أنّ هذا الطرح، وبرغم طابعه الإنساني العميق، يُغفل أنّ التفاعل الثقافي لا يجري في فراغ، بل ضمن علاقات قوة غير متكافئة. فالمثاقفة، في ظل الهيمنة، ليست تبادلاً حرّاً، بل عملية مشروطة تفرض فيها ثقافة المركز نفسها على الأطراف. إنّ تجاهل هذه الحقيقة يحوّل الدعوة إلى المثاقفة إلى خطاب أخلاقي، لا تحليل مادياً. ومن هنا، فإنّ نقده، برغم جرأته النسبية، لا يطال الجذر: أي علاقات الإنتاج والهيمنة التي تُنتج كل ما يسعى إلى نقده.
في المحصلة، يلامس الكاتب ظواهر حقيقية (الهيمنة، الاستبداد، أزمة الهوية إلخ..) لكنه يعيد تفسيرها ضمن إطار ثقافوي يُخفي جذورها المادية. وبهذا، يستبدل الصراع الطبقي بالحوار الثقافي، ويحوّل الإمبريالية من علاقة بنيوية إلى خلل أخلاقي، ويجعل التغيير مسألة وعي لا مسألة صراع.
(*) نُشِرَت المقالة في دورية “أفق” ومواقع إلكترونية عديدة في نيسان/أبريل 2026
