المسألة الشرقية الجديدة.. وتجدُّد الحرب

"الشرقُ الأوسط" تسميةٌ جيوسياسيةٌ – عسكرية تُلغي هويّة بلادنا الحضارية. التسمية بهذا المعنى الإلغائي ابتدعها الاستعمار البريطاني في القرن التاسعَ عشَرَ قياساً بمركزِهِ الإمبريالي في لندن خلال تلك المرحلة، قبل نحو مئتيْ عامٍ. الآنَ تتحدَّثُ الوريثةُ الإمبريالية الأميركية عن "شرقٍ أوسطَ" جديدٍ، بالمعنى الاستعماريِّ نفسِهِ، وبتشابُهِ الأدواتِ جوهرياً، واختلافها عملياً في وقتٍ واحدٍ.

ومثلما كانت بريطانيا القديمة ترى هذا الشرق عقبةً في طريقها إلى الهند عبر مصر والبحر الأحمر، ترى الولايات المتحدةُ المأزومة رأسمالياً هذا الشرقَ ذاتَه عقبةً جيوسياسيةً أمام طمعِها بحكم العالم كلِّه والتحكم بثرواته، وأمامَ مشروعها لحلِّ أزَماتها على حساب الشعوب.. لذا تخطط واشنطن ليكونَ الشرقُ”جديداً”، أيْ بتقسيماتٍ جديدة عرقيَّاً وطائفيَّاً وسياسيَّاً وتَبََعِيَّاً بأبشع مما حصل في خطة سايكس – بيكو.

لا تريد واشنطن أن تنظرَ إلى الشرق إلَّا من زاويتينِ إستراتيجيَّتينِ: خزان النفط والغاز والمعادن خصوصاً اليورانيوم والثوريوم(موجودان عندنا بكثافة ولو من دون إعلان، ولا سيَّما في الأردن والسعودية ومصر والجزائر والمغرب والسودان وموريتانيا). والزاوية الثانية ساحة حرب تدور رحاها حاليَّاً على إيران وتستهدف في العمق أيضاً الصين وروسيا ومناطق أوراسيا، وتتطلَّعُ واشنطن إلى السيطرة على مقوِّماتِ بناء نظام عالمي بديلٍ مِنَ النظام الذي نشأَ بعد الحرب العالمية الثانية. لا يعني ذلك بالضرورة أنَّ ما تريده الإدارة الأميركيَّة ودولتُها العميقة سيتحققُ، لكنَّ المرحلةَ الفاصلة قبل الفشل الأميركي، ستكون في منتهى الصعوبة والخطورة وستدفعُ المنطقة أثماناً باهظة.

إذاً، “الشرق الأوسط” عند الإمبرياليةِ الأميركية هو الخزَّان والساحة، وما بينهما ستأتي الكوارث واحدةً تلو أخرى طالما أنَّ العربَ يغطُّون في نومِ التبعيَّةِ[وتَحسَبُهُم أَيْقاظاً وَهُم رُقودٌ/ سورة الكهف- الآية18]، ولا يريدون الاستفاقةَ، ولا تعلـُّمَ أيَّ درسٍ من الخذلان الذي أنْزلَهُ بهم الأميركيُّون، ولا سيما في منطقة الخليج المعرَّضة في أيِّ وقتٍ، في الأشهر القليلة المقبلة لخذلانٍ أميركي إضافي.

لماذا منطقتنا مستهدفة؟

الأسباب كثيرة، والحسابات الأميركية عديدة. وكلُّ السيناريوهات التي ترسمها تل أبيب وواشنطن تبلغ أعلى درجات الخطورة، وتستهدف جميعُها ضربَ المقاومة في لبنان واليمن والعراق من الداخل الوطني لهذه البلدان، وليس بالعُدوان العسكريِّ الأميركي الإسرائيلي فحسْبُ، ومحاولةَ نسفِ كلِّ روابطِ المقاومة بإيران كونها واجهة التصدّي الإستراتيجي حاليَّاً، ومن خلفها المعادلات الدولية الحليفة المتمثِّلة بالصين وروسيا. وكون إيران استطاعت أيضاً أنْ تُفْشِلَ أهداف الحرب عليها، وهَزمتْ أميركا في البحر عند مضيق هُرْمُزْ غير أنَّ الإدارة الأميركية لا تريد الاعتراف بالهزيمة، بل إنَّ الرأسماليَّة الكولونيالية عندما تُهْزَمُ تزداد شراسةً، كما يقول ماركس وبالتالي تندفع أكثرَ فأكثر نحو الحروب والعنف والوحشيَّة.

هذا هو الواقع الذي نعيشه راهناً في منطقة “الشرق الأوسط”[مع التحفظ الدائم على هذه التسمية]. إنَّنا أمام مسألةٍ شرقية ثانية، محورها هذه المرة العرب وكلُّ بلادهم، مثلما كانتِ السلطنة العثمانية محور المسألة الشرقية الأولى حيث قسَّمها الأوروبيون من البلقان على حدود أوروبا إلى مصر والشام على ساحل المتوسط، وليس بالضرورة أن تسلمَ تركيا من هذا المشروع المتجدد بالرغم من عضويتها في الناتو وتبعيتها لأميركا، وبالرغمِ من أوهام أردوغان باستعادة السلطنة والخلافة الإسلامية السُنيَّة والسَّنيَّةِ وَفقاً للأحلام الهمايونيَّة للإخوان المسلمين.

هذه الصورة تقف خلف السياسات الأميركية – الإسرائيلية تجاه منطقتنا، إذ لا يمكن فصل السياسة عن التاريخ والفكر والاقتصاد وحتى الدين. ولولا ضعف الاتحاد الأوروبي وخوفُه من روسيا لكان قد شارك بقوة في هذا المخطط الأسود، غير أن بريطانيا – وبما يشبه محاولة التعويض – تقدِّمُ استخباراتُها، وملفَّاتُ خارجيتها الاستعمارية مشوراتٍ جهنميَّةً لسيدتها الأميركية وصنيعتها الإسرائيلية.

ثلاث نقاط خطيرة

حسابات المرحلة القريبة المقبلة شديدة التعقيد، ولا سيَّما في الأشهر الثلاثة التي تسبق الانتخابات في الولايات المتحدة و”إسرائيل”. ترامب ودولته العميقة يستعدّان لاستئناف العدوان المكثَّف على إيران، ويُحرِّكانِ أدواتِهما من كردستان العراق إلى أذربيجان. والإيرانيون يستعدُّون في المقابل، ولن يتراجعوا في الدفاع عن بلدهم، ولن يستسلموا لمشروع السيطرة الأميركية – الإسرائيلية على الإقليم، ولن يكونُوا سُذّجاً أمام تحالف مكة بين السعودية وتركيا وباكستان. وهو تحالف مثقلٌ بالتناقضات التفصيليَّة بين تركيا الأطلسية الطامعة بسوريا وبلبنان، وباكستان القريبة من الصين، والرياض التي تحارب اليمن، لكنَّه برغم التناقضات تحالفٌ كافٍ لتفجير المنطقة مذهبيَّاً إذا جرى تفعيلُه. وهذا لا يُخفي أنَّ “إسرائيل” راضيةٌ عنه، مثلما رضيَ عنه ترامب، ولذا نأت مصر بنفسها عنه بسبب إدراكها خطورتَهُ والتزاماتِه العسكرية التي تصل إلى حدود الهند المتصارعة مع باكستان.

ضمن هذا الإطار تتحرَّكُ الولايات المتحدة في خططها العسكرية الجديدة. وهنا تبرز النقاط الخطيرة الآتية:

1-إذا تجرَّاَ ترامب واستأنف الحرب على إيران، فسيكون خاسراً مرة جديدة، لكنه يخطط لتحميل الخسارة إلى العرب وخصوصاً دول الخليج عبر محاولة إدخالهم في المواجهة ضد إيران، بالترافق مع حملةٍ دعائية لتكريس الحرب على أنها حرب سنية – شيعية، تمتدُّ إلى سبعٍ وخمسين دولة إسلاميَّة في العالم، فينتشر شعور بنزاع إسلامي – مسيحي كما تريد الصهيونية.

2-أي مواجهة خليجية مع إيران ستدفع هذه الأخيرة إلى تغيير تكتيكاتها العسكرية، من الدفاع إلى الهجوم، وعندئذٍ سيكون الخليج ساحة دمارٍ بنفطه وغازه ومياهه ومنشآته العمرانية، ولا سيما بعد أن تخذله واشنطن مجدداً فتسحب قواعدها منه، مثلما انسحبت من سوريا وتنسحب الآن من العراق. ولا شكَّ أنَّ الخسائر ستتجاوز مئات مليارات الدولارات التي خسرها الخليجيون حتى الآن.

إقرأ على موقع 180    لبنان وصندوق النقد.. نلتزم بما نقبله

3-أمَّا الخطورة التي تخصُّنا في لبنان فهي أنَّ الاحتلال الإسرائيلي مستمرٌ بالاتفاق مع واشنطن في مشروعه العدواني لسلخ الجنوب عن لبنان وضمِّه مع الجنوب السوري للكيان المحتل. والأخطر أنَّ مشروع إدخال أحمد الشرع إلى لبنان ما زال قائماً وبقوة لكنّ تنافس الحسابات المصلحية بين إسرائيل وتركيا وأميركا وخوف سلطة الشام الحالية من هذه المغامرة، هو الذي أجَّل هذه الخطوة من دون إلغائها، ولا سيَّما أنَّ الدولةَ العميقةَ التي تقودُ الإدارة الأميركية ما تزال ترى أنَّ أقوى شرارةٍ لإطلاق حربٍ سُنّيّةٍ – شيعيّةٍ تكونُ من لبنان بسبب طبيعة تركيبته التي لم تسمحْ بظهور شعور انتماءٍ وطنيٍّ جامع، خصوصاً أنَّ بعض القوى في لبنان تعمل يومياً على تغذية هذا النوع من الانقسام. ولا ننسى أبداً أنَّ بعض الدول العربية توافق على ذلك لضرب المقاومة من الداخل وتطويقها من جهة الشرق والشمال.

في الخلاصة، الصورة قاتمة فعلاً، غير أنَّ صمود إيران-وهي القلعة الأخيرة- قد يفتح كوَّةً من أملٍ لتغيير نوعي في موازين القوى يؤدِّي إلى إفشال مشروع أميركا و”إسرائيل”، لتركيب “مسألة شرقية” جديدة، والانتقال من سايكس بيكو إلى ما هو أسوأُ منها.

سلطة “اتفاق الإطار” عندنا في لبنان ترى كلَّ ذلك حولها، ولا تدرس شيئاً، وكأنَّها تنتظرُ أن يحصل ما هو مرسوم، لتدخل في اتفاق إطارٍ ثانٍ!

 

Print Friendly, PDF & Email
بسّام ضو

عضو الهيئة الإدارية لاتحاد الكُتّاب اللبنانيين

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الإستبداد ينتصر بالكورونا.. و"القوة الناعمة"