لبنان: الحريري يكسب بالنقاط.. وطابخ السم الطائفي آكله

أبعد من الحراك الشعبي المستمر منذ خمسين يوما، وأبعد من إستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وأزمة تسمية رئيس الحكومة المقبل، ثمة أزمة حكم مستعصية في لبنان، يحاول الجميع تجاهلها أو القفز عنها من خلال توصيفات مواربة.

من محمد الصفدي إلى سمير الخطيب، بقي سعد الحريري وحده مرشحاً لرئاسة الحكومة، برغم إصراره على أنه ليس مرشحاً وأن الطريق سالكة أمام غيره من المرشحين.

بات واضحا أن ثمة معادلة وحيدة لم تنكسر منذ أربعين يوما (تاريخ إستقالة الحريري في التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر). سعد الحريري أو لا أحد، ومن يجرؤ على كسر القاعدة، سيجد شارعاً لبنانياً مذهبياً في إنتظاره تمهيداً لإحراقه. هذا ما يمكن أن يصيب فؤاد المخزومي إذا قبل بترشيحه من قبل فريق الأكثرية النيابية، وعلى رأسه التيار الوطني الحر الذي يمتلك أكبر كتلة نيابية مرجحة في البرلمان اللبناني.

نام سمير الخطيب، (كما محمد الصفدي من قبله)، رئيسا مكلفا للحكومة، منذ يوم الثلثاء الماضي، لكن القطبة المخفية الأولى، كانت في تأجيل موعد الإستشارات النيابية الملزمة من الأربعاء الماضي حتى يوم غدٍ الإثنين.

هذا الفاصل الزمني كان وحده كفيلاً بإفساح المجال أمام مناورة مكشوفة خاضها الحريري بإتقان غير مسبوق في الشارع، كما في السياسة، فتوالت “الفيتوات” على سمير الخطيب من كتلة نجيب ميقاتي إلى إتحاد العائلات البيروتية وصولا إلى دار الفتوى وكتلة المستقبل نفسها التي شهدت “تمرداً محسوباً” على الحريري، ما إضطر رئيسة الكتلة النائب بهية الحريري إلى إبلاغ النواب اليوم بـتأجيل الإجتماع التشاوري للكتلة، ما حدا بأحد أعضائها للقول إن رؤساء الحكومات السابقين “كانوا أشطر منا عندما تمسكوا بالحريري ورفضوا تسمية سمير الخطيب برغم تبنيه من الحريري نفسه”!.

بللينغسلي أبلغ عدداً من الشخصيات اللبنانية أن جبران باسيل بات يصنف في خانة “أعداء الولايات المتحدة في لبنان”

أمام المأزق السياسي الذي بلغته قضية التكليف اليوم (الأحد)، لا بد من محاولة وضع إطار سياسي، يتخطى القال والقيل لبنانياً:

أولاً، هل الأزمة تتجاوز بعدها المحلي الضيق، برغم إصرار العديد من القيادات الداخلية على حصرها في عناوين سياسية أو شخصية؟

يأتي طرح هذا السؤال في ظل معطيات تشير إلى أن “الفيتو” الذي وضعه سعد الحريري على توزير جبران باسيل، رئيس الكتلة النيابية الأكبر في أية حكومة برئاسته، ليس “فيتو” محلياً على الإطلاق، بل مضمونه أميركي أولاً. ثمة واقعة يعلمها معظم أهل السياسة في لبنان، أن مساعد وزير ​الخزانة الأميركية​ مارشال بللينغسلي، وفي آخر زيارة له إلى بيروت، في أيلول/سبتمبر الماضي، أبلغ عدداً من الشخصيات اللبنانية أن جبران باسيل بات يصنف في خانة “أعداء الولايات المتحدة في لبنان”.

إذا كانت هذه الواقعة موثقة ومعروفة، يصبح تفسير موقف رئيس الوزراء اللبناني المستقيل منطقياً ومقنعاً، إذ أن الرجلين (الحريري وباسيل) تصرفا على مدى ثلاث سنوات من عمر ولاية ميشال عون الرئاسية، بوصفهما يمثلان منظومة سياسية ـ مالية تتجاوز العهد، وباتت علاقتهما مضرب مثل، بعدما إعتمدا قاعدة “مرقلي بمرقلك” (مرّر لي وأمرّر لك).

صحيح أن باريس ولندن لم تصدر عنهما أية إشارة بهذا الخصوص، لكن الجانب الأميركي يخوض معركة سياسية أبعد وأعمق بكثير من معركة الحكومة الحالية. هي معركة القضاء على أية فرصة رئاسية لباسيل، بعد ثلاث سنوات. وهذا وحده يفسر الكثير من الأدوار التي لعبها، في الآونة الأخيرة، عدد من “الموظفين” ـ المرشحين لرئاسة الجمهورية في المرحلة المقبلة.

يوسف بن علوي: العام 2020 هو عام الحلول في المنطقة واليمن سيكون مفتاح التسويات

ثانيا، شبّه سليمان فرنجية في مقابلة مع موقع 180، قبل عشرة أيام، الوضع في لبنان حالياً بأنه مماثل للظرف الذي شهدناه قبل ولادة إتفاق الطائف في العام 1990. وقتذاك، لم يدرك قادة المسيحيين حجم المتغيرات الإقليمية والدولية، وعندما قرروا معاندتها، دفع المسيحيون الثمن من كيسهم، إحباطاً وإبعاداً ونفياً وجاءت التسوية الكبرى في المنطقة على حسابهم. الخوف كل الخوف أن يدفع المسيحيون في لبنان، اليوم، ثمن قراءات خاطئة أو معطيات ليسوا مواكبين لها، خصوصا في ظل ما تشهده المنطقة من فتح نوافذ في أكثر من إتجاه، وتكفي إستعادة جملة واحدة قالها وزير الدولة للشؤون الخارجية العماني يوسف بن علوي في واشنطن لرئيس تحرير إحدى أكبر الصحف الأميركية، قبل أسبوع، من أن العام 2020، سيكون عام الحلول في المنطقة وأن اليمن سيكون مفتاح التسويات.

ثالثاً، لا شيء، حتى الآن، يفسر هذا الإنكفاء السعودي عن لبنان، سواء بالسياسة أو بالمال أو بالمساعدات، وثمة وجهة نظر سعودية وازنة جداً تقول أن لا شيء سيحدث في لبنان من الآن وحتى شهر شباط/فبراير أو آذار/مارس 2020 “وعندما يسقط لبنان ويأكل اللبنانيون بعضهم البعض، سنجدهم يأتون إلينا من موقع الإستجداء، وعندها نرى ماذا نفعل وكيف سنتصرف حيال الوضع المستجد”.

من يجرؤ غداً على قبول إية تسمية لغير الحريري إذا كان يعرف مسبقا أنها ستجعله يحترق في الشارع في اليوم التالي؟

رابعاً، إننا نعيش فعلياً مرحلة “طابخ السم آكله”. لقد وقع العهد أسير معادلة صعبة جداً. أول من رفع معادلة “الماروني القوي” و”المسيحي القوي” هو ميشال عون (وطبعا جبران باسيل) ، وها هما يدفعان اليوم ثمن ما اسمته دار الفتوى (مرجعية المسلمين السنة في لبنان) الإجماع السني على سعد الحريري رئيساً للحكومة اللبنانية. كيف يمكن أن يبادر عون إلى تحديد موعد إستشارات نيابية يمكن أن تفضي إلى تكليف شخصية مثل فؤاد المخزومي نالت كل أصوات الكتل النيابية ولم تنل الأصوات السنية الوازنة (كتل الحريري وميقاتي على الأقل)، فضلا عن دعم دار الفتوى والعائلات السنية؟ ومن يجرؤ على قبول إية تسمية لغير الحريري إذا كان يعرف مسبقا أنها ستجعله يحترق في الشارع في اليوم التالي؟

خامساً، لن يكون بمقدور “الثنائي الشيعي” القبول بمرشح لرئاسة الحكومة لا يحظى بدعم بيئته أولاً، ولذلك، آثر كل من حزب الله وحركة أمل منذ اليوم الأول عدم الخوض في قضية التسمية، وتركا لكل من سعد الحريري وجبران باسيل أن يقدما الأسماء ومن ثم تفرجا على عملية حرقها، وذلك مخافة أن يتجدد كابوس الفتنة السنية ـ الشيعية التي يرفض كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، إستدراجهما إليها تحت أي ظرف من الظروف.

سادساً، عادت الكرة إلى ملعب الحريرية السياسية من جهة والتيار الوطني الحر من جهة ثانية. هما وحدهما يملكان مفتاح التكليف ومن ثم التاليف، أما باقي القوى، فأصبحت أشبه بـ”الكومبارس”، وهذا ما يجعل الإستشارات النيابية الملزمة غدا إما مشروع تفجير أو صمام أمان، تبعا للمندرجات التي يمكن أن تسلكها الأمور في الساعات المقبلة.

سابعاً، حتى لو قرر رئيس الجمهورية السير بالإستشارات النيابية الملزمة، ثمة أفخاخ سياسية ودستورية تبدأ ولا تنتهي: إذا قررت كتل فريق 14 آذار/مارس تسمية سعد الحريري وهي قادرة على توفير حوالي ستين صوتاً نيابياً على الأقل، فإن باقي الكتل النيابية قادرة على تأمين أرقام أكبر لمرشح آخر أو أن تكتفي بعدم التسمية، فضلا عن إحتمال أن يقدم البعض على تسمية مرشح يمكن أن ينال صوتا أو أكثر. في هذه الحالة أو تلك، كيف سيتصرف القصر الجمهوري، وهل يسمي الحريري أو يعلن أنه لم ينل الأكثرية المطلوبة وماذا ستكون ردة فعل الشارع السني والحراك الشعبي؟

إذا تمت تسمية الحريري، سيكون الحراك الشعبي ملزما بالنزول للتظاهر ضد التسمية إنسجاما مع شعار “كلن يعني كلن”، عندها هل سيبادر الحريري إلى تحريك جمهوره في العاصمة والشمال والبقاع وإقليم الخروب؟

ثامناً، كل مندرجات الوضع الراهن تشي بإصطدام حتمي بين الحراك الشعبي والجمهور الحريري. إذا تمت تسمية الحريري، سيكون الحراك الشعبي ملزما بالنزول للتظاهر ضد التسمية إنسجاما مع شعار “كلن يعني كلن”، عندها هل سيبادر الحريري إلى تحريك جمهوره في العاصمة والشمال والبقاع وإقليم الخروب، وهل يمكن أن يقود ذلك إلى صدام حتمي بين شارعين تعايشا منذ اليوم الأول لبدء الحراك، ولكنهما سيجدان نفسهما أمام لحظة إفتراق حتمي، بعدما إنتهى موسم الإستثمار المتبادل، من دون أي إتفاق معلن أو غير معلن؟

تاسعاً، تشي أزمة التكليف، كما أزمة الإستقالة، كما أزمة التأليف، بأن النظام السياسي أصبح معطلا، وعند كل منعطف سياسي، تتبدى هشاشته وعدم قدرته على إحتواء الأزمات، فكيف الحال والإنهيار الإقتصادي والمالي الذي بات حتمياً في الأسابيع المقبلة، إذا إستمرت الأمور على ما هي عليه اليوم؟

عاشراً، لا مناص من مقاربة إستثنائية للوضع الراهن، فإستمرار التصرف من قبل أهل السلطة السياسية مع قواعد التكليف والتأليف وكأن الوضع الراهن هو وضع عادي وطبيعي يشي بمكابرة لا تمت بصلة إلى الواقع. لبنان يواجه حقبة إستثنائية ومرحلة إنتقالية تاريخية، سياسية وإقتصادية ومالية وإجتماعية، وبات الوضع يحتاج إلى معالجات بوسائل وأدوات غير عادية. هل من يتلقف هذه اللحظة، أقله بالمقاربة والتفكير، قبل وضع الحلول العملية وهي متاحة حتى الآن.

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download