رئاسة ماكرون الثانية “لن تكون مجرد نزهة”!

تتسارع استطلاعات الرأي في فرنسا مع إقتراب موعد الإنتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع العام 2022، وهي تشهد تطوراً لافتاً للإنتباه لجهة تقدم بعض المرشحين مقابل تراجع آخرين.

على مسافة حوالي مائة يوم من موعد الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية (10 نيسان/ابريل 2022)، بدأت تتضح الى حد ما معالم المشهد السياسي مع بداية تبلور المزاج الشعبي وبدء رسم الخيارات المستقبلية وذلك دون أن يغيب عن الحسبان أن الأسابيع الأخيرة قد تحمل مفاجآت تأتي بها صناديق الإقتراع.

أبرز عناصر هذا المشهد حسب المعطيات الحالية تُختصر بالآتي:

أولاً، على صعيد اليمين التقليدي والمتطرف:

المواجهة باتت واضحة بين مرشحي اليمين المتطرف زعيمة حزب “التجمع الوطني” مارين لوبن والصحافي والكاتب اريك زمور من جهة وبين مرشحة  اليمين الديغولي التقليدي والمعتدل فاليري بيكريس من جهة أخرى.

وعكس التوقعات فإن بيكريس سجلت في أكثر من إستطلاع رأي، أجري بعدما إختارها “الجمهوريون” بالأكثرية مرشحة وحيدة لحزبهم، تقدماً ملحوظاً في شعبيتها. وهذا التقدم بدأ يثير القلق ليس فقط بين منافسيها داخل الصف اليميني بل إنه بلغ الأوساط المحيطة بالرئيس ايمانويل ماكرون.

ويبدو أن هناك أكثر من عامل قوة يعمل لصالح تقدم بيكريس. ومن أبرز هذه العوامل: التزام منافسيها داخل حزب “الجمهوريون” بتوفير الدعم وحشد التأييد لها، كونها صاحبة تجربة سياسية طويلة كنائبة ووزيرة، خبيرة في إدارة الشؤون العامة كرئيسة احدى اهم المناطق الفرنسية وأكبرها “ايل دو فرانس”، كونها امرأة تحظى بتعاطف فئة كبرى في المجتمع الفرنسي اضافة الى ابراز شخصيتها “القوية” ورغبتها في جمع تجربة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر والمستشارة الالمانية السابقة انجيلا ميركل.

كل هذه العوامل ساهمت في تعزيز موقع بيكريس 17% وجعلها تتقدم على منافستها مارين لوبن 16% وتفتح لها آفاق الفوز في المرتبة الثانية في الدورة الأولى مما يؤهلها للانتقال الى الدورة الثانية ومنافسة الرئيس ماكرون في المواجهة النهائية.

يذكر أن بيكريس تعرف لبنان جيداً وقد زارته في السنوات الاخيرة أكثر من مرة وبادرت إلى تعزيز الشراكة بين منطقة “ايل دو فرانس” التي ترأسها ومدينة بيروت. كما أرست عدة اتفاقات تعاون مع محافظة وبلدية العاصمة اللبنانية وتحركت سريعاً لدى إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020، عبر إرسال مساعدات عاجلة والمساهمة في اعادة الاعمار.

الإستطلاعات تعطي ماكرون الأرجحية بالفوز مرة جديدة في الدورة الثانية بين 51% و52% وان كان الفارق في الاصوات يتقلص في حال وصلت منافسته بيكريس الى الدورة الثانية. لذلك بدأت الاوساط القريبة من حزب “الجمهورية الى الأمام” الذي أسّسه ماكرون بتوجيه السهام في اتجاه حملة بيكريس بغية اضعاف ديناميكيتها وفي محاولة للحد من تقدمها

ثانياً، على صعيد اليسار:

يعاني اليسار الفرنسي حالة من التخبط والتشرذم والانقسام ما أدى إلى تراجع التأييد الشعبي لمختلف مرشحيه، والصدمة الكبرى كانت لمرشحة الحزب الاشتراكي رئيسة بلدية باريس آن هيدالغو التي لم تستطع أن تسجل إلا نسبة ضئيلة من الأصوات في إستطلاعات الرأي وقد وتراوحت بين 4% الى 5%.

وأمام هذا الوضع بادرت هيدالغو إلى دعوة مرشحي اليسار إلى الإتفاق على إجراء انتخابات تمهيدية داخلية في ما بينهم وذلك بهدف الخروج بمرشح أوحد يضمن الفوز في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية للانتقال الى الدورة الثانية النهائية.

ولكن سرعان ما جاء الرد سلبياً وعنيفاً من أبرز مرشحي اليسار مرشح حزب “الخضر” يانيك جادو 8% ومرشح اليسار المتشدد زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان-لوك ميلونشون 9% اضافة إلى مرشح الحزب الشيوعي الفرنسي فابيان روسيل حيث قوبلت الدعوة بالرفض.

حالة الضياع في أوساط اليسار زادت مع إقدام وزيرة العدل السابقة كريستيان توبيرا القريبة من اليسار على الإعلان أنها تدرس ترشيح نفسها للانتخابات الرئاسية، محددة موعد منتصف كانون الثاني/يناير المقبل لاتخاذ قرار نهائي!

وهي أشارت الى إنها “تدرس ترشحها” للانتخابات الرئاسية في ظلّ “الوضع الحرج” الذي يمر به اليسار الفرنسي. وأضافت توبيرا أنها لن تكون “مرشحة أخرى تضاف إلى قائمة المرشحين “بل ستبذل كل الجهود المطلوبة في آخر فرصة لتوحيد اليسار”.

ثالثًاً، على صعيد الوسط:

لا يزال الرئيس الحالي ايمانويل ماكرون، الذي يحظى بتأييد شريحة من الفرنسيين القريبة من الوسط يميناً ويساراً، يحتل المرتبة الاولى في الدورة الأولى مع حوالي 24%. كما أن الإستطلاعات تعطيه الأرجحية بالفوز مرة جديدة في الدورة الثانية بين 51% و52% وان كان الفارق في الاصوات يتقلص في حال وصلت منافسته بيكريس الى الدورة الثانية. لذلك بدأت الاوساط القريبة من حزب “الجمهورية الى الأمام” الذي أسّسه ماكرون بتوجيه السهام في اتجاه حملة بيكريس بغية اضعاف ديناميكيتها وفي محاولة للحد من تقدمها.

واللافت للإنتباه ان حوالي نصف الفرنسيين كشفوا في استطلاعات الرأي انهم لم يحددوا بعد خيارهم النهائي، من هنا فإن الأرقام قد تشهد أكثر من تطور في الأسابيع المقبلة.

إقرأ على موقع 180  ألمانيا.. وعودة "العدو التاريخي"!

ويقول خبير فرنسي في أحد معاهد الأبحاث أنه من المبكر القول إن نتائج الاستطلاعات الأخيرة تؤكد على فرص التجديد لماكرون ولاية ثانية، ذلك أن عملية الانتخاب بالنسبة لكثير من الفرنسيين ترتدي “طابعاً مزاجياً”!.

ويضيف الخبير ان التجارب الانتخابية السابقة أظهرت أن “الإقتراع اكثر ما يكون سلبياً وعقابياً بحق مرشح أكثر مما يكون التزاماً ايجابياً بتأييد المرشح المنافس”. وفي هذا الاطار، توقع الخبير بأن لا تكون المعركة الانتخابية “مجرد نزهة” لماكرون و”لا نهر طويلاً هادئاً له، على العكس قد يواجه مطبات وتيارات لا تخلو من الخطورة”.

Print Friendly, PDF & Email
باريس ـ بشارة غانم البون

صحافي وكاتب لبناني مقيم في باريس

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  هيبة قطاع الدفاع الفرنسي تسقط أمام إسرائيل!