حين تجلس دمشق بين القاتل.. والمجروح

كلما ظنّ التاريخ أنه قال كلمته الأخيرة في دمشق، فتحت المدينة صفحةً جديدة، وتركت التاريخ يراجع نفسه. دمشق ليست مدينةً مرّت عليها الحروب فحسب، بل مدينةٌ مرّت بها ذاكرة الإنسان منذ أول دمٍ سُفك على هذه الأرض، ومنذ أول سؤال عن الخطأ والندم والصفح.

الزمن في دمشق عابرٌ، فيما تبقى هي مقيمةً في الزمن. هي مدينة لا تشبه المدن. تمرّ عليها الإمبراطوريات كما تمرّ الغيوم فوق قاسيون؛ تترك ظلّها قليلًا ثم تمضي، بينما يبقى الحجر شاهدًا، ويبقى الياسمين أمينًا لذاكرة البيوت. هنا، لا يُقاس العمر بالسنين، بل بما تركه البشر خلفهم من حكايات. كل جدار يحمل أثر من مرّ به، وكل باب قديم يعرف أسماء الذين طرقوه ثم رحلوا، وكل زقاق يحتفظ بخطوات الذين أحبوا المدينة، والذين خرجوا منها وهم يحملون شيئًا منها لا يستطيعون نسيانه.

فوق دمشق يقف قاسيون.

ليس جبلًا يطل على مدينة فحسب، بل شاهدٌ قديم على تقلّبات البشر؛ كأنه شيخ من زمن بعيد جلس يصغي إلى حكايات الإنسان منذ بدايته. شاهد الجيوش تدخل وتخرج، وشاهد المنتصرين يرفعون راياتهم، ثم شاهد الرايات نفسها تسقط.

رأت دمشق السيوف كثيرًا؛ رأت رجالًا يدخلون أبوابها وهم يظنون أن القوة تصنع البقاء، ثم رأتهم يرحلون وبقيت؛ لأن المدن لا تبقى بالسيف الذي يمر فوق ترابها، بل بالروح التي تسكن بين جدرانها. وتعلّمت ما لم يتعلّمه البشر إلا بعد قرون: أن السيوف تتغير، أما الدم فيبقى دمًا.

وعلى جبل قاسيون، تقول الذاكرة القديمة، طُرح السؤال الأول الذي رافق الإنسان:

كيف يتحول الأخ إلى خصم؟ وكيف يعود الإنسان إلى إنسانيته بعد الدم؟

هناك، تضع المخيلة قابيل وهابيل في مشهد يتجاوز حدود الحكاية الأولى؛ كأن القاتل والمقتول يستطيعان، بعد انقضاء الفاجعة، أن يجلسا وجهًا لوجه، لا في ساحة حرب، ولا بين جموع تطالب بالثأر، بل في أرض صامتة لا يُسمع فيها إلا صوت الريح.

يعرف كل منهما الآخر من بعيد؛ فالوجوه التي تحمل الألم لا تحتاج إلى أسماء. يجلسان متقابلين، يشعلان نارًا صغيرة، ويُعدّان طعامًا كما يفعل البشر حين يبحثون، بعد الخراب، عن شيء يعيد إليهم معنى الحياة.

يصمتان كما يصمت المتعبون في آخر النهار. وفي السماء تلمع نجوم لم تكن لها أسماء في ذلك الزمن البعيد. وعلى ضوء النار، يرى قابيل أثر ما فعل، فيما يرى هابيل ثقل ما وقع عليه.

وفي تلك اللحظة يظهر السؤال الذي لم يغادر الإنسان منذ البداية:

هل يبقى الإنسان أسيرًا لما فعل؟ وهل يبقى أسيرًا لما وقع عليه؟ وكيف يتذكر من دون أن يتحول إلى سجين للثأر؟

الصفح لا يعني محو الجرح، والنسيان لا يعني إنكار الألم، لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد داخل اللحظة التي كسرت قلبه.

وهنا تجلس دمشق… لا كمدينة مدمرة فقط، ولا كضحية فقط، بل كشاهد على رحلة الإنسان الطويلة بين الخطيئة والندم، وبين الدم والصفح، وبين الرغبة في الانتقام والحاجة إلى الخلاص.

ومع انتهاء الحروب، لا يتبقى سوى ما تتركه دائمًا: أسماءٌ بلا أصحاب، وبيوتٌ تحفظ أصواتًا رحلت.

في ظلال قاسيون جلس رجلان أنضجتهما المأساة: سوريٌّ يحمل ذاكرة الديار والوجوه، ولبنانيٌّ يحمل ذاكرة طريقٍ دخله بقناعة وخوف، ليجد نفسه أمام أسئلةٍ لم تكن في باله.

لم يجلسا لتوقيع معاهدة، بل ليتكلّما كإنسانين بعدما صمتت الرايات. بينهما نارٌ صغيرة؛ لا تكفي لدفء الليل، لكنها تكفي لكشف الوجوه.

تحدث السوري فقال:

-أوجعُ ما في الأمر ليس ما حدث فقط، بل ألّا يرى الآخر جرحك. عندما تحولت المدن إلى ساحات صراع، لم نكن نرى فقط ما تهدّم، بل كنا نرى شيئًا أعمق يتهدّم في الداخل؛ أن البيوت لم تعد أمكنةً آمنة، وأن البشر صاروا يُختزلون في رايات.

سكت قليلًا، ثم نظر إلى الرجل وقال:

-هل رأيت يومًا البيت الذي ليس بيتك؟

كانت الجملة أبسط من أن تكون اتهامًا، وأثقل من أن تكون سؤالًا عابرًا.

رفع اللبناني عينيه نحو ضوء النار وقال:

-في الحرب، تضع المخاوف جدارًا بينك وبين آلام الآخرين. ندخل الحرب لنحمي ما نؤمن به، ثم تمضي السنوات فنكتشف أنها أخذت منا أكثر مما حمت.

قال السوري:

-اليوم، لا أطرح أسئلتي لأنتصر؛ فقد تعبتُ من انتصاراتٍ تترك خلفها مزيدًا من الخسارات. أطرحها لأن هناك جروحًا لا تُشفى إلا إذا وُجد من يصغي إليها. لكن، هل يستطيع الإنسان أن يعترف بعد فوات الأوان؟

نظر اللبناني إلى النار وقال:

-ربما لا يستطيع واحدنا أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء؛ إلى ما مضى، لكنه يستطيع أن يسأل: ماذا فعلت بي الحرب؟ وماذا فعلت أنا في داخلها؟ الخطأ الكبير أننا ظننا أن الاعتراف بألم الآخر يمحو ألمنا، فيما القلب الذي لا يرى إلا جرحه يتحول إلى سجن.

تساءل السوري:

-هل نورّث هذا الجرح للأبناء؟ نحن لا نطلب محو الذاكرة، بل ألّا نسدد ديون الغائبين من أجساد الأحياء.

أجاب اللبناني:

إقرأ على موقع 180  «الاختيار 3».. دراما وثائقية أم معالجة أمنية؟

-يبدأ السلام عندما نستطيع أن نقول: لقد تألمتُ، ورأيتُ أنك تألمتَ أيضًا.

سقطت جمرةٌ في الرماد، واهتز السؤال الأزلي:

-كيف يتذكر الإنسان الدم… من دون أن يسفكه من جديد؟

مع الفجر، خمدت النار وظلّ الجمر حيًّا تحت الرماد، كالأسئلة التي تأتي متأخرة لكنها لا تموت.

نهض الرجلان. لم يمحُ اللقاء سنواتٍ من الجراح، لكن شيئًا جوهريًا انكسر: لم يعد أحدهما يرى في الآخر صورة العدو، بل وجه إنسانٍ يحمل وجعًا آخر.

تطلّع السوري نحو دمشق وسأل:

-هل تعتقد أن هذه المدينة تُنسى؟

رد اللبناني:

-المدن العظيمة لا تنسى، لكنها تتعلم كيف تحمل ماضيها من دون أن تجعله حاكمًا على مستقبلها.

في تلك اللحظة، أطلّت دمشق بصوتها العتيق، تهمس للأحياء:

-احفظوا أسماء من غابوا وابكوهم، لكن لا تورّثوا أبناءكم ما لم يختاروه. إن الحجر الذي يحمل أثر السيف يُرمَّم، أما القلب الذي يتحول إلى سيف، فيصعب شفاؤه.

عند سفح قاسيون افترق الرجلان. لم يكن أحدهما منتصرًا، ولم يكن الآخر مهزومًا؛ كان هناك فقط إنسانان حملا من الحرب ما يكفي، واكتشفا أن النجاة ليست دائمًا في هزيمة الآخر، بل في ألّا تسمح للحرب بأن تصنع منك نسخةً أخرى منها.

وبقيت دمشق؛ المدينة التي مرّت عليها الجيوش وبقيت، المدينة التي عرفت أن السيوف ترحل، وأن الرايات تتبدل، وأن ما يبقى في النهاية ليس صوت المعركة، بل أثر الإنسان.

ومنذ أن وضعت المخيلة قابيل وهابيل أمام النار الأولى، بقي السؤال نفسه ينتظر الإجابة:

هل يستطيع الإنسان أن يتذكر جرحه… من دون أن يورّثه؟

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  «النهر الحزين» لرضا الكرعاني.. شمسُ الكتابة الجميلة