الإستشارات المُلزمة في لبنان: لا دستورية التفويض والإمتناع
سياسة من مجلس النواب ( عباس سلمان )

بعد نحو 45 يوماً على استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، تحدد موعد الاستشارت النيابية الملزمة لتسمية رئيس مكلف بتشكيل الحكومة، وذلك سنداً للمادة 53 من الدستور التي تنصّ على أن يسمي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استناداً إلى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسمياً على نتائجها.

مع تحديد موعد الإستشارات النيابية الملزمة دستورياً، يوم الخميس المقبل، يمكن إستخلاص مجموعة من الإستنتاجات المتعلقة بدور النواب في هذه الإستشارات إستناداً إلى المادة 53 من الدستور:

أولاً، إن النواب يؤدون صلاحية دستورية، وقد تكون الصلاحية الوحيدة التي يمارسونها خارج مبنى البرلمان، حيث يتوجب عليهم الانتقال إلى القصر الجمهوري لتسمية من يرونه أهلاً لتشكيل الحكومة. ولا يمكنهم التسمية بواسطة الهاتف أو الفاكس أو غيره من وسائل الإتصال. فالتسمية يقتضي أن تتمّ مباشرة أمام رئيس الجمهورية. ونستدل على واجب الحضور من سابقة ممارسة صلاحية الادعاء على وزير لإخلاله بواجباته الوزارية. فقد وقع بعض النواب على عريضة الإدعاء بواسطة الفاكس، فرفض المجلس توقيعهم معللاً بأن الصلاحية الدستورية لا تُمارَس عن بعد.

ثانياً، إن هذه الصلاحية (التسمية)، كأي صلاحية دستورية لا تفوّض بحيث على النائب تسمية مرشحه بالإسم لا بالأوصاف أو المواصفات، او بترك الخيار لرئيس الجمهورية بتسمية من يريد. فالدستور لم يمنح النائب حق تفويض أي شخصٍ آخر بالتسمية حتى لو كان رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس النواب، فالنائب إما يسمي أو يمتنع عن التسمية، وفي حال لم يسمِّ وفوّض رئيس الجمهورية صلاحية التسمية، فإن هذا التفويض لا قيمة قانونية له ويحتسب ضمن مجموع النواب الممتنعين عن التسمية.

ثالثاً، إن صلاحية التسمية هي صلاحية شخصية وليست صلاحية كتلة نيابية، بحيث لا يمكن لنائب أن يفوّض رئيس الكتلة بالتسمية نيابةً عنه، فإذا كانت كتلة مؤلفة من 14 نائباً وحضر عشرة نواب منهم أمام رئيس الجمهورية وسموّا مرشحاً معيناً، فتحتسب 10 أصوات فقط ولا يدخل في الاحتساب باقي النواب المتغيبين (4 نواب).

عادة الإمتناع هي عادة غير دستورية، إذ لا يجوز أن يصبح الاعتكاف والغياب أداة في ممارسة السلطة

رابعاً، لا يحق للنائب أن يسمي أكثر من مرشح واحد، والسبب أنه يوجد مركز وحيد يجري اختيار من يشغله، ولو كنا أمام مركزين لرئاسة الحكومة، لكان بإمكان النائب أن يختار أكثر من مرشح.

خامساً، على النواب المشاركة في الاستشارات النيابية الملزمة، والإدلاء بموقف أمام رئيس الجمهورية بالامتناع عن التسمية لعلة عدم صحة الاجراءات أو أي سببٍ آخر، او التسمية الصريحة الواضحة لاسم المرشح التي لا تحتمل الالتباس. وأما الامتناع عن المشاركة وإن كانت أصبحت عادة مألوفة في مجلس النواب لناحية اعتماد الغياب كوسيلة لممارسة الصلاحيات النيابية، إلا أن عادة الإمتناع هي عادة غير دستورية، إذ لا يجوز أن يصبح الاعتكاف والغياب أداة في ممارسة السلطة. وتزداد أهمية الحضور، كون الداعي هو رئيس الجمهورية رمز وحدة البلاد، فلا يأتلف مع التقاليد أن يمتنع نائب عن تلبية دعوة فخامة رئيس البلاد، وفي حال كان الممتنعون عن الحضور كثر، ففي ذلك إساءة لموقع رئاسة الجمهورية.

سادساً، بعد انتهاء الاستشارات، يجتمع رئيس الجمهورية مع رئيس مجلس النواب، ويتشاورا في ما خلصت إليه الاستشارات الملزمة، وهذا التشاور له مدلول دستوري وقانوني، إذ تترتب عليه مفاعيل قانونية، ولو اكتفى النص بالقول أن يطلع رئيس الجمهورية رئيس مجلس النواب على هذه النتائج، لكانت الاستشارات ملزمة بنتيجتها، ولكن هذا التشاور منح الرئيسين فرصة للتقرير، بحيث يمكن بناء على نتائج الاستشارات أن يقررا إعادة الاستشارات مرة جديدة، أو الأخذ بعكس ما ناله أحد المرشحين من غالبية بسيطة، فعلى فرض تم التنافس بين مرشحين نال أحدهما 60 صوتاً والآخر 50 صوتاً يمكن لرئيس الجمهورية تكليف من نال الخمسين صوتاً إذا وجد في تكليفه مصلحة وطنية، ويحاول لاحقاً مع رئيس مجلس النواب إقناع الغالبية النيابية بالتصويت له. وما ذلك إلا لكون الاستشارة ملزمة بطلبها وليست ملزمة بنتيجتها إلا إذا كان هناك إجماع نيابي على مرشح ما فلا يكون من الحكمة معاندة الإرادة النيابية.

مع إنتهاء مشاورات التكليف، مساء يوم الخميس المقبل، تبدأ رحلة ثانية، قد تكون هي الأصعب سياسياً، وهي رحلة التأليف، ومن ثم نكون أمام التشكيل وصياغة البيان الوزاري ونيل الثقة في مجلس النواب.

(*) أستاذ مادة القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية

عصام نعمة إسماعيل

أستاذ مادة القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course