الدبلوماسية والمقاومة في فكر الإمام الصدر

جديرٌ بالاهتمام تعبير الإمام السيد موسى الصدر بـ"الأوهام"، و"الحجج الواهية"، في وصفه مرتكز الفعل الدبلوماسي للسلطة اللبنانية، والذي ذكره في سياق موقف احتجاجي-نقدي لنهج تلك السلطة، وذلك على خلفية تعامل تلك السلطة مع العدوان الإسرائيلي على بلدة كفرشوبا، سنة 1975.

وقتذاك؛ قال الإمام الصدر مخاطباً أبناء القرى الجنوبية الأمامية:

“سنة ثمانية وأربعين [1948]، كان يجب أن نشعر أننا أمام دولة عدوانية، طامعة في أرضنا، وفي مياهنا، وفي تراثنا، وفي تاريخنا، فسكتنا وسكتنا، وتركنا الأمر يتدبر في الأوساط الدولية، واعتمدنا على الأوهام، وعلى الحجج الواهية”.

وما يهمنا في هذا النص هو عبارته الأخيرة، التي تفيد بترك الأمر يتدبر في الأوساط الدولية، اعتماداً عليها، وثقة بها، أي كنّا نعوّل فقط على الخيار الدبلوماسي في مواجهة الأخطار والتهديدات الإسرائيلية، لتكون النتيجة أن ما كان يُعوَّل عليه، لم يكن إلا وهماً بوهم، وحججاً واهية، لا تصمد أمام العقلانية، والرشد السياسي، وحقائق التاريخ والواقع.

وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على أن هذا الجدل القائم في التعامل مع التهديد الإسرائيلي ومخاطره ليس جديداً، بل هو يمتد إلى بداية نشوء الكيان، بين من يرى أن النهج الذي يجب أن يعتمد هو الدبلوماسية مجردةً من أية أوراق قوة عسكرية أو غيرها، وبين من يرى أن النهج الذي يجب اعتماده هو الدبلوماسية التي تعبّر عن مجمل عوامل القوة -بما فيها العسكرية والأمنية-، وتستند إليها، وتستثمر فيها.

هذا، ولكون الإمام الصدر مرجعية وطنية، متّفق على مرجعيتها، وللتسالم على المبادئ التي تستند إليها رؤاه الوطنية، ولأهمية العودة إليه، والالتفات إلى آرائه ومواقفه، في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها الوطن، عسى أن تفيد البعض، وتذكّر آخر؛ كان من الأهمية بمكان أن نعرض لرؤيته في هذا الموضوع.

إن من يعود إلى مجمل الوثائق ذات الصلة يلاحظ أمرين:

الأول: وضوح رؤية الإمام في جدلية المقاومة والدبلوماسية.

الثاني: مستوى التأكيد على موقفه في الكثير من المناسبات والحوارات.

وهنا أعرض لبعض مما جاء في تلك الوثائق وأولها حديثه عن تجربة الفلسطينيين فيقول:

-“انتقلوا إلى المناشدة؛ مناشدة العرب والعالم، كي ينتصر لهم في مأساتهم، وكما نعرف جميعاً، فلا التحليل نفع، ولا المناشدة”.

-“لقد تصوّر الكثيرون أن الحرص على لبنان، كحملٍ ضعيف، سوف يثير روح الإشفاق لدى الذئب، وأنه يكفي دفاعاً عن لبنان أن يبقى في الضمير، وها هي الاعتداءات الإسرائيلية تتكرر يوماً وراء يوم؛ لم يشفق الذئب على الحمل، ولم يوقف الضميرُ العدوانَ شبه اليومي على مناطق الجنوب”.

-“علّمتمونا أن المناشدات لا تنفع، وأن الأحاديث لا تحفظ أرضنا، ولا تحفظ كرامتنا، ولا تصون بلادنا؛ شيء واحد يجب أن يضاف إلى التفكير والمناشدة.. إنه السلاح، والرصاص، والبندقية والشهادة، والفداء”.

-“السلوك التقليدي [مناشدات، دبلوماسية الاستجداء..] باتجاه التحرير، لا يدعو إلى التفاؤل، وقد كنا منذ عام 1948م -بل قبله-، نسلك ذلك الطريق، وقد فشل. مع ظهور المقاومة برزت عناصر جديدة، تجعل المعادلة لمصلحة للعرب”.

وعن التجربة الفلسطينية يقول الإمام الصدر:

-“ناشدوا كثيراً.. ومَرّت سنوات وسنوات، حتى تأكدوا أن العالم قد نسيهم، فالعالم عالم السباع، عالم الذئاب، وليس عالم النبلاء الذي يساعد الحق، ويقف إلى جانب الحق”، محذراً من انتقال التجربة إلينا، بحيث:”… ننزح من قرية إلى قرية، مستسلمين لعدوّنا، وننتظر سنوات وسنوات، نناشد وننتظر، ونسأل ونطلب”.

-“إن الطريق يجب أن يبدأ بحمل السلاح، بالتصدي للعدو، بالدفاع، بالموت في سبيل الأرض والوطن، لا بالشعارات، والمناشدات، والأحاديث..”.

ويُجري الإمام الصدر مطابقة بين التجربة الفلسطينية ونظيرتها اللبنانية:

-“بدأت المناشدات، والاتصالات، والدعوات لمؤتمر القمة وغير القمة، ولا أعتقد أن النتيجة ستكون أفضل من النتيجة التي حصل عليها الفلسطينيون، قبل أن يحملوا السلاح”، ثم ليختم بالنتيجة الواضحة والحاسمة لديه: “إن الحلّ الوحيد هو في حمل السلاح”.

 لكن هل يعني ما تقدم أن الإمام الصدر لا يؤمن بخيار الدبلوماسية مطلقاً؟ الجواب هو بالنفي، إذ يوجد نهجان في الدبلوماسية:

الأول: دبلوماسية الاستجداء والضعفاء، التي تفتقد إلى أيّ من عوامل القوة الذاتية، ولا تعمل على بناء عناصر قوة تكفي لردع العدوان، وهي المقصودة بكلام الإمام الصدر ومواقفه.

الثانية: تلك الدبلوماسية التي لا تفرّط بأي من عوامل القوة التي يملكها الوطن، بل تعمل على استثمارها، وتوظيفها، للوصول إلى أهدافها، في تحقيق المصالح الوطنية كافة.

وهذا النهج في الدبلوماسية هو الذي يراه الإمام الصدر الأجدى، أي الدبلوماسية التي تتكامل مع فعل المقاومة، وتبني عليها، وليست تلك التي تتآمر على المقاومة، وتعمل على تقديم التنازل تلو الآخر، استجابة لعدو، أو فعل وصاية؛ يقول الإمام الصدر:

-“إن قضية الدفاع عن النفس وعن الكرامة هي قضية وجود الإنسان. لا يمكن لأحد أن يلوم لبنان حكومة أو شعباً، إذا دافع عن نفسه، وفي أرضه.. وبعد ذلك، فإن التدابير السياسية، والدبلوماسية، والإعلامية، وتجنيد الطاقات اللبنانية الكبيرة؛ كفيلة بالتخفيف من سلبيات هذا الدفاع، الذي لا بدّ منه”.

أما رؤية الإمام في المقاومة، وأهميتها، وضرورتها، وجدوائيتها؛ فهو ما لا يقبل التشكيك، أو التأويل، وسيكون لنا بحث فيها، إن شاء الله تعالى.

إقرأ على موقع 180  قمة البحرين.. بلورة استراتيجية عربية ومؤتمر دولي للسلام

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

أستاذ مادة الفلسفة في الجامعة اللبنانية، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  إقتصاد لبنان يستفيد من الأزمة النفطية.. ماذا عن الناس؟