لبنان يفاوض إسرائيل في روما وواشنطن.. من يُقرّر في بيروت؟

أخطر ما كشفه نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني طارق متري في الحوار الذي دعا إليه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (الخميس 27 آب/أغسطس 2027) تحت عنوان: "الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني"، ليس حجم الانتهاكات الإسرائيلية التي تحدث عنها، ولا المسارات القانونية التي عرضها، بل صورة لبنان الذي يتفاوض فيما يبدو أن قراره السياسي لم يكتمل بعد.

ففي لحظة إقليمية تؤسس لنظام إقليمي جديد، يصبح السؤال بالنسبة إلى دولة صغيرة مثل لبنان أقل ارتباطاً بما إذا كانت تملك أوراقاً كثيرة، وأكثر ارتباطاً بما إذا كانت تعرف كيف تستخدم الأوراق القليلة التي تملكها، حتى تحجز لنفسها مقعداً على طاولة هذا النظام بدلاً من أن تكون ملفاً على الطاولة الكبرى. من هذه الزاوية، يكتسب كلام متري أهمية تتجاوز موقعه في جلسة حوارية. فهو يتحدث من داخل الحكومة، وفي الوقت نفسه يكشف عن تباينات في داخلها، وعن صراع صامت على الصلاحيات، وعن مفاوضات يقول إنها وصلت إلى طريق مسدود، وعن إطار تفاوضي لم يُعرض، بحسب قوله، على مجلس الوزراء. وبين هذه العناصر جميعاً تظهر مشكلة أعمق: لبنان يحاول التفاوض في الخارج قبل أن يحسم تماماً آلية اتخاذ القرار في الداخل.

قرار غائب

كان أكثر ما يستوقف في كلام متري قوله إن «الحكومة مجتمعة مش معنا»، وإن جهات سياسية متعددة داخلها تتعامل مع الملف من زوايا مختلفة. ووصف الوضع بأنه يتضمن «عدم انسجام داخل الحكومة» و«انكشافاً سياسياً». وهذه ليست ملاحظة إدارية عابرة، لأن الانقسام داخل السلطة التنفيذية، في الملفات التي تتصل بالحرب والحدود والتفاوض، يتحول إلى عنصر من عناصر ميزان القوى مع الطرف الآخر. فالمفاوض لا يحتاج فقط إلى تفويض دستوري، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة أن وراءه قراراً سياسياً قادراً على حماية ما يتوصل إليه أو رفض ما يتجاوز الخطوط المرسومة.

وإذا كان متري، وهو نائب رئيس الحكومة، يقول إن المفاوضات لم تناقش في مجلس الوزراء، فإن السؤال ينتقل حكماً من مضمون التفاوض إلى الجهة التي تديره والسقف السياسي الذي تتحرك ضمنه. وقد زاد متري هذا الالتباس حين قال إنه لا يعتبر نفسه ملزماً بالإطار الثلاثي لأنه لم يُعرض على الحكومة، فيما وصف رئيس الحكومة الوثيقة بأنها «إطار» وليست «اتفاقاً». لذلك لا تكمن المشكلة فقط في ما إذا كان لبنان يفاوض إسرائيل، بل في ما إذا كان يتفاوض كدولة ذات قرار واحد؛ إذ إن غياب هذا القرار لا يضعف الموقف اللبناني في الداخل فحسب، بل يمنح الطرف المقابل مساحة أوسع لاختبار التناقضات والضغط عبرها.

أوراق محدودة

في المقابل، لا يبدو لبنان بلا أوراق. لكن معظم الأوراق التي تحدث عنها متري تقع خارج المجال العسكري المباشر: التوثيق، والدبلوماسية، والمؤسسات الدولية، والعلاقات مع المنظمات الأممية، وإمكانية بناء ملفات قضائية يمكن استخدامها مستقبلاً. وهذه ليست أوراقاً هامشية، غير أن قيمتها لا تتحدد بوجودها وحده، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى استراتيجية متماسكة.

تحدث متري عن تحرك لبناني في مجلس حقوق الإنسان، وعن لقاءات مع عشرات المندوبين، وعن انطباعه بأن صورة إسرائيل في أوساط دبلوماسية واسعة أصبحت أكثر سلبية. كما أشار إلى استمرار العمل مع المؤسسات الدولية وإلى بعثة خبراء أممية تعمل على توثيق الانتهاكات الإسرائيلية. لكن القوة الدبلوماسية لا تنتج تلقائياً من كثرة الملفات؛ فهي تحتاج إلى مسار سياسي يحوّل التوثيق إلى ضغط، والضغط إلى تفاوض، والتفاوض إلى نتائج. ومن هنا يمكن أن يكون إنشاء مركز دائم للتوثيق، الذي تحدث عنه متري، أكثر من مجرد أرشيف، إذ قد يتحول إلى إحدى أدوات الدولة في معركة طويلة على الرواية والشرعية والمساءلة، شرط أن يكون جزءاً من سياسة رسمية لا مبادرة منفصلة عن القرار السياسي.

الإبادة الحضرية

وتوقف متري عند ظاهرة لا تفسير لها سياسياً وتتمثل في عدم انضمام لبنان إلى معاهدة روما التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يحول دون لجوء الدولة اللبنانية إليها لمقاضاة إسرائيل في الظروف الحالية، لافتاً الانتباه إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تستطيع ضمن ظروف محددة قبول اختصاصها بالنظر في جرائم ارتكبت خلال فترة زمنية معينة حتى في حالة لبنان، أي عدم الانضمام إلى نظام روما أو معاهدة روما، مشيراً إلى أن الحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي كانت أقرت الإنضمام إلى نظام روما قبل أن تتراجع عن قرارها لاحقاً لأسباب غير معروفة. وقال متري إن الحكومة الحالية حاولت فتح هذا المسار لكن لم تفلح حتى الآن، إلا أنه أشار إلى أن ذلك لا يحجب حق الأفراد اللبنانيين في ملاحقة إسرائيل ومقاضاتها أمام المحاكم الأوروبية والأميركية بشروط محدّة.

وأكد أن فريق التوثيق الرسمي يركز على نموذج تدمير مدينة بنت جبيل ومن خلالها على مفهوم «الإبادة الحضرية» (Urbicide)، وعلى الأضرار البيئية ومفهوم «الإبادة البيئية». فالمعركة التي يصفها متري لا تجري على الأرض فقط، بل تتصل أيضاً بتحديد كيف سيُكتب ما جرى في الذاكرة والقانون والسياسة الدولية. غير أن هذه المعركة على الرواية لا يمكن أن تعوض غياب القرار، بل تحتاج إليه كي تنتقل من توصيف أخلاقي وقانوني للانتهاكات إلى أداة ضغط تفاوضية قابلة للاستخدام.

إقرأ على موقع 180  "الترامبية".. باقية وتتمدد!

إسرائيل والضغط

أما إسرائيل، فتظهر في حديث متري كطرف يمتلك قدرة على الجمع بين الضغط العسكري والتفاوضي والقانوني. فقد أشار إلى تهديدات إسرائيلية بتحويل الجنوب إلى نموذج شبيه بغزة، كما نقل رواية عن رئيس الوفد اللبناني المفاوض (سيمون كرم) تفيد بأن المادة 13 من الإطار الثلاثي ارتبطت، بحسب هذه الرواية، بتهديد إسرائيلي باللجوء إلى القضاء الأميركي ضد لبنان الرسمي بذريعة إيوائه منظمة إرهابية على أراضيه (حزب الله)!

لا يمكن التعامل مع هذه الرواية باعتبارها حقيقة موثقة خارج الحوار، لكنها تكشف، سياسياً، طبيعة البيئة التفاوضية التي يصفها متري: التفاوض لا يجري بين طرفين متساويين في أدوات الضغط. فإسرائيل تستطيع، وفق هذه الصورة، أن تزاوج بين القوة العسكرية والتهديد السياسي والمسار القانوني، بينما يحاول لبنان تعويض محدودية أدواته بالاحتفاظ بالملفات وتوسيع نطاق التحرك الدولي. لذلك تصبح كل ورقة يحتفظ بها لبنان مهمة، حتى لو لم يستطع استخدامها فوراً، لأن قيمتها قد تظهر عندما تتغير موازين القوة أو تتبدل الظروف الدولية.

ومن هنا يمكن فهم إصرار متري على أن عدم المقاضاة حالياً لا يعني التخلي عن المسار القضائي مستقبلاً. فالتوثيق بالنسبة إليه طريقة للاحتفاظ بأوراق يمكن تفعيلها عندما تصبح الظروف أكثر ملاءمة. وهو قال بوضوح إن لبنان، طالما لا يستطيع المقاضاة الآن، يجب أن يبقي القضية حية في المحافل الدولية إلى أن يأتي وقت يصبح فيه ذلك ممكناً. لكن هذا الخيار يظل رهناً بقدرة الدولة على حماية استمرارية الملف، لا بجهد ظرفي مرتبط بشخص أو وزارة.

مأزق التفاوض

أكثر ما يثير الدلالة في الحوار هو وصف متري للمفاوضات بأنها «وصلت إلى طريق مسدود» في الوقت الحاضر. وإذا صح هذا التوصيف، فإن لبنان يقف أمام معادلة صعبة: استمرار التفاوض ضروري لتجنب ترك الساحة مفتوحة أمام فرض وقائع جديدة، لكن التفاوض من دون توافق داخلي قد يحوّل أي نتيجة إلى أزمة سياسية داخلية. وفي المقابل، فإن تعطيل التفاوض لا يمنح لبنان بالضرورة قوة إضافية، خصوصاً إذا كان الطرف الآخر يمتلك تفوقاً عسكرياً وقدرة أكبر على فرض الوقائع.

لهذا اختار متري، ليس “أن أخبط الباب وإمشي”(الإستقالة) حسب حديثه، بل البقاء داخل الحكومة، ومواصلة العمل من الداخل، وتوسيع شبكة التحرك الدولي، والاحتفاظ بالملفات القانونية والسياسية، بدلاً من الانسحاب من المعركة بسبب الخلافات الحكومية. غير أن هذه الاستراتيجية لا تستطيع أن تتحول إلى سياسة دولة ما لم تستند إلى حد أدنى من التوافق السياسي. فالبقاء داخل المؤسسات يمنح لبنان فرصة للتأثير، لكنه لا ينتج وحده قراراً موحداً، كما أن التحرك الدبلوماسي لا يعوض غياب المرجعية التي تحدد ما يقبله لبنان وما يرفضه وما يستطيع الالتزام به.

وهنا تكمن الرسالة الأوسع للحوار. فلبنان لا يواجه فقط إسرائيل، ولا يواجه فقط تداعيات الحرب، بل يواجه أيضاً امتحان قدرته على إنتاج قرار موحد في لحظة إقليمية شديدة السيولة. ومهما كانت قيمة التوثيق والتحرك الدبلوماسي، فإنها تظل أوراقاً دفاعية إذا لم تستند إلى قرار سياسي واضح يربط بينها وبين هدف تفاوضي محدد.

إلى أين؟

ما يقوله متري، في جوهره، ليس إن لبنان بلا خيارات، بل إن خياراته تصبح أضعف عندما لا تجتمع السلطة حول تعريف واحد للمصلحة الوطنية. وفي لعبة جيوسياسية لا تُقاس فيها القوة بالسلاح وحده، قد يكون تماسك القرار نفسه أحد أهم أوراق القوة التي يملكها لبنان. فالدولة التي تتحدث بأصوات متعددة لا تخسر فقط قدرتها على الإقناع، بل تجعل كل تنازل أو التزام قابلاً لإعادة التفسير في الداخل، وتمنح خصمها فرصة للتفاوض مع الانقسام بدلاً من التفاوض مع الدولة.

والسؤال الذي تركه الحوار مفتوحاً ليس فقط ماذا ستفعل إسرائيل، ولا إلى أين ستذهب المفاوضات، بل ما إذا كان لبنان قادراً على الانتقال من تعدد المواقف داخل السلطة إلى سياسة واحدة قابلة للتفاوض والدفاع عنها. ففي اللحظات التي تتغير فيها موازين المنطقة، الدولة التي لا تحسم قرارها في الداخل تجد أن الآخرين يحسمون لها جزءاً من خياراتها في الخارج.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "الترامبية".. باقية وتتمدد!