غابة من التطرف تنمو في حديقة الإتحاد الأوروبي!

حقوق الإنسان، الإتحاد الأوروبي القوي، استقلالية وسائل الإعلام، دور المعارضة؛ أسس أربعة للأنظمة الديموقراطية، حدّدها رؤساء كل من ألمانيا والنمسا وإيطاليا في مقالة مشتركة لهم في صحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية، في شهر أيار/مايو المنصرم.

هذه الأسس الأربعة يتم إبرازها وكان هناك من يريد الإيحاء بأنها عرضة للتهديد من وجهة نظر هؤلاء الرؤساء الثلاثة، الأمر الذي يؤثر على القيم الديموقراطية في تلك الدول، كما في غيرها من دول القارة الأوروبية التي تجنح نحو اليمين المتطرف بدليل نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي التي استحوذ عليها المتطرفون ولا سيما في فرنسا وايطاليا والمانيا وهولندا.

من يُهدّد الديموقراطية؟

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، قبل ثلاثة عقود ونيف من الزمن، وحتى الأمس القريب، لم تجد منظومة الدول الرأسمالية من يُنافسها في العالم الأحادي القطبية، الأمر الذي جعل مفكراً أميركياً من أصل ياباني هو فرانسيس فوكوياما يطرح نظرية “نهاية التاريخ”، أي اعلان نهاية عصر الايديولوجيات وأن الإنسان سيعيش إلى الأبد في كنف الديموقراطية الليبرالية، أي أن الرأسمالية هي التعبير النهائي عن تراكم الفكر الإنساني.

وبغض النظر عن الصورة الوردية التي تتبادر إلى أذهان الشعوب -المتأرجحة بين قبول الليبيرالية ورفضها – عند تقديم القيم الإنسانية لهم، فإن شعوب العالم الثالث لم تنسَ كلفة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، الحدث الأبوكالبسي الذي أسّس لغزو أميركا لكل من أفغانستان والعراق، وبالتالي لمحاولة إدخال النموذج الديموقراطي عنوة إليهما!

إذاً، يقف إلى جانب الديموقراطية منظومة حُكّام وأنظمة ودول تملك وكالات حصرية بالـ”دفاع” عنها ونشرها في شتى أنحاء العالم، وهي ليست منظومة ورقية يسهل التعرض لها من قبل أنظمة تعتبر ضعيفة مقارنة بقدرات الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية. لذلك لا بد من تحليل بعض القواعد أو الأسس الديموقراطية المُهدّدة في أوروبا والتي ذُكرت في المقالة المشار إليها أعلاه.

حقوق الإنسان

لعل مسألة حقوق الإنسان هي أكثر المسائل جدلاً وتداولاً في وقتنا الحالي، إذ عادت إلى الواجهة ليس بسبب المجازر نفسها التي تحدث في قطاع غزة، بل بسبب تبعات تلك المجازر على شعوب العالم كله والتي ظهرت من خلال المظاهرات الواسعة التي شاركت فيها أطياف أوروبية دعماً لغزة. والحديث هنا لا يقتصر فقط على القمع ومحاولات إسكات تلك الأصوات التي تدين الدعم الأوروبي للمجازر في القطاع، بل تتعدى ذلك إلى حدود محاولة فصل العالمين الشرقي والعربي بعضهما عن بعض حتى في مسألة الإنسانية التي زرعت في نفوس البشر، وهي اللغة التي يمكن لأي إنسان التحدث بها والتواصل من خلالها مع الشعوب في كل دول العالم.

ما سبق هو نتيجة لسياسة يراد منها نزع صفة الإنسان عن شعوب العالم الثالث. وهنا لا بد من الحديث عن احتكار حقوق الإنسان وحصرها بفئات محددة من البشر وهذا ما يضرب مقومات تلك الحقوق التي لا تنظر إلى هوية الانسان ولا إلى وجوده في بقعة جغرافية محددة لمنحه حقوقه. وقد تخطت الدول الأوروبية أيضاً مسألة الفصل بين الشعوب، في موضوع غزة على وجه التحديد، حيث أطلقت آلة القمع الخاصة بها لتنال من مواطنيها الأوروبيين بسبب اتخاذهم مواقف بعيدة عن توجه الدول الأوروبية. إذاً من يُهدّد حقوق الإنسان؟

يمكن النظر في سلوك أميركا كأحد أكثر العوامل تأثيرا على الديموقراطية في العالم، ذلك أن واشنطن لطالما أظهرت نفسها داعمة للقيم غير الأخلاقية من فيتنام إلى غزة مروراً بأفغانستان والعراق وكوبا.. واللائحة تطول

اتحاد أوروبي قوي

طالب الرؤساء الأوروبيون الثلاثة باتحاد أوروبي قوي قادر على المحافظة على الديموقراطية في هذه الدول. لكن هذا المطلب يُعيدنا إلى أول مراحل الأزمة الروسية الأوكرانية في العام 2014، والتي كرّست اعتماد أوروبا على الدعم الأميركي في مجالات عدة. ولما تلمس القادة الأوروبيون وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خطورة ذلك بدأ بعضهم بالمطالبة بنشوء جيش أوروبي قوي (مستقل)، وقد أعلن ماكرون عن تلك الرغبة في العام 2018، وقد أعاد تلك الدعوة إلى الواجهة منذ أسابيع في خطاب له في جامعة السوربون، وبدا كمن يُطلق صرخة في الفراغ بفعل الانسياق الأوروبي للإملاءات الأميركية حتى اشعار آخر.

واذا رصدنا نتائج الانتخابات الأوروبية الأخيرة واحتمال وصول دونالد ترامب مجدداً إلى البيت الأبيض في انتخابات نهاية هذه السنة، هل سيكون الأوروبيون أكثر حاجة إلى فك الاعتماد ولو جزئياً على واشنطن خصوصاً أن ترامب لطالما استهزأ بالاتحاد الأوروبي الذي يمتنع أعضاؤه عن الإيفاء بالتزاماتهم المالية إزاء حلف شمال الأطلسي. إضافة إلى ذلك، يُهدّد وصول ترامب العلاقات الأوروبية الصينية، ويعد ذلك الأمر أسوأ ما قد يحصل للشركات الأوروبية التي تُشجعها الحكومات الأوروبية على بناء علاقات تجارية في الصين.

أسباب داخلية أم خارجية؟

لا يمكن حصر “تهديد” الديموقراطية بعوامل داخلية أو خارجية، فالأمر متداخل بعض الشيء. أما عن الأسباب الداخلية، فقد يُعدّ نمو اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية أمراً له تأثيره على الديموقراطية في القارة، وقد يظهر هذا العامل كأحد الأسباب الرئيسية التي دفعت هؤلاء الرؤساء لكتابة تلك المقالة عشية الانتخابات الأوروبية التي كرّست فوز اليمين المتطرف. وعن العوامل الخارجية يمكن النظر في سلوك أميركا كأحد أكثر العوامل تأثيرا على الديموقراطية في العالم، ذلك أن واشنطن لطالما أظهرت نفسها داعمة للقيم غير الأخلاقية من فيتنام إلى غزة مروراً بأفغانستان والعراق وكوبا.. واللائحة تطول.

إقرأ على موقع 180   إنفجرت بين السعودية والامارات.. تنابذ نفوذ هنا وهناك

صرح مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في العام 2022، أن أوروبا حديقة ووصف العالم بأنه “غابة”. ما دفع بوريل لإطلاق تلك التوصيفات هو اقتناع الغرب منذ زمن بتوصيف ثابت للعالم حيث يُصنّف كل ما هو ليس غربياً بأنه بيئة بعيدة عن الديموقراطية ومصدر تهديد لها وأن أوروبا هي حاضنة للديموقراطية. لكن بعد سنتين جاء الرؤساء الثلاثة ليظهروا عكس ذلك بعد أن شغلت الأزمات في القارة والعالم الأوروبيين عن الاهتمام بحديقتهم التي باتت تنمو فيها أعشاب عشوائية قد تحولها إلى غابة من التطرف.

Print Friendly, PDF & Email
عباس طالب عثمان

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  معادلة "ف ـ ا ـ س" بديلاً للسين سين