الأخلاقيات الطبية.. وتحدي كورونا

أطلق تفشي وباء كوفيد 19 ورشة علمية وطبية عالمية للمواجهة شملت أبحاثاً وتجارب ونقاشات حول السبل الأنجع لمحاصرته والقضاء عليه، مثلما طرح أسئلة تتصل بأخلاقيات مهنة الطب، وأولويات العلاج. هذه الأخلاقيات كيف نشأت عبر العصور وكيف تطورت وماذا بقي منها؟ 

تنطلق الإجابة بعد تحديد نشوء الطبّ الذي يعتبر فنّاً قديماً جدّاً في منطقتنا لا سيما في بلاد الرافدين. هناك دلائل على أنّ إنسان النياندارتال الّذي وُجدت أثاره في كهف شاندر بكردستان العراق قد مارس جبرَ الأعضاء المنكسرة وقطْعَ المُصابة منها بالغرغرينا.

تطوّرت الممارسةُ الطبيّة والقوانينُ الّتي تنظّمُها خلال الحِقبِ الحضاريّة الّتي تعاقبت على بلادنا: السّومريّة، البابليّة، الأشوريّة الفرعونية وطبعا العربيّة الإسلاميّة.

وكان التّطبيب في تلك الأزمنة البعيدة يمتزج بالسّحر والتّنجيم كما هو الشّأن بالنّسبة للحضارات والأمم الأخرى. وقد تم العثور على ألواح صلصاليّة كتبت قبل 2700 سنة في منطقة أشور (لوحة نينيف مثلاً)، وفُكّتْ شفرةُ محتواها في السّنوات الأخيرة. وهي عبارة عن برنامج تدريب لطبيب شابّ يُدعى كيسير آشور.

ساهمت الحضارةُ العربيّة الإسلاميّة مساهمةً فعّالة في تطوّر الطبّ عبر التّاريخ. وهناكَ أسماءٌ لامعة في مجال الطبّ من أمثال الشّيخ الرئيس ابن سينا أوّل الباحثين في مجال الطبّ النفسي، وابن النفيس، مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وكذلك أبو بكر الرّازي الّذي كان رئيساً لمستشفى بغداد وألّف 130 كتاباً في الطبّ والكيمياء وهو القائل إنّه «اذا كان الطبيب حاذقاً والمريضُ موافقاً، والصيدليُّ صادقاً فما أقلَّ لَبْثَ العِّلَّة».

في هذا الكلمات يلخّص الرّازي العقد الأخلاقي الّذي يجمع بين أطراف الممارسة الطبيّة: الطّبيب والصّيدلي والمريض. و ما يلفت النظر في هذا القول هو حداثته. فهو يدعو أولاً الى تعدد الاختصاصات (multidisciplinarity)، ويدعو ثانياً إلى أن يكون الطبيب حاذقاً بمعنى أن يتمتع بما هو أبعد من الكفاءة (expert competent)، ثم الى موافقة المريض (consent) أي حريته وإستقلاليته، وأخيراً صِدق الصيدلي الذي يمكن أن يبتعد عن واجب المهنة ويتسيغ الربح وقد تكون إشارة الى مفهوم الـ(big pharma).

وجد العالم نفسه أمام وضع صحّي إستثنائي يتميّز بسرعة إنتشار فيروس كورونا وظهور متحوّراته من جهة، ومحدودية الطاقات الطبية من جهة أخرى. كان وضعاً إستثنائيّا، وكان الخوف الأكبر هو أن يؤدّي إلى أخلاقيّات استثنائيّة

الأخلاقيّات الطبيّة

الطبُّ مهنةٌ ولكن ليست ككلّ المهن. علاقتُها المباشرة بحياة الإنسان وحُرمتِه الجسديّة تجعلُ منها ممارسةً متفرّدةً في أهمّيتها وطقوسها. لقد إنتبهَ الأطبّاءُ لتلك الخصوصيّة منذ القدم، فطوّروا مدوّناتِ سلوكٍ خاصّةٍ بمهنتهم. خصّص حمورابي الموادّ (215-225) من تشريعاته للأطباء والجرّاحين والبيطريين.

لا يجب أن نتوقّف عند المادّة 218 من ذلك القانون الّتي تنصّ على الآتي: “إذا أجرى طبيبٌ عمليةً لمريض بسكّينِ العمليّات وتسبَّبَ بوفاته، أو فتح مِحجرَ عينِه وأتلفها، تُقطع يدُه إذا كان المريض من النبلاء ويدفع غرامةً اذا كان المريض عبداً”، بعيداً عن مبدأ العين بالعين على الأقلّ!

في هذا السّياق، وضع أبقراط، أبو الطبّ، قسمَه الشّهير في القرن الرّابع قبل الميلاد من أجل ممارسة أخلاقيّة لتلك المهنة. وما يزال الأطبّاء الشبّان في كلّ أنحاء العالم يردّدونه (نسخاً معاصرة منه إذا شئنا الدقّة) قبل بدْء مُزاولتهم عملهم. ولا يجب أن ننسى في هذا المجال أعمال الأحبار المسيحيين الّتي إستندوا فيها بالطّبع إلى تعاليم الدّين المسيحي ومنهم توما الأكويني (Thomas d’aquin).

ساهم الأطباءُ العرب والمسلمون في ذلك المجهود الإنساني من أجل وضع أخلاقيّات لمهنة الطبّ. ونذكر في هذا السّياق إسحاق بن علي الرّهاوي الذي كتب أول كتاب في الاخلاقيات الطبية هو كتاب”أدب الطَّبيب”، وكذلك رسالة أبي بكر الرّازي “أخلاق الطّبيب” الّتي أرسلها إلى أحد تلاميذه وقدّم له فيها العديدَ من الوصايا المتعلّقة بآداب ممارسة مهنة الطبّ وأخلاقياتها.

تستمدُّ الاخلاقياتُ الطبيةُ أصولَها من الفضائل السائدة في المجتمع ومكارم الاخلاق التي تعارف عليها الناس، ومن الارث الحضاري لكلّ شعب. وغنيّ عن التّذكير أنّ المدوّنة الأخلاقيّة الطبيّة الإسلاميّة ظلّت وثيقة الصّلة بالمدوّنة الأخلاقيّة المنبثقة عن الشّرع ومستندة إلى متن غنيّ بالأحاديث النبويّة والآيات القرآنيّة الّتي تمجّد الأخلاق والّتي لخّصها الحديث الشّهير “إنما بُعثت لاُتمّمَ مكارمَ الأخلاق”.

تُصدر الهيئات المهتمّة بالموضوع وصايا جامعة في شكل أدلّةٍ متضمّنةٍ للمبادئ الإنسانيّة الّتي تحكم الممارسة الطبيّة. ومن أشهرها: دليلُ الاخلاقيات الطبية لجمعية الأطباء العالمية، وإعلانُ هلسنكي الّذي يحدد الضّوابط الأخلاقية المطلوبة عند إجراء البحوث الطبية على البشر، والدستور الإسلامي للمهنة الطبية الذي يعرف أيضًا بإسم إعلان الكويت (جرى تعديلُه وتوسيعُه في العام 2004 من قبل المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية) مدونة نورمبرغ عام 1947 وهي أول وثيقة دولية أساسية تحدد القواعد الأخلاقية للتجارب الطبية على النّاس.

جاءت أحداث مفصلية تاريخية في القرن الماضي لتضع الأسس القانونية والأخلاقية للبحث العلمي وحماية الأشخاص الخاضعين للتجارب العلمية. وتطوّرت فلسفة أخلاقّيات الطبّ بسلاسة ضمن جدلّيات إجتماعيّة، وقاربت مسائل جديدة كانت بعيدة عنها: الجينات، والأجنّة وسؤال نهاية الحياة..

أخلاقيات إستثنائية؟

فجأة حلّت جائحة كوفيد ـ 19 من دون إستئذان وقلبت حياة البشرية ظهراً على عقب.

لقد خلقت الجائحة الكثير من التحديات على مختلف الأصعدة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية. وإتّضح بسرعة أنّ أجهزة الصحة أينما وجدت في العالم – وبدرجات متفاوتة طبعاً – تشكو من ضعف كبير في قدراتها لمواكبة أزمة الكوفيد. وأشّر ذلك إلى قلّة الاهتمام بالشؤون الصحية في العقود الأخيرة في إنعكاس مباشر للنيوليبيرالية.

إقرأ على موقع 180  سنة على كورونا: إنتشار مخيف وسلالات جديدة (1)  

وجد العالم نفسه أمام وضع صحّي إستثنائي يتميّز بسرعة إنتشار فيروس كورونا وظهور متحوّراته من جهة، ومحدودية الطاقات الطبية من جهة أخرى. كان وضعاً إستثنائيّا، وكان الخوف الأكبر هو أن يؤدّي إلى أخلاقيّات استثنائيّة.

مما لا شك فيه أن وباء كوفيد 19 يمثل إختباراً لقناعات عالية وراسخة أحياناً في علومنا وتقنياتنا ومناهجنا العلاجية، ولكنه في الوقت عينه يمثل أيضاً اختباراً أعمق لأخلاقياتنا ولقدراتنا على تفعيل مناخ ملائم لطرحها. ولئن تأكّد أنّ التكلفة البشرية والاقتصادية ستكون هائلة، فإنّ التكلفة الأخلاقية قد تكون أعلى وأخطر.

عبر تاريخها الطويل، أدركت الفلسفة أهمية التنظير الأخلاقي لقضايا الإنسان الملحة بما في ذلك قضايا العلم التي تمثل تحدياً قوياً في عالمنا المعاصر. لكن جائحة كورونا جعلت الهوة سحيقة بين النظريّات والواقع، وجعلت الفلاسفة في واد وصنّاع القرار في واد آخر. بل أنّ فيلسوف الأخلاق كان الغائب الأبرز عن اللّقاءات والمؤتمرات الّتي كانت تتناول الجائحة بالبحث، كما لاحظ “جوناثان تبين” في مقاله المنشور في صحيفة “ناشيونال ريفيو”، عدد آذار/ مارس 2020- تحت عنوان: “ترامب بحاجة إلى لجنة أخلاقيّات لإرشاد الأمّة حول سبل التّعامل مع أزمة كورونا”.

أوصت لجنة اليونسكو الدولية لأخلاقيات البيولوجيا (IBC) ولجنة اليونسكو العالمية لأخلاقيات المعارف العلمية والتكنولوجية (COMEST) مبكّراً بضرورة “وضع إعتبارات أخلاقيات البيولوجيا وأخلاقيات العلوم والتكنولوجيا المستندة إلى حقوق الإنسان في صميم الإجراءات الرامية لمكافحة هذه الجائحة المستعصية”.

ترى الكانطية أنّ الدّافع وراء العمل يجب أن يكون النيّة الحسنة والواجب، وأنّ القيمة الأخلاقيّة لأيّ فعل لا يجب أن تُقاس بعواقبه. على عكس الفلسفة النّفعية الّتي تعتبرُ الفعل أخلاقيّا إذا ما منحَ سعادةً أكبرَ للآخرين، بغض النظر عن نيّته. وبالتّالي لا يقاس العمل إلّا حسب عواقبه

بين الكانطيّة والفلسفة النّفعيّة

في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، ساد خلاف بين الفلسفة الكانطيّة لـ”إيمانويل كانط” والفلسفة النفعيّة (Utilitarisme) على رأسها “جيرمي بنتام”. وفي إعتقادي أنّ الجدل الّذي أثارته جائحة كوفيد 19 هو إمتداد بشكل من الأشكال للخلاف بين هاتين الفلسفتين الأخلاقيّتين العريقتين. وقد أخذت فلسفة الأخلاقيّات منحى خاصاً ومكانة هامة في هذين القرنين. وعدا عن ميراث الاغريق الفلسفي وما نقلته عنهم العرب وعلقت عليه، فقد قدمت هذه الحقبة نواة لفكر يمتد بتأثيراته حتى يومنا هذا من حيث وقعها على النظم الاقتصادية والسياسية.

لا شكّ أن أبرز من تحدث عن فلسفة الأخلاق في العصور الحديثة هو الفيلسوف الألماني “إيمانويل كانط” الّذي أصّل وعمّق العقلانيّة المثاليّة لفلاسفة اليونان الكلاسيكيين من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو. تجعل تلك الفلسفة الأخلاق هدفاً في ذاتها على إعتبار أنها تمثل فلسفة الواجب دون إنتظار لأي جزاء دنيوي أو آخروي برغم إيمان الفيلسوف الألماني الشّهير بالميعاد. وعلى خلاف نظريّة أرسطو في أنّ غاية الأخلاق هي الخير والكمال الإنساني والسعادة، يرى “كانط” أنّ الأخلاق لا يمكن لها أن ترتبط بميول ونوازِع إنسانية، وأنّ الإنسان الذي يطلب الدَّعَة والسعادة قد يجدها بطُرُقٍ عدَّة وهذه الطُرق قد لا تمثّل مبادئ أخلاقية. فالخير الأسمى بنظر “كانط” هو الخير الذي لا يرتبط بأية منافِع ومصالح ورغبات شخصيّة، وأنّ الواجبات والضوابِط والنُظُم الأخلاقية هي المعايير الحقيقية والتي يجب مُراعاتها من أجل بلوغ أعلى مقامات السلوك الأخلاقي.

يصوغ “كانط” هذه القاعدة على شاكلة أمر أخلاقي كالآتي: “إفعل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل إنسان سواك، بوصفها، دائماً وفي الوقت نفسه، غاية في ذاتها، ولا تعاملها أبداً كما لو كانت مجرد وسيلة”.

أمّا مبدأ النفعية فهو يرى أنّ الأخلاق والقوانين هدفها رفع منسوب السّعادة لدى أكبر عدد من النّاس. ومن هذا المنطلق يكون العمل جيّداً إذا زاد من السّعادة وخفّف من الأحزان، والقرار السياسي يكون جيّداً إذا أكثر من البهجة وخفّف المعاناة. النّفعية بإختصار تعتمد على الحساب، بل على الحسابات الدّقيقة. أمّا المعايير التي تحدد وتوجه هذه الخيارات فهي نتائجها أوّلاً وأخيراً.

وفقاً لذلك، حتى لو كانت نية الفعل/ القرار غير أخلاقية، إذا كان هذا الإجراء المحدد يؤدي إلى توفير المزيد من السعادة للآخرين، فهو إذن أخلاقي وصحيح في ظل النفعية. وبالتالي، تم تحديد هذه النظرية على أنها تشجيع حل وسط للمصالح الفردية مع التركيز أيضًا على تعزيز شعور أكبر بالصالح العام في المجتمع.

ترى الكانطية إذاً، أنّ الدّافع وراء العمل يجب أن يكون النيّة الحسنة والواجب، وأنّ القيمة الأخلاقيّة لأيّ فعل لا يجب أن تُقاس بعواقبه. على عكس الفلسفة النّفعية الّتي تعتبرُ الفعل أخلاقيّا إذا ما منحَ سعادةً أكبرَ للآخرين، بغض النظر عن نيّته، وبالتّالي لا يقاس العمل إلّا حسب عواقبه.

(*) بعد غدٍ السبت، الجزء الثاني والأخير

Print Friendly, PDF & Email
عبير شاهين

طبيبة وكاتبة لبنانية مقيمة في فرنسا

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  لبنان إلى شبه طوارىء.. وهذه مناقشات مجلس الدفاع