التاريخ في خدمة الأيديولوجيا.. ابن عساكر الدمشقي نموذجاً

ابن عساكر هو من أهمّ المؤرّخين المسلمين الكلاسيكيّين، ويُعتبر كتابه "تاريخ دمشق" من أعظم كتب التراجم والأخبار والأحاديث. تكشف لنا دراسة "تاريخ دمشق" أجندة ابن عساكر السياسيّة والدينيّة والوطنيّة التي كانت تهدف لإحياء المذهب السنّي في دمشق وبلاد الشام.

“تاريخ دمشق” ليس فقط كتاباً يروي لنا أخباراً عن الماضي ومن الماضي. هو إعادة صياغة للذاكرة (ببُعديها التاريخي والخرافي) ووضعها في خدمة أيديولوجيّته التي مزجت بين الدين (الإسلام السنّي) واللغة (العربيّة) وحثّ الإنتماء إلى بقعة جغرافيّة مُحدّدة (بلاد الشام) من أجل تمكين أهل السنّة ليس فقط تجاه فرق الشيعة (الذين كانوا أكثريّة المسلمين في بلاد الشام حتّى أواخر القرن الحادي عشر الميلادي)، بل ليصبح لهم دوراً رياديّاً مقارنةً بالمسلمين في باقي البلاد الإسلاميّة.

في “تاريخ دمشق”، يعيدنا ابن عساكر بالذاكرة – في عدد كبير من التراجم، أي السير الشخصيّة (biographies) – إلى آدم وحوّاء وكامل الأنبياء والنبيّات من بعدهما: نوح، إبراهيم، سارة، موسى، داود، سليمان، مريم، يحيى، عيسى، محمّد، وغيرهم الكثير. الهدف هو إبراز خصوصيّة وتمايز بلاد الشام عامّةً ودمشق تحديداً عن باقي بلاد العالم في ما يتعلّق بالتاريخ الديني وعلاقة البشريّة بالله. ومن دون شكّ، يريد ابن عساكر من ذلك ربط الماضي بالحاضر والمستقبل، وكأنّه يقول لنا إنّ هذا الدور مستمرٌ وسيستمرّ إلى يوم القيامة.

في هذا الإطار، نقل ابن عساكر أخباراً كثيرة عن أحداث أرادها أن تحدث في بلاد الشام، وتحديداً في دمشق ومحيطها. معظم هذه الأخبار كانت جزءاً من الذاكرة الشعبيّة والتراث المحلّي الذي أخذه المسلمون عمن سبقهم. وخير مثال على ذلك، نجد الرواية التي تقول إنّ النبي إبراهيم عاش في بيت لهيا (وهي الآن جزء من العاصمة السوريّة) وحطّم الأصنام في معبدها (وهذه الرواية معاكسة للرواية الشهيرة التي تقول إنّ ذلك حدث في مدينة أور العراقيّة). وهناك أيضاً رواية أنّ مريم أتت بطفلها عيسى لاجئة إلى دمشق، وأنّ قابيل قتل أخيه هابيل في مغارة الدمّ في جبل قاسيون، وأنّ داود قتل جالوت خارج دمشق، وغيرها الكثير، وهي بمعظمها تندرج في خانة الأخبار الخرافيّة.

في البعد الوطني، لم تنشد وطنيّة ابن عساكر خلق كيان سياسي منفصل عن باقي العالم الإسلامي كما حدث في القرنين التاسع عشر والعشرين. في هذا البعد، نرصد تعصّب ابن عساكر لبلاد الشام كأرض الله المفضّلة، وهذا يمكن رؤيته في أخبار كثيرة نجدها في “تاريخ دمشق” كالأمثلة التالية:

-“قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الخير عشرة أعشار، تسعة بالشام وواحد في سائر البلدان. والشر عشرة أعشار، واحد بالشام وتسعة في سائر البلدان. وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم”.

-“حدّثنا ثور بن يزيد قال: قُدْس الأرض الشام، وقدس الشام فلسطين، وقدس فلسطين بيت المقدس، وقدس بيت المقدس الجبل، وقدس الجبل المسجد، وقدس المسجد القبة (أي الصخرة)”.

-“عن وهب الذمّاري أنه كان يقول: إن الله كتب للشام: إني قدستك وباركتك وجعلت فيك مقامي، وأنت صفوتي من بلادي، وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي، فاتسعي لهم برزقك ومساكنك كما يتسع الرحم أن وضع فيه اثنان وسعه، وإن ثلاثة مثل ذلك، وعيني عليك بالظل والمطر من أول السنين إلى آخر الدهر فلن أنساك حتى أنسى يميني وحتى تنسى ذات الرحم ما في رحمها”.

تُعطينا هذه النماذج صورة واضحة عمّا أراده ابن عساكر من خلال التركيز على البعد الوطنيّ لبلاد الشام، وأنّ ليس هناك من أرض أفضل أو أقدس أو أخير منها.

ويلفت إنتباهنا أيضاً في كتاب “تاريخ دمشق” أسلوب ابن عساكر في الـ”تقريب” بين المذاهب والأديان. فهو لا يقوم بذلك بمنطق القبول بالآخر، بل لمساعدة من انتقلوا أو يريدون الإنتقال إلى المذهب السنّي على ربط جزء من ماضيهم بحاضرهم.

من هنا، يستوقفنا الكثير من الأخبار الغريبة التي يرويها ابن عساكر عن فضل حواريي عيسى المسيح، أو الشخصيّات الشيعيّة الكثيرة (من سلالة علي بن أبي طالب) الذين عاشوا أو دفنوا أو كانت لهم مزارات في دمشق وجوارها. أهمّ مثل على ذلك نجده في ترجمة الحسين بن علي بن أبي طالب حيث يروي لنا ابن عساكر خبر وفود الحسين للقاء معاوية بن أبي سفيان بدمشق.

يبدأ ابن عساكر ترجمة الحسين بالملاحظة التالية:

“وفد على معاوية وتوجه غازياً إلى القسطنطينية في الجيش الذي كان أميره يزيد بن معاوية”.

مغزى هذه الملاحظة هو نسف كامل الرواية الشيعيّة حيال الصراع على السلطة بين أبناء علي وبين الأمويين، كونها تهدف إلى الإيحاء بأنّ الحسين بايع معاوية ويزيد، فلو لم يكن هذا ما حدث لما كان قدم إلى دمشق أو تطوّع تحت إمرة يزيد في الحملة على القسطنطينيّة. لكن أوّلاً، علينا أن نقرأ نصّ رواية الحسين ومعاوية، كما يرويها ابن عساكر:

“أخبرنا أبو محمد طاهر بن سهل بن بشر أنبأنا أبو الحسن علي بن الحسين بن صصرى إجازة حدّثنا أبو منصور طاهر بن العباس بن منصور المروزي العماري بمكة حدّثنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن أحمد بن جعفر السقطي بمكة حدّثنا إسحاق بن محمد بن إسحاق السوسي حدّثنا أبو عمر الزاهد حدّثنا علي بن محمد بن الصايغ حدثني أبي قال: رأيت الحسين بن علي بن أبي طالب بعيني وإلا فعميتا وسمعته بأذني وإلا فصمتا. وفد على معاوية بن أبي سفيان زائراً، فأتاه في يوم جمعة وهو قائم على المنبر خطيباً، فقال له رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، ائذن للحسين بن علي يصعد المنبر؟ فقال معاوية: ويلك، دعني أفتخر. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله، أليس أنا ابن بطحاء مكة؟ فقال الحسين: أي، والذي بعث جدّي بالحق بشيراً. ثم قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله، أليس أنا خال المؤمنين؟ فقال: أي، والذي بعث جدّي نبياً. ثم قال: سألتك بالله يا أبا عبد الله، أليس أنا كاتب الوحي؟ فقال: إي، والذي بعث جدّي نذيراً. ثم نزل معاوية وصعد الحسين بن علي فحمد الله عزّ وجلّ بمحامد لم يحمده الأولون والآخرون ثم قال: حدّثني أبي عن جدّي عن جبريل عليه السلام عن ربّه عزّ وجلّ أنّ تحت قائمة كرسي العرش في رقّة آس خضراء مكتوب عليها “لا إله إلا الله محمّد رسول الله.” يا شيعة آل محمد، لا يأتي – يعني أحد منكم – يوم القيامة يقول “لا إله إلا الله” إلا أدخله الله الجنة.

قال: فقال معاوية بن أبي سفيان: سألتك بالله يا أبا عبد الله، من شيعة آل محمد؟ فقال: الذين لا يشتمون الشيخين أبا بكر وعمر، ولا يشتمون عثمان ولا يشتمون أبي ولا يشتمونك يا معاوية.

هذا حديث مُنكر ولا أرى إسناده متصلاً إلى الحسين، والله أعلم”.

هذا الخبر، بقدر ما هو خيالي، بقدر ما هو رائع. فنحن لا نجد فقط استخدام الحسين من أجل إبراز فضائل معاوية. بل أكثر من ذلك، يريد ابن عساكر أن يخلق شرخاً بين الحسين وأتباعه التقليديّين، وهذا لا يقبله إلاّ الشيعة المنتقلين إلى المذهب السنّي، وهم كثيرون في زمن ابن عساكر، كون الخبر يبقي على خصوصيّة الحسين ومكانته عندهم.

لكن ما هو مغزى الملاحظة التي يقولها ابن عساكر في آخر الحديث؟ كمحدّث لقّبه أقرانه بالحافظ (أي لم يكن في دمشق في وقته شبيهاً له في حفظ الحديث النبوي وغير النبوي وروايته)، لم يكن بوسع ابن عساكر إلاّ أن يقول أنّ هذا الخبر منكر. لكن السؤال هو لماذا رواه ابن عساكر أصلاً إذا كان يعتقد أنّه منكر؟ وإذا صح أنّ الحديث منكر، ما هو دليل ابن عساكر أنّ الحسين وفد على معاوية كما يقول لنا في مقدّمة ترجمة الحسين، كما رأينا آنفاً؟ “المكتوب يقرأ من عنوانه”. مغزى الملاحظة هو ككثير ممّا نسمّيه في يومنا الحالي بالـ disclaimer: يستخدم ابن عساكر الخبر لبلوغ هدف معيّن والتنصّل من المسؤوليّة في الوقت ذاته.

في الخلاصة، من دون هذا النوع من الأخبار التي معظمها ضعيف أو منكر أو خرافي، لما كان بمقدور ابن عساكر أن يصل إلى أجندته والأهداف التي ابتغاها. فالتاريخ ليس فقط ميداناً لسرد الأحداث، بل هو في أكثر الحالات حلبة صراع بين أطراف كثيرة. كلّ طرف يريد أن يُبرز أخباراً وأشخاصاً وأحداثاً معيّنةً وأن يمحي أخباراً وأشخاصاً وأحداثاً أخرى، ويضع ما يختاره في أطر معيّنة بحيث يصبح من السهل على القارئ أن يستنتج ويقتنع بأيديولوجيّة ما من دون أن يعي أنّه ضحيّة لها!

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  السعودية – الإمارات: حرب صامتة... كادت تنفجر
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  في ماهيّة الإسلام: الجهاد في التراث الاسلامي (6)