“الإتفاق الإطاري” بين لبنان وإسرائيل.. أين مشروعيته الميثاقية؟

لم يكن اتفاق الطائف مجرد اتفاقٍ عابر، بل محطة تأسيسية في التاريخ السياسي اللبناني الحديث، أدّت إلى انهاء حرب أهلية امتدت من عام 1975 إلى عام 1990، وأفضت إلى إعادة صياغة النظام السياسي على قاعدة الشراكة الوطنية.

وبرغم ما يُمكن تسجيله من ثغرات بنيوية وإشكاليات تطبيقية، فقد كرّس اتفاق الطائف مبدأ الديموقراطية التوافقية بوصفه آلية أساسية لإدارة التعددية السياسية والطائفية في لبنان، ومنع انزلاقها إلى صراعات داخلية مفتوحة من شأنها أن تُهدّد السلم الأهلي الهش.

وانطلاقًا من هذه المرجعية الدستورية، قام النظام السياسي بعد الطائف على قاعدة التوافق في قضايا عديدة أبرزها ما يتصل بالسيادة الوطنية وعلاقات لبنان الإقليمية والدولية.

وبرغم التباينات التي طبعت أداء الحكومات المتعاقبة طوال 37 عاماً من عمر الطائف، بما فيها صيغ التشارك السلطوي غير الرسمية (الثلث الضامن أو المعطل على سبيل المثال لا الحصر)، فقد ظل الحد الأدنى من التفاهم حول القضايا المصيرية عنصرًا ضابطًا للاستقرار السياسي.

في هذا الإطار، يبرز التحدي الراهن لا في تجاوز منطق الديموقراطية التوافقية، بل في إعادة تأكيده، ولا سيما في ما يتعلق بالقرارات السيادية التي ترسم مسار الدولة ومستقبلها. فكلما ازدادت حساسية القرار السياسي ازدادت الحاجة إلى توافق وطني يمنحه الشرعية الدستورية والسياسية ويعزز فرص تنفيذه واستدامته.

وتؤكد مقدمة الدستور اللبناني أن الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، بما يجعل الشرعية السياسية قائمة على الإرادة الشعبية. وعليه، لا تقتصر وظيفة السلطة على إدارة الشأن العام، بل تشمل أيضًا الاستجابة للتعبير العام عن الإرادة الوطنية، خصوصًا في القضايا السيادية، وذلك ضمن الأطر الدستورية المعتمدة.

والجدير ذكره أن النظام السياسي في لبنان لم يعد نظاماً رئاسياً يُتيح لرئيس الجمهورية، بصفته رأس السلطة التنفيذية بالتعاون مع رئيس الحكومة، اتخاذ قرارات سيادية بمعزل عن المرجعية الشعبية والمؤسساتية، أي عن المجلس النيابي بوصفه ممثل الشعب ومصدر السلطات. بل نحن نعيش في كنف نظام برلماني ديموقراطي توافقي، يقوم على قاعدة الشراكة الدستورية، ويمنع من حيث المبدأ أحادية القرار في القضايا المصيرية.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأسئلة الجوهرية: إلى أي مدى يمكن لأي إطار تفاوضي يتعلق بالقضايا السيادية أن يحقق أهدافه في ظل غياب حدّ أدنى من الإجماع الوطني؟ وهل تستطيع التسويات السياسية التي لا تستند إلى توافق داخلي واسع أن تصمد على مستوى التنفيذ والاستمرارية حتى في حال توفر دعم خارجي لها؟ وأين تكمن حدود الشرعية الداخلية بوصفها عنصرًا حاسمًا في قابلية أي اتفاق للحياة؟

وعليه، يُثير “الاتفاق الإطاري” الثلاثي (الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان) تساؤلات تتصل بشرعيته وآليات اتخاذ القرار في القضايا المصيرية، وبمدى انسجامه مع الفلسفة التوافقية التي أرساها اتفاق الطائف. وبصرف النظر عن تباين القراءات السياسية، فإن أي تسوية تتعلق بمستقبل الدولة وسيادتها تظل بحاجة إلى أوسع قاعدة ممكنة من التوافق الوطني، بوصفه شرطًا أساسيًا لتحويل الاتفاق من نص قانوني إلى ممارسة سياسية قابلة للتطبيق.

في المقابل، يشير بعض التحليل السياسي إلى أن المسار الراهن يعكس انتقالًا من منطق الديموقراطية التوافقية إلى ما يمكن توصيفه بديموقراطية غير توافقية، في ظل انقسام عميق يطال أركان المؤسسات الدستورية، وانقسام اجتماعي وسياسي يتمحور حول خيارات استراتيجية متباينة.

وفي ظل هذا الانقسام، يطرح سؤال مركزي نفسه حول مدى واقعية أي إطار تفاوضي لا يستند إلى حد أدنى من التوافق الداخلي، ولا سيما في القضايا ذات الطابع السيادي. كما يبرز تساؤل آخر حول ما إذا كان من الممكن تحقيق أهداف هذا الإطار في ظل غياب إجماع وطني جامع، أو في ظل انقسام حاد حول جوهر الخيارات الاستراتيجية للدولة؟

وفي هذا السياق، كان يُفترض، بحسب هذا الطرح، أن يتضمن الإطار التفاوضي بندًا أساسيًا وواضحًا يتمثل في الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية دون قيد أو شرط، كما طرحه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، باعتباره مدخلًا جوهريًا لأي مسار تفاوضي لاحق، وعنصرًا مؤسسًا لأي غطاء وطني وقانوني جامع.

غير أن تجاوز هذه الأولوية، والإغراق في بنود فضفاضة ومنمقة قابلة لتفسيرات متعددة وتفتقر إلى الوضوح والسيادية، يثير تساؤلات إضافية حول طبيعة الأولويات التي تحكم هذا الإطار. كما يطرح إشكالية تتعلق بمدى انعكاس ذلك على قابلية أي تسوية سياسية للاستمرار والتنفيذ، في ظل غياب التوافق الوطني.

وبناءً عليه، يُعاد التأكيد على أن أي إطار تفاوضي يتصل بمسائل السيادة والاستقلال ينبغي أن يستند إلى توافق وطني واسع، وأن أي تجاوز لمكوّنات أساسية في البنية السياسية الداخلية من شأنه أن يضعف قابلية الاتفاق للاستمرار والتنفيذ، بغض النظر عن السياقات الإقليمية أو الدولية المحيطة به.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  البايدنية تتبنى الترامبية.. «أمريكا أولًا»!
رانيا حتّي

كاتبة وأكاديمية لبنانية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  اليوم التالي للحرب الإيرانية: العقدة الإسرائيلية أخطر من الملف النووي