يكفيك.. يا سيد

لا يمكن لأي متتبع للحراك الا ان يلاحظ انه غير قادر على التوافق بين اطرافه على واحدة من عدة اوراق عمل قابلة للتطبيق يفاوض عليها على طريقة خذ وطالب، متجاهلاً أن مضيه في طلب امتثال "الفاسدين" للمطالب المتناقضة التي تهتف بها حناجر اطرافه، لن ينتج سوى الانهيار. فإذا كان بعض من الحراك قد بات جزءاً عضوياً من قوى سياسية ذات اجندات خاصة، فإن اهل الحراك "الاصليين" ينتمون الى مراوح متنوعة تصل في تفاوتها بين مختلف فئات اليمين (بعض منها لا يخجل بعلاقة تبعية مع "الغرب" ويطالب بالخصخصة لكل مرافق الدولة).. وبين مختلف فئات اليسار (وبعضها ما زال غارقاً في دهاليز النظريات القديمة العصية على التطبيق، ويطالب بتأميم كل مرافق القطاع الخاص، بما فيها المصارف التجارية).

لماذا وصلنا الى هنا؟

اقسِم الجواب على “لماذا” بين عنوانين بارزين متتابعين ومتكاملين:

العنوان الاول، هو ما نعرفه من نتائج السياسات الخاطئة على امتداد 24 سنة (1992 – 2016) على جميع الاصعدة السياسية والادارية، الاقتصادية والمالية والنقدية، الاجتماعية والصحية والتربوية والاعلامية.

لقد ظهر التعبير الحاد ضد نتائج تلك السياسات وجرى التحذير من الاستمرار فيها بصورة دائمة لم تتوقف على امتداد المكابرة في ممارسة تلك السياسات.

وتجسد التعبير بالجسد الحي ضد السياسات المذكورة عبر الحراك المدني في صيف 2015.

يومها نجح “النظام” في قمع الحراك باسلوب ممجوج، ألحق الضرر بسمعة من اعتمد الاسلوب المعني ومن نفذوه.

ولم يكن غريباَ ان الاسلوب ذاته، لم يحقق للنظام نفسه، الذي كرَّره في خريف 2019، سوى الفشل.

العنوان الثاني: يتمثل  بثلاث سنوات كاملة ( 2016 – 2019) من فقدان الامل بسياسات وممارسات ووعود حكام التسوية التي اتت بالعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية وبالسيد سعد الحريري رئيساً لحكومتين متتاليتين: ضمَّت كل منهما 30 وزيراً يمثلون الاكثرية الساحقة من القوى السياسية والحزبية والنيابية المعروفة،  في مجلس نيابي ممدَّد له (2009 – 2018) وفي مجلس نيابي جديد بدأ ولايته في حزيران/يونيو 2018.

من المسؤول عن فقدان الامل؟

قد يكون صحيحاً الهتاف ” كُلّنْ.. يعني كُلُّنْ” الذي انطلق من الحراك في 2018، وتكرَّر بقوة اكبر في خريف 2019.. وان كان ينطوي على بعضٍ من الخطأ.

لا تغضب يا سيِّد

– لا يمكن، يا سيِّد، لعبد الكريم حسن الخليل ان يَغْفُلْ لحظةً واحدةً عن كونكِ تختلف جذرياً عن أي منهم.. وعن  “كلُّن..” ولا حاجة بي هنا الى أي تفصيل

– لكن لا تترك ـ يا سيِّد ـ للوم الجماهير الموجوعة أن يتسلل إلى أي زاوية من قلبك الكبير.

صحيح انك كنتَ رائعاً جداً، سواء في كونك أول من “أصغى” الى هذه الجماهير أو أول من دعا إلى “الإصغاء” لها.

– لكن هل يمكن لي، او لأيًّ غيري، الاعتراض على حق من فقدوا الخبز، أو على شعور المكتفين بخبزهم ويفتقدون كراماتهم، او على من هم مهدَّدون بخبزهم وفي كرامتهم معاً، اذا رفعوا اصواتهم بتهذيب، يحمِّلونك، يا سيِّد، بعضاَ من المسؤولية غير المباشرة عن ما وصل اليه الفاقدون.

– هل يمكن الاعتراض على هؤلاء، واغلبهم غير مسيسين، في وقت ينظرون اليك على رأس حزب قوي وقادر كحزب الله، وتبدو شريكاً أساسياً ومرموقاً ومحترماَ في مجلس نواب وفي حكومات مسؤولة: عن مصرف مركزي، وعن ادارات عامة، وعن سياسات طويلة ومتوسطة وقصيرة لوزارات، وعن قرارات يومية يتخذها وزراء آخر زمن،  تملأ الفضائح عن ممارساتهم صفحات وسائل الاعلام المكتوبة ومواعيد نشرات وبرامج اخبار الاذاعات والتلفزيونات صبحاً وظهراً ومساءً.. احياناً ببعض من التضخيم..  واحياناً ببعض من المسايرة والنفاق… ودائماً باجتزاء مشوِّه يكتشفه ويعرفه من لديه القدرة والوسائل للبحث عن كامل المعلومات وارشفتها؟

ــ هل يمكن، يا سيِّد، ان لا يتحسس بعضٌ من فاقدي الخبز و/أو الكرامة، التأخر في المبادرة الناقصة للتصدي للفساد المتواصل وللفاسدين المتنوعين الذين عششوا في زوايا النظام واروقته:

يكفيك، يا سيِّد،  دحضاَ لأي اتهام من أيِّ مفتري بأنك واحد من” كُلُّنْ”، ان الرد على الافتراء عليك، لا يأتي من حزبك وانصارك فقط، وانما يأتي أيضاً من عقلاء ومتنورين. اكتفي هنا بايراد  اعترافين جديدين من مصدرين ملحوظيْن، بعيديْن عن عائلة حزب الله ومن خارج بيئته الحاضنة:

المصدر الأول:  ما قاله في مناسبة التظاهرات ضد “الفساد والفاسدين”،  بيان أعرق حزب ماروني في لبنان، “كتلة اميل اده الوطنية”، بلسان السيد بيار عيسى، الداخل مؤخراً على الحياة السياسية في لبنان، بلياقة تحاول أن تضيف شيئاً جديداً :

“لا تعطهم يا سيِّد فرصة” ــ قال بيان الكتلة الوطنية.

المصدر الثاني: ما قاله الوزير السابق ضمن مجموعة 14 آذار يوم عزَّها الغابر،  د. شارل رزق، رئيس مؤسسة فؤاد شهاب، ضيفاً في مقال على صحيفة  “النهار”، المعروفة بانها اكثر وسائل اعلام لبنان مثابرة على مناهضتك وعلى الالتزام بسياسة شيطنة حزب الله.. قال:

 “… وننتظر بالتالي من هذا الحزب الذي يُجمِع المواطنون على احترام شخص أمينه العام، أن يَبتكِرْ، بالتحاور مع قوى غير متورِّطة بموبقات الماضي، خريطة طريق واقعية تُخرجه وتخرجنا نحن شركاءه في الوطن الواحد، من المأزق الدستوري الذي يتخبَّط فيه نظامنا السياسي منذ اكثر من اربعة عقود”.

استطرد،

وألفت النظر هنا الى واقعة قديمة تعود الى الايام الاولى من الاستقلال الاول، فقد رواها لي، اكثر من مرة، نقيب الصحافة اللبنانية السابق المرحوم محمد بعلبكي. قال:

… في فترة من اربعينات القرن الماضي، وتجاه تتابع المعلومات المتداولة عن فساد يمارسه عبر السلطة افراد من عائلة رئيس الجمهورية اللبنانية انذاك، احد ثنائي قيادة حركة الاستقلال المرحوم الشيخ بشارة الخوري

ذهبنا ــ قال محمد بعلبكي ــ الى رئيس الحكومة انذاك الشهيد رياض الصلح. متسائلين:

كيف، يا دولة الرئيس، تسكت عن انحرافات عائلة رئيس الجمهورية؟

جاء جواب الرئيس الشهيد رياض الصلح سريعاً، بما معناه:

– يا أخ محمد.. تعبنا كثيراً حتى نجحنا في ايصال ماروني عربي الى رئاسة الجمهورية.. خلينا نطوِّل بالنا شويّْ عليه!

كان العبء يومها نتيجة ممارسة افراد من “عائلة رئيس” وامتداداتهم..

ينتج العبء اليوم عن ممارسات اكثر من عائلة لدى اكثر من حليف.

نقف أمام مروحة “الفاسدين” من حلفاء حزب الله لنسأل الحزب:

  • هل يمكن “للحزب” أن يبرِّر كل ما يتحمله، نتيجة لهذا الفساد الذي بات يهدد البيئة الحاضنة لأن تتجاوز طرح التساؤلات وإطلاق صرخات الوجع؟
  • هل يمكن “للحزب” ان يبرر كون ما يأخذه من بعض “الحلفاء الفاسدين” يكاد ان لا يتجاوز التغطية النسبية بعبارة “الجيش والشعب والمقاومة”، في بيان وزاري أو في تصريحات اعلامية؟.
  • ولماذا يمتنع “الحزب” عن المبادرة و/ او الاستجابة الى بناء “قنوات تحالف” او “تفاهم” او “تعاون” مبرمج، مع شخصيات وقوى ومنظمات مختلفة، مدنية وسياسية وحزبية، اجتماعية واقتصادية وعمالية، يسارية (!) او يمينية (!!) تعمِّق مروحة تفاعله الحيوي في القضايا اللبنانية، ويستقوي بالتحالف معها على تمادي بعض من حلفائه في الفساد؟.

هذه المقالة ليست الميدان الذي يمكن لنا ان نخرج منه بتحليل او عرض واقعي او معقول، وحتى قريب من الاطار التنفيذي، لما يجب تبنِّيه من المطالب المحقة للمتظاهرين، ولا حتى الى ما يمكن ان تنتهي اليه التطورات من تحقيق مطالب والعجز عن تحقيق وعود والتنكر لأخرى.

1 – ذلك ان هذا الأمر خاضع الى ما ستفرزه مختلف التقاطعات بين القوى السياسية والحزبية المتحالفة والمتصارعة على مختلف خطوط طول وعرض النظام وبين القوى التي في الشارع، وسط ما يحيط بكل منها من ضغوط داخلية وخارجية متناقضة.

2 – كل ما اتمناه الآن على هذا الصعيد، بصدق وبمسؤولية، أمنية غير بسيطة، هي أن يصغي حسنو النية من المسؤولين، في المواقع الرسمية، وفي كل من  كل القوى السياسية والحزبية والنيابية الفاعلة الى نبض الشارع،

وبموازاة ان يصغي حسنو النية من الذين في الشارع الى صيانة حراكهم من اي استغلال قد تعتمده قوة او أخرى من القوى الحزبية والسياسية والمخابراتية. وذلك يكون عبر قناتين:

القناة الاولى، هي امتثال القيادات في المواقع المذكورة، في اختيار ممثليهم الى المواقع الحكومية ومندوبيهم الى الادارات العامة، لقواعد الحد الأساسي من المعرفة العلمية والكفاءة المهنية والخبرة الملموسة والنزاهة الاخلاقية.. واعتماد القناة  نفسها في اختيار مرشحيهم إلى المجلس النيابي  في حال الدعوة الى انتخابات نيابية مبكرة او أي انتخابات لاحقة.

القناة الثانية، هي ان تظهر القيادات المعنية، أنها أصغت فعلاً الى صوت الشارع وتحسَّست نبضه الحي، أقله كما نبض في الايام الاربعة الاولى، اياَ كانت النتيجة التي سينتهي اليها الصراع السياسي والتعاون الحكومي ومسيرة العمل العام.

على الجميع أن  يظهروا انهم لم يضيِّعوا الفرصة، واصغوا بالفعل الى هذا الصوت الصادق، أقله لجهة قدرته على التحوُّل بأناسه وببيئته وبكل ما احاط به.

قدرة على التحوُّل… من هاوية الانقسام الطائفي والمذهبي الحاد الذي عطَّل  ويعطِّل لبنان، إلى سطح التفاعل الوطني بكل متطلباته لبناء الداخل ولمقاومة اي عدوان من الخارج.

(*) مدير مركز الاعلام الاقتصادي

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
free online course