ديفيد هيل يتلو البيان رقم 1 من بعبدا: الحراك خط أحمر

لو قارنا مواقف وكيل وزارة الخارجية الاميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل خلال جولته على رؤساء الجمهورية ميشال عون والمجلس النيابي نبيه بري ومجلس الوزراء المستقيل سعد الحريري، لوجدنا أنه إستخدم العبارات ذاتها والمحتوى ذاته وربما الترتيب نفسه.

في محطاته الثلاث، استعان الدبلوماسي الأميركي ديفيد هيل بورقة معدة سلفا لقراءة ما يدلي به في الاجتماعات من دون زيادة او نقصان. الورقة نفسها قرأها، من دون إفساح المجال أمام الصحافيين لطرح أي سؤال، وبالتالي، لفتت الإنتباه جملة أضافها الى البيان المكتوب في عين التينة (مقر رئاسة المجلس النيابي) بقوله “كانت هناك بعض الجماعات التي حاولت الهجوم على المتظاهرين، علما أن المظاهرات كانت سلمية”، وكأنه اراد بطريقة ما تحميل الفريق الذي يمثله رئيس مجلس النواب نبيه بري، مسؤولية هذه “الهجمات”، على حد وصفه.

هذا الموظف في الادارة الاميركية الذي فتحت له كل الابواب لاستقباله، بناء على مواعيد مسبقة طلبتها السفارة الاميركية في بيروت، يعرف التفاصيل اللبنانية الدقيقة. ولأنه كذلك، انتبه سلفاً الى عدم استخدام الاسلوب الفج لرئيسه في الدبلوماسية وزير الخارجية مايك بومبيو، الا انه تعمّد اظهار جدية في المحادثات من خلال ملامح وجهه وتقطير الابتسامات وإتقان قراءة النقاط المعدة مسبقا في بيانه، بعد كل إجتماع من هذه الاجتماعات، فكانت الخلاصة وكأن الرجل كان يتلو البيان رقم واحد، بعدما اسقطت الاكثرية النيابية (8 آذار/مارس) مرشح بلاده الى رئاسة الحكومة السفير السابق نواف سلام. زد على ذلك تمايز رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري عن الارادة الاميركية عندما امتنع عن تسمية سلام، خلافاً لما كان ينتظر منه الأميركيون، وهو أمر وضع في خانة الـ”لعم” للمكلف بتشكيل الحكومة حسان دياب، الامر الذي اغضب رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط الذي هاله إجتماع خصومه وتفكك حلفائه المفترضين لا بل عدم امتلاكهم الحد الأدنى من التوافقات، وهو عبر عن ذلك بقوله “أن تختار قوى 8 آذار مرشحها وتنجح هذا ليس بغريب، فهم على الأقل لديهم مشروع لكن ان تخذل قوى المستقبل المتسترة بالديموقراطية ـ وكانهم خريجو silicon valley ـ ان تخذل نواف سلام خوفا من التغيير، فهذا يدل على عقمها وافلاسها. كنا اقلية وسنبقى وكم الامر اربح. قال احدهم قل كلمتك وامش”.

الدبلوماسي الاميركي تعمّد تجاهل مواضيع الحدود والنفط وحزب الله وبري إستقبله بصورة “امير الاستشهاديين”: كلنا هشام فحص في الدفاع عن حددونا البحرية

ثلاثة عناوين تناولها ديفيد هيل، الاول، الاصلاحات الهادفة والمستدامة التي تتعارض مع تقديم المصالح الحزبية على المصلحة الوطنية، في اشارة واضحة الى وجوب تشكيل حكومة إختصاصيين وتنحي الاحزاب عن المواقع الحكومية التنفيذية، والثاني، الموقف من تشكيل الحكومة التي لا دور للولايات المتحدة الاميركية في مجيء رئيسها ووزرائها وخصوصا الالتزام بتلك الاصلاحات، والثالث، الحراك الشعبي الذي نزع عنه ديفيد هيل صفة “الثورة” او “الانتفاضة” ووضعه في اطار الاحتجاجات السلمية الجامعة وغير الطائفية الى حد كبير، بحيث رسم دائرة حمراء حول المتظاهرين، أي ممنوع المساس بهم، محملاً القوى الامنية المسؤولية عن إستمرار ضمان سلامتهم،  وفي الوقت ذاته، محذرا من العنف في التعبير عن الرأي، رابطا بين دعم الحكومة الجديدة وبين التزامها بهذه العناوين الثلاثة.

لم ينبس ديفيد هيل ببنت شفة حول ما آلت اليه الامور مع رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، لا بل اظهر من خلال تجاهل كل ما حصل قبل الاعتذار عن  ترؤس الحكومة الجديدة وصولا الى تكليف حسان دياب رئاسة الحكومة، ان الامر هو محض سلوك سياسي داخلي، وبالتالي، حاول تثبيت ما صار معلوما من ان واشنطن لم تعد متمسكة بالحريري في رئاسة الحكومة اللبنانية، بعد سلسلة الخيبات منه، وان الحكم على الحكومات في لبنان يرتبط بمدى مطابقة برنامجها، اي بيانها الوزاري للشروط الاصلاحية الاساسية التي سبق والتزمت بها الحكومة اللبنانية في مؤتمر “سيدر” وفي كل مؤتمرات الدعم الاخرى، ولكنها لم تفعل.

لا بل اكثر من ذلك، لم يتناول ديفيد هيل في لقاءاته ملفات اساسية، اعتادت الدبلوماسية الاميركية إثارتها وابرزها: الدور الاميركي في عملية ترسيم الحدود لتثبيتها؛  النفط والغاز في البحر اللبناني؛ دور حزب الله في الداخل اللبناني وفي الخارج، وهذا التجاهل لهذه الملفات يبدو متعمدا، ربما ربطا بتطورات اقليمية ودولية، اذ اكتفى ديفيد هيل بالتركيز على الاصلاحات ومكافحة الفساد وربط الدعم الاميركي بتشكيل الحكومة الجديدة وإلتزامها الإصلاحات.

وتعمد كل من الرئيسين عون وبري فتح ملف الحدود البحرية وتأكيد التزام لبنان بالقرار الدولي 1701 ورفض الخروق الاسرائيلية لا سيما للمياه اللبنانية، وتم ربط تثبيت الهدوء والاستقرار في الجنوب وعلى طول الحدود باقناع الولايات المتحدة الاميركية لاسرائيل الالتزام بترسيم الحدود البحرية، وهذا الامر تعمّق به الرئيس بري، الذي كعادته تعمّد استخدام رسائل مباشرة، بحيث أوعز قبيل وصول هيل والوفد المرافق بأن توضع صورة الاستشهادي المقاوم هشام فحص “امير الاستشهاديين”، وقال مخاطباً الوفد الاميركي “اننا في مسألة الدفاع عن حدودنا البحرية وثروتنا النفطية والغازية في البحر اللبناني، كلنا هشام فحص”.

من يجب عليه ان يبدأ عملية نقد ذاتي واعادة العمل على بناء حضوره السياسي، هو سعد الحريري، فاذا اراد الاستمرار في العمل السياسي، لان ما ادلى به هيل واضح في رسائله المشفرة، لجهة ان زمن الحصرية في موقع رئاسة الحكومة انتهى

وما فاجأ هيل به محدثيه في بعبدا وعين التينة وبيت الوسط، انه عندما تناول الملف الحكومي، افتتح الحديث بعبارة “اتمنى التوفيق للرئيس حسان دياب في مهمته، وبلادي لا تتدخل بمن هو رئيس الحكومة ولا بمن هم الوزراء، وهي تدعم اي جهد لتحقيق الاصلاحات الضرورية ومكافحة الفساد، والولايات المتحدة مستعدة لدعم لبنان في كل المجالات فور تشكيل الحكومة”. هذا الموقف يكرّس ما سبق واوحى به الموفدون الدوليون، لا سيما البريطاني والفرنسي خلال زيارتهما الى لبنان ابان ازمة استقالة الحكومة وتعثّر الاتفاق على التكليف، من ان المجتمع الدولي لا يتمسك بالاشخاص انما بالبرامج والالتزام بها، كما انه وخلافا لكل التوقعات لم يثر موضوع العميل الإسرائيلي عامر الفاخوري (الأميركي الجنسية) في لقاءاته مع الرؤساء الثلاثة.

وخلاصة ما استتنتجه احد المشاركين في اللقاءات مع السفير ديفيد هيل هو “ان الرجل جاء بخطاب هادئ وبمضمون صاخب، واراد ان يقلل الخسائر نتيجة سقوط مشروع بلاده في رئاسة الحكومة”، وأضاف “من يجب عليه ان يبدأ عملية نقد ذاتي واعادة العمل على بناء حضوره السياسي، هو سعد الحريري، فاذا اراد الاستمرار في العمل السياسي، لان ما ادلى به هيل واضح في رسائله المشفرة، لجهة ان زمن الحصرية في موقع رئاسة الحكومة انتهى”.

وابرز الاستنتاجات أيضاً “ان الهجوم الاميركي الاستيعابي والايجابي في ظاهره تجاه لبنان، يؤشر الى ان المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة عمانية تتقدم، وبالتالي فان زمن التسويات قد يقترب، وحينها سيكون لبنان مستفيدا من هذه التسويات، اقله في تخفيف الحصار المالي والاقتصادي المفروض عليه، وفي حال صدقت التوقعات الايجابية في الوصول الى تسويات، يمكن القول ان غلطة سعد الحريري في عدم التناغم مع احتضان الثنائي الشيعي له وتمسكهما به في موقع رئاسة الحكومة هي بأكثر من الف غلطة” على حد تعبير أحد المشاركين في الإجتماعات مع ديفيد هيل.

وكان لافتاً للإنتباه تزامن زيارة ديفيد هيل مع تعليق الخارجية الفرنسية على تكليف حسان دياب تشكيل الحكومة المقبلة، قال ناطق بإسمها رداً على سؤال حول ما إذا كانت تسمية دياب يمكن أن تسهّل القيام بالإصلاحات الضرورية للحصول على مساعدات مالية دولية، بالقول:” ليس لنا أن نقرر في تشكيل الحكومة اللبنانية المستقبلية، بل هذا الأمريُترك للمسؤولين اللبنانيين للقيام به مع مراعاة المصلحة العامة لجميع اللبنانيين”. وشدد على أن المعيار الوحيد “يجب أن يكون كفاءة الحكومة في خدمة الإصلاحات التي ينتظرها الشعب”.

وعلم موقع 180 أن مشاورات تجري بين بيروت وبروكسيل من أجل إصدار بيان للإتحاد الأوروبي يتبنى مسار تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة.

داود رمال

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course