لم يعد العالم ينتقل من مركز واحد إلى عدة أقطاب، وإنما من فكرة المركز ذاتها إلى تعدد المراكز Polycentricity، بعد أن بيّنا دور تعدد العُقد في العالم المتعدد الشبكات.
وحتى فكرة تعدد الأقطاب Multipolarity، التي تحفظنا عليها لصالح عالم دائم التشكل، تفترض، بصورة أو بأخرى، وجود عدد من القوى الكبرى التي تتوزع بينها القوة العالمية.
لكن حالة تعدد المراكز لا تشترط أن تكون مراكز القوة دولاً كبرى، ولا حتى دولاً أصلاً. وهذا ما يضع فكرة تعدد الأقطاب خارج إطار التوقع المستقبلي؛ لأننا لا نرى نشوء نظام عالمي خارج إطار السيولة التي تعيشها حالة القوى العالمية.
فقد يكون المركز دولة. وقد يكون شركة تكنولوجية. وقد يكون مصرفاً مركزياً. وقد يكون ميناء. وقد يكون مضيقاً. وقد يكون مصنعاً لأشباه الموصلات. وقد يكون مركز بيانات. وقد تكون منصة رقمية. وقد تكون شبكة مالية. وقد يكون فاعلاً صغيراً يمتلك أثراً نوعياً في المكان واللحظة المناسبين.
وبالتالي، فإن السؤال ينتقل من: مَن يمتلك القوة؟ إلى: أين تتمركز القدرة على التأثير في هذه القضية تحديداً، وفي هذه اللحظة تحديداً؟ هنا تتوضع القوة في سياق تأثيرها في قضية استراتيجية بعينها، وليس في كل القضايا بالضرورة. وهذا ما يفسر لماذا نجد، في بعض أشكال الصراع، أن قوى صغيرة يكون لها تأثير في صراع بعينه أكثر من قدرة دولة، حتى ولو كانت دولة عظمى.
مثال في سياق الحرب الأوكرانية-الروسية
لو طرحنا السؤال التقليدي: من يمتلك القوة البحرية الأكبر، روسيا أم أوكرانيا؟ فالإجابة، من حيث الكتلة العسكرية التقليدية، واضحة: إنها روسيا. لكن السؤال الأدق هو: أين تمركزت القدرة على التأثير في الصراع البحري في البحر الأسود، في تلك المرحلة تحديداً؟
لقد استطاعت أوكرانيا، باستخدام المسيّرات البحرية والصواريخ والتكتيكات الشبكية غير المتناظرة، أن تحرم روسيا من درجة مهمة من حرية العمل البحري، وأن تدفع جزءاً من أسطول البحر الأسود بعيداً عن شبه جزيرة القرم. ويشير تحليل إلى المفارقة التالية: روسيا بدت على الورق مهيأة للهيمنة أمام قوة بحرية أوكرانية شبه معدومة، لكن أوكرانيا استطاعت لاحقاً إلحاق خسائر بالأسطول وحرمانه من السيطرة البحرية بدرجات مهمة.
إذن القوة الكلية الروسية لم تختفِ، وحتمًا لم تحسم المعارك على الأرض لمصلحة أوكرانيا، ولم تصبح أوكرانيا أقوى من روسيا بالمطلق. الذي حدث أكثر دخولاً في الفروقات:
انتقل مركز الفاعلية في مجال محدد من امتلاك الأسطول الكبير إلى امتلاك القدرة المناسبة لتعطيل الأسطول الكبير.
وهذا ما يخدم الفكرة: أن القوة ليست قيمة مطلقة للفاعل، بل «قدرة سياقيّة» تتعلق بالقضية الصراعية والموقع في الشبكة واللحظة.
كذلك، خلال اضطرابات البحر الأحمر، انخفضت التجارة المارة عبر قناة السويس في أول شهرين من عام 2024 بنحو 50% مقارنة بالعام السابق، واضطرت شركات إلى تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح، مضيفة عشرة أيام أو أكثر، في المتوسط، إلى بعض الرحلات. كما وجد صندوق النقد أن توترات البحر الأحمر رفعت أسعار شحن ناقلات المنتجات النفطية عالمياً بنحو 50% في الفترة التي درسها.
وهنا تظهر المفارقة:
فاعل صغير نسبياً لم يصبح قوة عالمية، لكنه أصبح فاعلاً ذا مركزية عالية جداً داخل شبكة محددة؛ وهي شبكة الملاحة في البحر الأحمر.
في قضية محددة، وفي جغرافيا محددة، وفي لحظة محددة، امتلك فاعل أصغر قدرة على إحداث أثر استراتيجي غير متناسب إطلاقاً مع كتلته الكلية.
وهذا يقودنا إلى تطوير النظرية إلى:
القوة الاستراتيجية ليست خاصية مطلقة يمتلكها الفاعل في جميع القضايا؛ إنها قدرة سياقية تتفعّل داخل شبكة بعينها، وفي قضية بعينها، وفي زمن بعينه. ولذلك قد تتفوق «فاعلية» قوة صغيرة في عقدة محددة على فاعلية قوة عظمى، من دون أن تصبح القوة الصغيرة أقوى منها. ثم تختفي هذه الفاعلية في مرحلة لاحقة وفي صراع مختلف.
وهنا يظهر فارق مهم جداً بين القوة والفاعلية الاستراتيجية. الدولة العظمى قد تمتلك القوة الأكبر، بينما يمتلك الفاعل الأصغر القدرة الأكثر فاعلية على مستوى الاستراتيجية في نقطة محددة من الشبكة الصراعية. مما يتيح إضافة مفهوم «القوة السياقية Contextual Power»؛ أي إن وحدة القياس الاستراتيجية لا ينبغي أن تكون «كم قوة يمتلك الفاعل؟» فقط وبالمطلق، وإنما: «كم من قوته يستطيع تحويلها إلى تأثير محوري في هذه القضية؛ نعني في هذه الشبكة الصراعية؟». وهذه ترتبط عضوياً بمفاهيم ديناميكية، من قبيل المركز المتحرك والعقدة الحاكمة والفاعل بلا كتلة.
تعيين المفهوم: ما تعدد المراكز؟
يمكن تعريف تعدد المراكز بأنه الآتي:
وجود مراكز متعددة للقرار والفعل والتأثير، تعمل بصورة غير متزامنة وغير متناظرة بالضرورة، ومستقلة نسبياً، وتتداخل سلطاتها ومجالات تأثيرها من دون أن تخضع بالضرورة لمركز أعلى واحد قادر على ضبطها جميعاً. وطبعاً إنها مراكز وليست أقطاباً بالضرورة، وليست مراكز قوى.
وهي مستقلة نسبياً في السياق واللحظة، وليست مستقلة استقلالاً مطلقاً. وتتعاون أحياناً.
(مثال: في فبراير/شباط 2025، عندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على القرار ES-11/7 المتعلق بالحرب في أوكرانيا، صوّتت 18 دولة ضد القرار، بينها الولايات المتحدة وروسيا وكوريا الشمالية، بينما امتنعت 65 دولة عن التصويت، بينها الصين وإيران)، وهي دول تتنافس أحياناً، وقد تتقاطع مصالحها في قضية، ثم تتعارض في قضية أخرى.
ولهذا لا ينبغي تصور العالم متعدد المراكز باعتباره مجموعة دوائر منفصلة. الأدق أن نتصوره باعتباره:
شبكات داخل شبكات، وفي كل شبكة عُقد، وبعض العقد تتحول مؤقتاً إلى مراكز.
وهنا تبدأ المسألة بالاقتراب كثيراً من مفهومنا عن عالم اللاتسلسلية.
فالأدبيات الحديثة في الحوكمة تصف تعدد المراكز بأنه سلطة موزعة، لكنها موزعة بصورة لها أنماط ومراكز؛ كما تتحدث دراسات معاصرة عن انتقال في بعض مجالات الحوكمة العالمية نحو بنية لا مركزية ومتعددة المستويات.
تعدد المراكز ليس تعدد الأقطاب
في تعدد المراكز يبتعد السؤال عن تعدد الأقطاب ليسأل:
ما المراكز الفاعلة في الصراع الذي نحن بصدده؟
إذ لا تعود القوة صفة ثابتة للفاعل.
بل تصبح:
«علاقة» بين قدرة يمتلكها الفاعل، وشبكة يعمل داخلها، ولحظة تسمح بتفعيل تلك القدرة، وموضع محدد للصراع، والموقع الذي يحتله داخل شبكة الاعتماد.
من الهرم إلى الشبكة ومن الشبكة إلى تعدد المراكز
في العالم الهرمي التقليدي كان يمكن رسم القوة تقريباً هكذا:
(مركز ثم مستويات أدنى ثم أطراف).
لكن في العالم الشبكي لا تسير القوة في مسار أفقي أو عمودي واحد. إنما تذهب في اتجاهات متعددة.
فقد يصدر القرار السياسي من عاصمة دولة كبرى، لكن تنفيذه يحتاج إلى شركات، وبنوك، وشبكات دفع، ومصانع رقائق، وموانئ، ومراكز بيانات، وحلفاء، ودول عبور.
وهنا تظهر أبعاد مفارقة: فقد يمتلك الفاعل القدرة على اتخاذ القرار ولا يمتلك شروط تنفيذه.
وهذا يعني أن القوة ومفاعيلها تتفكك إلى أجزاء. وهنا يلتقي تعدد المراكز مباشرة مع ما أسميناه سابقاً:
«السيادة المتشظية». وهنا السيادات المتعددة والمنفصلة أحياناً.
فإذا كانت الدولة تحتاج إلى آخرين لكي تحوّل قرارها إلى فاعلية، فإن السيادة لا تختفي، لكنها لم تعد نواة صلبة واحدة؛ ومن هنا قد تكون الدولة ذات سيادة قانونية كاملة، لكنها تقع داخل شبكات اعتماد تحد من قدرتها العملية على تحويل السيادة القانونية إلى قدرة استراتيجية.
-مثال أول: الذكاء الاصطناعي في سؤال أين يقع المركز؟
الذكاء الاصطناعي ربما يكون أحد أوضح الأمثلة المعاصرة. رغم أنه ليس من السياسة، إلا أن له تأثيراً واضحاً في السياسة والاستراتيجية. ويمكن، من خلال هذا المثال، فهم المراكز المتعددة بصورة أفضل.
السؤال يطرح نفسه: من يحكم فضاء الذكاء الاصطناعي؟
الجواب هو:
جميع عناصر تكوين ومتابعة وتطوير الذكاء الاصطناعي الموزعة والمنتشرة، ولكن ليس بالدرجة نفسها ولا في اللحظة نفسها.
في دراسة منشورة في (International Affairs) عام 2026، توصف بالفعل حالة انتشار القوة في بنية الذكاء الاصطناعي عبر فاعلين متعددين ومناطق جغرافية متعددة، ويجري الحديث عن شبكات وعناقيد مختلفة للحوكمة بدلاً من بنية هرمية بسيطة. وهذا ما يشكل تحدياً كبيراً بالنسبة إلى ضبط الذكاء الاصطناعي من التفلت.
وفي سبتمبر/أيلول 2026، ظهرت في الوقت نفسه عدة مستويات مستقلة نسبياً للقرار: دخلت الولايات المتحدة والصين في حوار حول سلامة الذكاء الاصطناعي، ثم اتفقتا في أواخر الشهر على إنشاء قناة اتصال للتعامل مع الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما تدفع دول أوروبية، وفق نمط تفكير تقليدي لا يتناسب مع طبيعة الذكاء الاصطناعي نفسها، باتجاه بناء قدرة أوروبية أكثر استقلالاً في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وتطالب حكومات أوروبية بسلطة تنظيمية أكبر تجاه الشركات نفسها.
ولكن الواقع أنه لا يوجد مركز واحد يحكم الذكاء الاصطناعي. بل توجد مراكز تتوزع بين الدول والشركات ومصانع الرقائق وأماكن البرمجة، وحتى الكوادر الفردية الأكثر تميزاً في بناء وبرمجة وضبط وفلسفة الذكاء الاصطناعي… وهذه المراكز لا تتطابق جغرافياً ولا سيادياً. وبذلك يحدث عدم التطابق بين جغرافيا الدولة وجغرافيا القوة. وبكلمة، فإن حدود الدولة مرسومة على الخريطة، لكن حدود القوة والقدرة لم تعد كذلك. فهي موزعة بشكل يتجاوز الجغرافيا.
- -مثال ثانٍ: الدول حيث العلاقات لم تعد اختياراً بين معسكرين
كان التحليل القديم يميل إلى السؤال:
هل هذه الدولة مع الولايات المتحدة أم مع الصين؟ أم مع الاتحاد الروسي؟
لكن السؤال نفسه يصبح مضللاً عندما تعمل الدولة في عدة شبكات في الوقت نفسه.
قد تعتمد أمنياً على الولايات المتحدة، وتتاجر بكثافة مع الصين، وتتعاون استثمارياً مع الهند، وتنسق نفطياً مع منتجين آخرين، وتبني قدراتها التكنولوجية عبر شركات من عدة دول، وتتبادل المعلومات الاستخباراتية مع خصوم، وربما يتجاوز ذلك إلى الأعداء أنفسهم، في معلومات تهدف إلى خفض التصعيد ومنع سوء الفهم والتقدير.
ففي دراسات حديثة عن كثير من الدول، يوصف هذا السلوك بالفعل باعتباره سعياً إلى مساحة أوسع من الاستقلال الاستراتيجي عبر علاقات متعددة المسارات، بدلاً من الاصطفاف الكامل داخل محور واحد. وهذا يعني أن الدول لم تعد مضطرة دائماً إلى الاصطفاف مع مركز أو مع محور، لأنها تجد نفسها، بحكم واقع الحال، مضطرة إلى أن تتحرك لضمان مصالحها بين مراكز متعددة. وهنا تصبح السياسة الخارجية: إدارةً لمواقع القوة والنفوذ ضمن الشبكات.
-مثال ثالث: الاتحاد الأوروبي والهند
في يناير/كانون الثاني 2026، اختتم الاتحاد الأوروبي والهند مفاوضات اتفاقية تجارة حرة واسعة، بالتوازي مع تعاون في التكنولوجيا والطاقة النظيفة وسلاسل القيمة المرنة ضمن مجلس التجارة والتكنولوجيا بينهما. وتربط الوثائق الأوروبية هذا التعاون صراحة بتنويع سلاسل التوريد وتعزيز الأمن الاقتصادي.
ما دلالة ذلك؟
ليس بالضرورة ظهور قطب جديد؛ فربما قد تجاوز الزمن، وتجاوزت الوقائع الجديدة، هذا المفهوم في العلاقات الدولية. بل إن ظهور شبكة جديدة من العلاقات يمنح أطرافها قدرة أكبر على الحركة بين المراكز.
وهنا يظهر تحوّل بالغ التأثير ومن خارج الصندوق:
فالدولة لا تزيد قوتها فقط بما تملكه؛ بل بعدد البدائل التي تستطيع الوصول إليها وتتفاعل معها وترسم مصالحها عبرها. ونرسم ذلك كقاعدة استراتيجية تقول:
كلما تعددت البدائل الشبكية للفاعل، انخفضت قابلية إخضاع الدول من مركز واحد. وبالتالي فإن مبدأ التبعية قد تراجع إلى حد كبير. ولم تعد الدول مضطرة، لكي تحمي نفسها، إلى أن تدور في فلك دولة عظمى بعينها؛ ذلك أن جزءاً من قدرات تلك الدولة موزع على شبكات!
والعكس صحيح.
فكلما تركزت احتياجات دولة ما في عقدة واحدة، ازدادت هشاشتها أمام تلك العقدة. وهذه القاعدة تنتمي إلى المثل الذي يقول: لا تضع البيض كله في سلة واحدة. فالوقائع الاستراتيجية لا تسمح اليوم بالاعتماد على طرف واحد مهما بلغت قوته، لأن مفاعيل القوة تحكمها حالة تعدّد المراكز.
من تعدد المراكز إلى «العُقد الحاكمة»
هنا يصبح الربط بمفهومنا عن العقد الحاكمة Governing Nodes جزءاً لا يتجزأ من واقع الحال في لعبة موازين القوى الدولية. فليس كل مركز عقدة حاكمة. وليست كل عقدة مركزاً دائماً. فالعقدة الحاكمة هي تلك التي يصبح المرور عبرها ضرورياً في شبكة معينة.
وهنا يمكن أن يكون الفاعل صغيراً جداً، لكنه يمتلك تأثيراً ضخماً.
وهذا يعيدنا إلى مفهوم:
الفاعل بلا كتلة (Massless Actor).
فالوزن المادي للفاعل قد يكون محدوداً، بينما يكون موقعه الشبكي هائلاً.
وهنا ينبغي ألا نقيس القوة بالحجم وحده.
ربما نصوغ معادلة استراتيجية بناءً على ما سبق:
القوة الاستراتيجية = القدرة × الموقع الشبكي × درجة الاعتماد × حساسية الزمن.
وليست هذه معادلة رياضية بالمعنى الصارم والنهائي، بل أداة لفهم انتقال القوة من الكتلة إلى الموقع والعلاقة والتوقيت.
تعدد المراكز والانضغاط الاستراتيجي
هنا يصبح الربط مع مفهومنا عن الانضغاط الاستراتيجي Strategic Compression أكثر لزوماً؛ لأن المشكلة ليست فقط أن المراكز تعددت، بل لأنها أصبحت تتفاعل بسرعة هائلة:
قرار مالي يؤثر في التكنولوجيا، وقرار تكنولوجي يؤثر في الأمن، وحدث أمني يؤثر في الطاقة، والطاقة تؤثر في سلاسل التوريد، وسلاسل التوريد تؤثر في السياسة الداخلية، والسياسة الداخلية تعيد تشكيل القرار الخارجي وفقاً للتغذية الخلفية الراجعة، وكل ذلك قد يحدث خلال ساعات أو أيام.
إذن:
تعدد المراكز يضاعف عدد مصادر القرار، والانضغاط الاستراتيجي يقلّص الزمن الفاصل بين قراراتها وآثارها المتبادلة.
وهنا يصبح العالم أكثر صعوبة في القراءة، لا لأن المعلومات ناقصة، بل لأن العلاقات بينها تتغير أسرع من قدرة النموذج التقليدي على تثبيتها، وبتداخلات غير معهودة.
تعدد المراكز والانـبثاق
لو كان لدينا مركز واحد، كما كنا نتصور في النموذج التقليدي القديم، يمكن ـ نظرياً على الأقل ـ أن نتتبع القرار من الأعلى إلى الأسفل.
لكن الذي يحدث عندما يكون لدينا عشرات المراكز التي تتخذ قرارات مستقلة نسبياً مختلف كلياً، حيث تظهر نتائج لم يقررها أحد، وتكون النتيجة كتاباً بلا مؤلف! وإنما انبثقت Emerged من تفاعل قرارات متعددة.
وهذا ينسجم مباشرة مع مفهومنا عن:
الانبثاق المستمر Continuous Emergence. فالعالم متعدد المراكز لا ينتقل بالضرورة من نظام مستقر إلى نظام مستقر آخر.
بل إن مراكزه نفسها تتغير، وعلاقاتها تتبدل، وعقد الوصل تصعد وتهبط.
ومن ثم:
العالم لا ينتظم ولا يتبلور؛ إنه يتشكل… ويتشكل… ويتشكل.
التقاط الانبثاق الاستراتيجي
وهنا أيضاً يصبح مفهومنا عن التقاط وتحري الانبثاق الاستراتيجي ضرورياً. لأن المحلل التقليدي يبحث عن مركز القرار. أما المحلل في العالم متعدد المراكز فينبغي أن يبحث عن:
العلاقات التي بدأت تنتج شيئاً لم يكن موجوداً في أي عنصر منفرد منها.
وهنا يصبح السؤال:
ليس فقط ماذا قررت واشنطن؟ ولا ماذا قررت بكين؟
بل: ماذا ينتج عن قرارات واشنطن وبكين والشركات والأسواق والرقائق والطاقة وسلاسل التوريد والدول الوسيطة عندما تتفاعل كلها؟
المعلومة الاستراتيجية هنا قد لا تكون موجودة في أي جزء منفرد.
إنها موجودة بين كل الأجزاء.
نقطة الاستشراف
ومن هنا نصل إلى نقطة الاستشراف.
في النظام الهرمي كان الاستشراف يحاول توقع:
ماذا سيفعل المركز؟
أما في النظام متعدد المراكز فإن الاستشراف الحقيقي يصبح:
في أي موضع من الشبكة ستلتقي مجموعة من التحولات بحيث تنتج انبثاقاً جديداً؟
ليست النقطة التي نرى عندها المستقبل جاهزاً، بل النقطة التي تصبح عندها العلاقات القائمة قادرة على إنتاج شيء جديد. أي إننا لا نستشرف الحدث فقط، بل نستشرف:
شروط انبثاق الحدث.
الرشاقة الاستراتيجية
في بيئة متعددة المراكز لا تكفي الاستراتيجية الكبرى الجامدة؛ لأن المركز المؤثر اليوم قد لا يكون هو المركز المؤثر غداً. والعقدة التي كانت هامشية قد تصبح حاكمة. والتهديد قد يتحول إلى فرصة. والميزة التي كانت استراتيجية قد تتحول بسرعة إلى عبء.
ومن هنا تصبح الرشاقة الاستراتيجية Strategic Agility:
القدرة على إعادة توجيه الموارد والقرارات والعلاقات بسرعة عندما تتغير خريطة المراكز والعقد.
الرشاقة الاستراتيجية هي سرعة التحول مضافاً إليها صحة التقاط التحول.
ومن هنا يظهر «الزمن الاستراتيجي»
ليست جميع المراكز تتحرك بالسرعة والرشاقة نفسيهما. فالسوق قد يتحرك خلال ثوانٍ. والذكاء الاصطناعي خلال أسابيع أو أشهر. والحكومة خلال أشهر أو سنوات. والمؤسسة الدولية ربما تحتاج إلى سنوات.
إذن نحن لا نعيش فقط في مراكز متعددة، بل في أزمنة استراتيجية متعددة.
وهذا يعيدنا إلى مفهومنا عن الزمن الاستراتيجي Strategic Time. فقد يتفوق فاعل أصغر على فاعل أكبر، لا لأنه أقوى منه، وإنما لأنه يتحرك في زمن أسرع.
وهنا تصبح السرعة الكامنة في الرشاقة نفسها مصدراً للقوة.
وهنا يمكن صياغة قاعدة أخرى:
في العالم متعدد المراكز، لا ينتصر دائماً من يمتلك أكبر قدرة؛ بل قد يتقدم من يستطيع نقل قدرته إلى العقدة المطلوبة في الزمن المطلوب.
وهنا يلتقي:
تعدد المراكز مع الرشاقة الاستراتيجية مع الزمن الاستراتيجي مع الانضغاط الاستراتيجي.
لكن ثمة نتيجة أكثر خطورة
إذا تعددت مراكز القرار، فإن المسؤولية نفسها قد تتوزع عن النتيجة. وقد نصل إلى عالم:
توجد فيه نتائج هائلة، ولا يوجد فاعل واحد يستطيع أن يقول: أنا صنعتها.
كل طرف يفعل جزءاً. لكن مجموع الأجزاء ينتج حدثاً أكبر من الجميع. وهذا هو الوجه السياسي للانبثاق.
