الوضع الإستراتيجي في سوريا وإنعكاساته على أمن إسرائيل

"الوضع الاستراتيجي الراهن في سوريا وانعكاساته على أمن إسرائيل ومصالحها" عنوان كتاب هو السابع في سلسلة "قضايا استراتيجية: وجهات نظر إسرائيلية"، الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية - بيروت. يعالج الكتاب وجهة نظرة إسرائيل إزاء المتغيرات الأمنية والإستراتيجية في سوريا، بأقلام عدد من كبار الباحثين في معاهدها الإستراتيجية وصحفها، بالنظر إلى إنعكاس هذه المتغيرات على أمنها ومصالحها.

 منذ إندلاع الأحداث في سوريا في العام 2011، وما شهدته من تمتين لتحالفات إستراتيجية قديمة- جديدة، (إيران وروسيا وحزب الله)، ومن تراكيب لقوى محلية وإقليمية ودولية انخرطت في هذه الأحداث (أميركا وإسرائيل وتركيا ودول عربية وغربية وأكراد وحركات إسلامية متطرفة أمثال داعش والنصرة وغيرها…)، ثمة أسئلة طرحت وتطرح عن موقف إسرائيل من هذا المشهد؟

في هذا الكتاب “الوضع الاستراتيجي الراهن في سوريا وانعكاساته على أمن إسرائيل ومصالحها”، يبدو واضحاً قلق إسرائيل على أمنها القومي، وإستشعارها الخطر تحديداً من إيران وحليفها “الركن” حزب الله في ضوء المتغيرات التي شهدتها الساحة السورية.

في القسم الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان “الساحة الشمالية على مفترق طرق”، يرى أودي ديكل، وعنات بن حاييم، الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي الاسرائيلي أن “هناك فجوة كبيرة بين التوقعات بشأن سوريا والواقع على الأرض”، مع تركيزهما على مقولة أنه “مع رحيل الولايات المتحدة عن الساحة السورية، ستُترك إسرائيل وحدها فى حملة إبعاد إيران ووكلائها عن سوريا. فالإتجاه المقلق بالنسبة إلى إسرائيل هو أن تفوق العناصر الداعمة للرئيس السوري بشار الأسد، يوفر أرضأً خصبة لمزيد من تحصُّن إيران في هذا البلد على طريق فرض نفسها، جنباً إلى جنب وكلائها بقيادة حزب الله في الجنوب السوري ولبنان، وهذا يعد بمثابة تهديد مباشر ومكثف وقوي لإسرائيل.

ويعدد الباحثان المذكوران “مخاطر التموضع الإيراني في سوريا”، من توقيع إتفاقية مشتركة للدفاع والتعاون وإستثمارها في ثلاثة مستويات في وقت واحد هي:

أولاً، بناء قدرات هجومية عسكرية ضد إسرائيل في سوريا ولبنان من خلال منظومات من الصواريخ لا سيما صواريخ أرض – أرض الدقيقة، وصواريخ بر- بحر، وطائرات من دون طيار. وتعمل إيران أيضاً على تحقيق الهدف نفسه في لبنان من خلال تزويد حزب الله بالأسلحة المتطورة؛ صواريخ دقيقة وطائرات هجومية من دون طيار، وبناء أنفاق على طول الحدود اللبنانية – الإسرائيلية. كذلك في العراق (الذي أرسلت اليه مؤخراً صواريخ باليستية قصيرة المدى تشكل تهديدا لإسرائيل).

ثانياً، مساعدة نظام الرئيس الأسد في بناء منظومة قوات الأمن الداخلي، على أساس ميليشيات محلية ووطنية تخضع له وللسيطرة الإيرانية.

ثالثاً، العمل على تعزيز “المحور الشيعي” جزئياً من خلال توسيع النفوذ الشيعي في سوريا.

أودي ديكل: “مع رحيل أميركا عن الساحة السورية، ستُترك إسرائيل وحدها فى حملة إبعاد إيران ووكلائها عن سوريا”

يقول الباحثان ديكل وبن حاييم: “فى الخلاصة من الممكن أن يستوجب على إسرائيل في سنة 2019 أن تعالج أو أقله أن تنظر في سبعة تحديات مركزية في سوريا والساحة الشمالية الكبرى:

أولاً، لن تعود سوريا إلى سابق عهدها، وقد يكون نموذج الحكم أكثر صعوبة على السكان السئّة وخصوم النظام بل ربما أكثر تطرفاً من الماضي.

ثانياً، لن تنجح روسيا فى تثبيت نظام مستقر وفعّال في جميع أنحاء سوريا ومعالجة مشكلات البلد كافة.

ثالثاً، إن خروج الولايات المتحدة من الساحة هو قبول ضمني بنظام الأسد والنفوذ الإيراني في سوريا.

رابعاً، ستواصل إيران وحزب الله تعزيز وضعهما العسكري في سوريا ولبنان. ولا أحد يستطيع إخراج إيران من سوريا، حتى لو تمكنت إسرائيل من تأخير وتعطيل عملية التموضع باستخدام القوة العسكرية.

خامساً، سيكون مجال إسرائيل للعمل في سوريا محدوداً أكثر، وإذا قررت إعادة توجيه الجهود نحو إحباط مشروع حزب الله بشأن صواريخ أرض – أرض الدقيقة في لبنان وقدراته الهجومية الأخرى، فإن هذا سيزيد في خطر التصعيد على الجبهة اللبنانية، الأمر الذي يمكن أن يمتد إلى جميع أنحاء الساحة الشمالية، أي لبنان وسوريا معاً.

سادساً، عدم وجود المصادر أو الموارد الداخلية أو الخارجية الضرورية لإعادة إعمار سوريا.

سابعاً، لن تنجح القنوات السياسية وخصوصاً آستانا وجنيف في ردم الفجوات الهائلة بين جميع الأطراف المتشددة، أو بين القوى الإقليمية والعالمية المنخرطة في أحداث سوريا.

تدخل إيران وحزب الله

في القسم الثاني من الكتاب، الذي يحمل عنوان : “تدخل إيران وحزب الله وردة الفعل الإسرائيلية” هناك  تركيز على إيران ودورها في سوريا. يتحدث إفرايم كام، كبير باحثي معهد الأمن القومي الاسرائيلي في جامعة تل أبيب، عن “التدخل العسكري الإيراني في سوريا: نظرة مستقبلية”، فيقول “إن إحدى المسائل الأمنية المركزية التي تشغل مختلف الأجهزة الأمنية الاسرائيلية، هي إحتمال إستغلال إيران مشاركة قواتها وقوات حلفائها في القتال الدائر في سوريا من أجل تكريس وجود عسكري طويل الأمد في سوريا وعلى مقربة من الحدود مع إسرائيل خاصة”.

ويعالج الكاتب النفوذ الإيراني المستقبلي، بطرحه السؤال التالي: “هل سيكون نظام الأسد معنياً بإستمرار الوجود العسكري الإيراني في سوريا لفترة طويلة، أم أنه سيفضّل في مرحلة ما زواله أو تقليصه إلى أقصى حد ممكن على الأقل، كي لا يكون مكبلاً  بالإرادة الإيرانية زيادة عن اللزوم”؟ ويسلط الباحث الضوء على “مستقبل التدخل الإيراني في سوريا: نقاط القوة ومكامن الضعف”، ليستنتج أنه “خلال أعوام طويلة وخصوصاً بعد حرب لبنان الثانية، نجحت إسرائيل في إيجاد حالة من الردع القوي جداً في مقابل حزب الله”.

إفرايم كام: “حزب الله تكبّد خسائر أثناء قتاله في سوريا، لكنه اكتسب خبرة عسكرية قد تفيده في اي قتال مع اسرائيل”

وكما في المقالتين السابقتين، يكتب الباحثان أودي كيتل وعاميت فالنسي عن “التهديد الإيراني في سوريا: ما مدى خطورته”، فيخلصان إلى أن “إسرائيل  تنظر بقلق إلى التمركز الإيراني في سوريا، ففي القدس، لا يكتفون بالتعهدات الروسية بإبعاد القوات الشيعية التابعة للقيادة الإيرانية عن هضبة الجولان”. ويركز الباحثان على تعداد ما يسميانه ميليشيات إيران الشيعية في سوريا، ويقولان في هذا المجال إن “الذي يجري تداوله مؤخراً هو تشكيل وحدات من المتطوعين لتحرير هضبة الجولان تقوم بعمليات حرب عصابات عسكرية على الحدود، وتزعزع إستقرار الأردن، وتفتح جبهة سوريا في سيناريو نشوب حرب بين اسرائيل وحزب الله إلى جانب الميليشيات الشيعية في جنوب سوريا تحت غطاء التعاون مع الجيش السوري الموالي للرئيس بشار الأسد، وذلك على مسافة تسمح بالوصول سريعاً إلى منطقة الحدود في هضبة الجولان، الأمر الذي من شأنه إيجاد جبهة إضافية في المواجهة المحتملة بين حزب الله وإسرائيل، في موازاة الجبهة اللبنانية، وهذا ما لا تريده إسرائيل، مما يقتضي – حسب الكاتبين –توفير رد متشابك يتضمن مكونات من قوة ناعمة وقوية، عمليات مستقلة، التعاون مع لاعبين من القوى العظمى والإقليمية ومن القوى الداخلية السورية، إقناع الإدارة الأميركية بضرورة إقامة فاصل في الهلال الشيعي ودعم حكومة العراق”.

وينصح الباحثان الاسرائيليان “بالإستثمار الإسرائيلي في تعزيز الصلات بالقوى السنية والدرزية والكردية في الداخل السوري وتوثيقها، بهدف تحدي الوجود الإيراني من النواحي السياسية والإقتصادية والعسكرية، وتبني موقف واضح من مسألة مستقبل سوريا يتضمن تأييداً للتحرك الروسي في اتجاه حل يستند إلى هيئة فيدرالية تتلاءم مع موازين القوى الداخلية في البلد، وبذلك يمكن لجم سعي إيران للهيمنة على سوريا”.

رباط ثلاثي لا ينكسر

يضم القسم الثالث من الكتاب مقالات بعنوان “إيران – روسيا – سوريا: رباط ثلاثي لا ينكسر بسرعة”. يشدد الكاتب إفرايم كام، على أن “الوجود العسكري لإيران ووكلائها في سوريا يشكل تهديداً لإسرائيل”، مع إشارته إلى أن “حزب الله تكبّد خسائر فادحة نسبياً في أثناء قتاله في سوريا، لكنه في الوقت نفسه اكتسب خبرة عسكرية مهمة، يمكن أن تكون مفيدة في أي قتال قد ينشب في المستقبل ضد إسرائيل، كذلك هو الحال بالنسبة لإيران التي اكتسبت خبرة قتالية مهمة”.

من جهته، كتب الباحث في معهد السياسة والاستراتيجية في هرتسيليا إيلي كرمون عن “روسيا في الشرق الأوسط – الصلة السّنية”، فرأى “أن روسيا الآن هي في وضع من القوة يؤهلها لأن تكون وسيطاً للسلام فى بعض المناطق، وللمشاركة في الحفاظ على الاستقرار في الشرق الاوسط، وهو الاستقرار الذي يخدم بصورة رئيسية مصالحها وأهدافها الكبرى”. ويضيف أن أولويات موسكو الحالية تشمل هندسة إتفاق سلام سوري، وتوسيع العلاقات مع إيران، وتعزيز العلاقات مع مصر والعراق والأكراد (في كل من سوريا والعراق) ودول الخليج وغيرها من الدول العربية السّنية، والبقاء على إتصال وثيق بإسرائيل. وبالتالي فإن الدوافع الرئيسية لسياسات الكرملين في الشرق الأوسط هي دوافع جيوسياسية”.

كيتل وفالنسي: “اسرائيل لا تكتفي بالتعهدات الروسية بإبعاد القوات الشيعية التابعة للقيادة الإيرانية عن هضبة الجولان”

وفي مقالة بعنوان “الأزمة الروسية – الإسرائيلية بشأن سوريا تفتقر إلى استراتيجية مخرج”، يعالج يعقوب لابين الباحث في معهد “بيغن-السادات” للدراسات الاستراتيجية العلاقة بين روسيا وإسرائيل حول سوريا. ويقول “إن المصالح الإسرائيلية والروسية بدأت تتصادم وتتعارض في سوريا، فالموقف الروسي الجديد مناوىء للحملة الإسرائيلية ضد إيران، وبالتالي فإن موسكو والقدس لم تتمكنا حتى الآن من نزع فتيل الأزمة”، معتبراً “أن التطور الوحيد الذي يبدو أنه قد ينزع فتيل الأزمة الإسرائيلية – الروسية سيكون إنسحاباً إيرانياً من سوريا”.

أما تسفي برئيل المعلق السياسي في صحيفة “هآرتس”، فكتب تحت عنوان “بعد الإنتصار الكبير في سوريا: بوتين يواجه حقل الغام دبلوماسيا”.

خوذ بيضاء وأعلام صفراء

حمل القسم الرابع من الكتاب عنوان “تدخل إسرائيلي مُعلن”، وقد تضمن ثلاث مقالات، أبرزها ما كتبه نير بومس الباحث في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط، بعنوان “خوذ بيضاء وأعلام صفراء: نهاية حملة “جيرة حسنة” ونشره موقع 180 كاملاً في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2019: (180post.com/archives/6596 )

ترامب “الحائط المائل”

القسم الخامس من الكتاب حمل عنوان “التدخل الأميركي – قرار الإنسحاب”، وتضمن مقالتين الأولى، بعنوان “قرار الولايات المتحدة بسحب قواتها من سوريا: الدلالات بالنسبة إلى إسرائيل” للباحثين إلداد شافيط وأودي ديكل، والثانية، بعنوان “بعد الانسحاب الأميركي من سوريا: إبعاد الإيرانيين عن المنطقة لا يلوح في الأفق”، للمحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هرئيل.

لقد كانت إيران وخطرها على إسرائيل حاضرة في المقالتين توجساً وريبة. إذ يعتبر شافيط وديكل أن “الخطوة الأميركية بالانسحاب تخدم إيران التي يُعدّ أحد أهدافها الإستراتيجية تقليص الوجود الأميركي قدر الإمكان في الشرق الأوسط، وبصورة خاصة في سوريا”، ويشيران إلى أن “إسرائيل بقيت وحدها في المعركة ضد تمركز إيران في سوريا، وأكثر ما يمكن أن تحصل عليه هو دعم سياسي من الولايات المتحدة في إدارة النزاع”.

عاموس هرئيل: “ترامب أصبح حائطاً مائلاً لا يمكن الاتكاء عليه، حتى لو ظل يبدي تعاطفاً كبيراً تجاه إسرائيل”

أما هرئيل، فقد نَضَحَت من مقالته مشاعر الغضب من قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من سوريا فكتب  بلهجة التهكُّم: “من هو الحكيم الذي يستطيع أن يعرف السبب وراء قرار ترامب هذا؟ هل كان نتيجة أمر ما شاهده على شبكة “فوكس نيوز” التي يمضي جزءاً غير قليل من وقته في متابعة برامجها؟ أم أنه ربما أراد حرف النقاش الإعلامي سريعاً إلى موضوع آخر بعد أسبوع مأسوي بدا فيه كأن الحلقات تستحكم عليه أكثر فأكثر؟ أم ربما تذكّر وعده الإنتخابي بأن يعيد إلى أميركا هيبتها وعظمتها من خلال تقليص توظيفاتها في حروب بعيدة عن حدودها أيضاً”؟.

 ويضيف “بالنسبة إلى إسرائيل، ثمة إستنتاج فوري وعبرة بعيدة المدى بهذا الشأن، هو أن التطلع إلى إبعاد القوات الإيرانية والميليشيات الشيعية عن سوريا لن يتحقق خلال الفترة القريبة المقبلة، إذ يتضح أن روسيا قطعت لإسرائيل وعوداً وهمية تتبدد بعد مضي ستة أشهر فقط، بينما لا تبدي الولايات المتحدة أي حماسة لتقديم المساعدة”، واصفاً ترامب بأنه أصبح “حائطاً مائلاً لا يمكن الاتكاء عليه، حتى لو ظل يبدي تعاطفاً كبيراً تجاه إسرائيل”، مقارناً “خيبة الأمل الإسرائيلية بأنها مسألة صغيرة نسبياً إذا ما قورنت بالخيانة التي يشعر بها الأكراد الذين قدموا آلاف الضحايا من مقاتليهم من أجل دعم المعركة الأميركية ضد داعش، والذين سيبقون من دون أي ظهر عسكري سوري”. ويستنتج أن “التوقعات التي صدرت عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، والتي قالت إن روسيا ستغرق في المستنقع السوري الذي سيكون بمثابة فيتنام لها، تبددت جميعها أدراج الرياح”.

وإذ تناول القسم السادس عنوان “الدولة السورية”، والقسم السابع  عنوان “مستقبل سوريا”، فإن لتساؤل نائب رئيس جامعة تل أبيب في مقالته “لماذا إنتصر بشار في الحرب السوريا” ميزة مختلفة قد يجدها المتابع في مقالة الباحثين عنات بن حاييم وروب غايست بنفولد من أن “الهدف الإسرائيلي في هذا الوقت هو عرقلة ترسُّخ إيران ووكلائها في سوريا، ومنع تطوير ونقل القدرات الاستراتيجية والبنى التحتية العسكرية المتقدمة إلى الحكومة السورية أو حزب الله”، مستشرفاً أن “مستقبل سوريا هو في توزيع القوى العسكرية على الأرض”.

(*)كتاب “الوضع الاستراتيجي الراهن في سوريا وانعكاساته على أمن إسرائيل ومصالحها” الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، إشراف وتحرير أحمد خليفة، إعداد رندة حيدر، ترجمة عدد من المختصين، وتقديم العميد الركن السابق في الجيش اللبناني الدكتور هشام جابر.

 (**) صحافية لبنانية

منى سكرية

كاتبة وصحافية لبنانية

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download