ما بعد الليبرالية؟

بعد انهيار المعسكر الشرقي، تعالت أصوات تبشّر بتكريس الديمقراطية الليبرالية كأفق نهائي للتاريخ السياسي للبشرية «فكرة نهاية التاريخ»، وتدّعي قدرة التقدم التقني والرفاه المادي وحدهما على تلبية حاجات الإنسان المعاصر.

على امتداد العقود الأخيرة، حاولت أوساط دولية نافذة ــ واجهتها منتدى دافوس ــ فرض التسليم بأن العالم قد حسم اختياراته الفكرية والسياسية لصالح النموذج الليبرالي الحديث؛ نموذج يغرق في الفردانية، ويقوم على العقلانية التوظيفية التي تقارب كل شيء ــ موردًا بشريًا أو أصلًا ماديًا ــ أداتيًا، وتؤلّه علوية السوق، التي انتهت إلى إخراج المقدس الإيماني من المجال العام.
تمادت الأطراف التي تقف وراء هذا التوجه في فرض تصوراتها على المجتمعات، إلى أن أصبح العالم أمام أزمة لا يمكن إنكارها. والأزمة، التي لا يمكن الاكتفاء بردّها إلى اختلال التوازنات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، يرتبط عمقها، بالأساس، باضطراب في تصور الإنسان لمكانه في المجتمع والتاريخ، وبضيق الأفق القيمي والروحي المتاح في سياق سلعنة الحياة. الواقع الجديد اقترن بالعجز عن الإجابة عن سؤال جوهري: ما الدلالة والغاية للوجود، إذا بقي مركز السعي مختزلًا في التحصيل المادي ومراكمة القيمة؟
وقد شهد العالم، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، تصاعدًا لافتًا لخطاب ينتقد غياب المعنى، ويدعو إلى الرجوع إلى الأطر الثقافية والاجتماعية والسياسية المؤنسنة، التي تراجع دورها بسبب الليبرالية المفرطة. وتتبنى هذا التوجه أطراف تنتمي إلى فضاءات حضارية ودينية مختلفة، وتنتسب، على حد سواء، إلى اليمين واليسار. والتيارات المنادية بالرجوع إلى «المعنى» وكبح الانغماس المادي الاستهلاكي المفرغ من الغائية نجدها في المجال الشرقي، مرورًا بالفضاء الأوروبي، وصولًا إلى تيارات سياسية أمريكية جمهورية وديمقراطية.

وfرغم الاختلاف والتباين المرجعي الظاهري لهذه المشارب الفكرية، فإنها تلتقي في إدراك أزمة المعنى عند الإنسان المعاصر، الذي حقق الوفرة والإشباع المادي ــ دون عدالة التوزيع والمشاركة ــ وينعم بمزايا التقننة الشاملة، لكنه تائه في بحثه الدونكيشوتي عن وصفة السعادة الحقيقية، ويتخبط في سعيه لتحديد غاية الوجود.
وقد يكون اعتبار الخطاب، في مجمله، «محافظًا» ضربًا من المجازفة المفاهيمية؛ لأن الوصف يصعب توسيعه ليشمل اليسار بالمعنى الفكري والسياسي للكلمة. أما في الفضاءات ذات المرجعية الدينية، كالإسلام، فالنَّفَس القيمي أو المحافظ لا يحتاج إلى تدليل، لعدم خلو هذا الفضاء العقدي والفكري، في مفهمته وتعامله مع البناء السياسي والاجتماعي، من الدعوة إلى المزاوجة بين العقلي ــ الوضعي والروحاني ــ التنزيلي.
وما يمر به العالم اليوم من أزمات وحروب وصدامات هوياتية، وتصاعد للشعبوية والتطرف، أعاد إلى الواجهة سؤالًا ساد التصور طويلًا أنه حُسم نهائيًا: هل يمكن اختزال غائية كينونة الإنسان في تلبية الحاجات المادية وحدها؟ وهل يمكن للمجتمعات أن تتماسك دون مرجعية أخلاقية أو روحية تمنح الوجود معنى يتجاوز الاستهلاك والمنفعة؟
وستحاول هذه الورقة عرض بعض التأملات الفلسفية والسوسيولوجية الغربية في الفقر الغائي الذي تعيشه المجتمعات منذ بداية عصر النهضة والتصنيع. وفي قسم آخر، ستُعرض رؤية المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي تناول الإشكاليات نفسها. وقد يكون من أكثر من أصاب في تشخيص هنات الحداثة، مقترحًا حلولًا تراعي الحاجة المطردة إلى التجديد والتطور، دون التفريط في المعنى والغاية اللذين يجسدان الجوهر الروحاني للإنسان.

الخطاب القيمي في السياق الغربي

اللافت للانتباه أن المراجعات الفكرية التي اهتمت بمأزق التراجع الغائي المقترن بالحداثة لم تصدر عن تيار محافظ أو ديني واحد، بل شملت مفكرين ينتمون إلى اتجاهات ليبرالية ويسارية واجتماعية ديمقراطية، وهو ما يعكس اتساع الإدراك بأن سؤال المعنى لم يعد اعتراضًا أيديولوجيًا على الحداثة، وإنما أصبح أيضًا جزءًا من النقاش الداخلي حول مستقبلها وحدودها وإمكانات تجديدها.
وقد انتبه ماكس فيبر مبكرًا، والأغلب مشخصًا لا واعظًا، إلى ما سمّاه «نزع السحر عن العالم» Entzauberung der Welt، في إشارة إلى تمدد العقلانية والحداثة مقابل تراجع القيم والروحانيات. وركز مارتن هايدغر (Martin Heidegger) على أن نقد هيمنة التقنية يتجاوز جوهرها الوظيفي، وينصب على تحولها إلى إطار شامل لفهم العالم، يقيّد إدراك الإنسان للمعنى، ويحوله إلى مجرد عنصر في منظومة إنتاج واستهلاك. وهذا التشخيص الفلسفي يشير إلى أن فقدان المعنى ذو جذور وجودية عميقة، مرتبطة بعلاقة الإنسان بالوجود ذاته.
ويرى الفيلسوف الأمريكي كورنيل وست (Cornel West)، ذو الأصول الإفريقية، أن الانحلال الديني والروحي يظهر، في الولايات المتحدة، خاصة في الطابع التجاري للكنائس الكبرى وطقوسها المفرغة من العمق الروحي. وبالنسبة له، يجب أن تُستعاد الروحانية الحقيقية على أساس الحب والتضحية والتضامن مع المظلومين، كي لا يصبح الإيمان أداة للسلطة والربح، عوض أن يخدم الحق ويكرس العدالة. ويعتبر وست أن غياب المراجعة سيحول الكنائس إلى وسيلة لتحقيق الرضا الأخلاقي الذاتي الزائف، دون تأثير في الواقع وفظاعاته، من فقر واستغلال واستعمار وحروب وإبادة.
ولا تقتصر مراجعة الحداثة الليبرالية على الأسماء السابقة، بل تمتد إلى مفكرين آخرين قدموا مقاربات مختلفة لمسألة المعنى والأخلاق في المجتمعات الحديثة. فقد بيّن تشارلز تايلور، في تحليله لـ«العصر العلماني»، أن تراجع المرجعيات الدينية لم يُنهِ الحاجة الإنسانية إلى المعنى، بل أعاد تشكيلها في صور جديدة، مؤكدًا أن الإنسان المعاصر ما يزال يبحث عن أفق أخلاقي يتجاوز المنفعة الفردية.
ومن زاوية أخلاقية، انتقد ألسدير ماكنتاير، في كتابه «بعد الفضيلة»، تفكك المنظومات الأخلاقية الحديثة بعد انقطاعها عن تقاليد الفضيلة، معتبرًا أن الخطاب الأخلاقي الليبرالي فقد قدرته على تأسيس توافقات مستقرة بسبب تغليب الفردانية على الروابط المجتمعية.
أما يورغن هابرماس، وبرغم دفاعه عن المشروع الحداثي، فقد انتهى إلى الإقرار بأن الدولة الدستورية الحديثة لا تستطيع الاستغناء كليًا عن الموارد الأخلاقية التي تنتجها التقاليد الدينية والثقافية، داعيًا إلى حوار «ما بعد علماني» بين المؤمنين وغير المؤمنين داخل الفضاء العمومي.
وفي اتجاه سوسيولوجي موازٍ، وصف زيغمونت باومان الحداثة المتأخرة بأنها «حداثة سائلة»، تتآكل فيها الروابط الاجتماعية والهويات المستقرة تحت ضغط الفردانية والاستهلاك والعولمة، بما يعمق الشعور بالهشاشة واللايقين.
ولا يمكن فصل هذه المواقف «الاحترازات» عن الدور الذي لعبته قوى غربية، ولا سيما تيار العولمة الليبرالية، في تعميم نموذج ثقافي سعى إلى إعادة هندسة المعنى واستبدال المقدس التقليدي بمنظومات معيارية كونية تُفرض كمرجع أخلاقي مدولن، تحت عناوين الحقوق الفردية المطلقة والهويات القطاعية والهوس بالخلاص البيئي.
وفي المجتمعات الغربية ما بعد الدينية، لم يؤدِّ تراجع المقدس إلى تجاوز الحاجة إلى المعنى أو تحرير الإنسان من الأطر المعيارية، بل أفضى إلى إعادة إنتاجه في صيغ بديلة يمكن وصفها بـ«الإيمان المعلمن». ففي الفراغ الذي خلفه انحسار المرجعيات اللاهوتية، جرى تحميل قضايا أخلاقية أو هوياتية، مثل الجندر أو البيئة، وظيفة معيارية خلاصية «تأليفية» وخلاصية مطلقة، فتحولت من أطروحات للنقاش العمومي غير الملزم إلى منظومات اعتقاد شبه دينية، تُدار بمنطق «الطهارة الأخلاقية» و«الاصطفاف القيمي والسياسي»، أكثر مما تُدار بمنطق الحجاج الفكري المؤطر داخل السياق التاريخي.
ينطبق هذا على العلمانية، التي نشأت من باب الحرص على فصل اللاهوتي عن الوضعي، دون نية التصادم أو الإلغاء، وانتهت إلى إحلال معتقد بديل يمارس مطاردة التدين بغطاء الحرص على حماية الفضاء العام من تدخل الدين.
وقد أفضى هذا التحول إلى ما يشبه «الملائكية الأخلاقية»، التي تُقدَّم بوصفها إنسانوية كونية، لكنها تنطوي، في بعض تجلياتها، على نزعة استعلاء ثقافي تعيد تعريف الآخر الديني، ولا سيما الإسلام، باعتباره مشكلة ثقافية بنيوية، لا معتقدًا تأسست حوله تجربة حضارية معروضة للبحث والفهم، وقابلة للتحليل والنقد.
ويكشف هذا المسار عن مفارقة الحداثة المتأخرة؛ فالمقدس لا يختفي، بل يعيد تشكيل نفسه في صورة أيديولوجيا أخلاقية، وهو ما قد يكون نبّه إليه ماكس فيبر من خلال الإشارة إلى «نزع السحر عن العالم».
وقد اهتم المفكر الروسي ألكسندر دوغين (Alexander Dugin) بما أسماه «أزمة المعنى»، في سياق نقده لما بعد الحداثة الغربية، وأكد أن التفكيك المعرفي والفلسفي للفكر ما بعد الحداثي يُظهر فراغًا قيميًا واختلالًا في الهوية الحضارية في المجتمعات الغربية. ويعتبر دوغين أن الإنسان المفتقر إلى إطار ميتافيزيقي أو تاريخي واضح معرض للاغتراب والإفراط في النزعة الاستهلاكية.

 تبعات الاهتزاز القيمي المعياري على السياسة في الغرب

ازداد وضوح الحاجة إلى مسار «محافظ» منذ بداية القرن الحادي والعشرين، مع تراجع الترابط الأوروـأطلسي، لا سيما في أعقاب التحولات التي رافقت إدارة أوباما، وما تلاها من ميل أمريكي إلى الانكفاء النسبي. وأظهر تصاعد خطاب «أمريكا أولًا» في عهد ترامب هشاشة الروابط الاجتماعية والهويات الجماعية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وأسهم في بروز تيارات محافظة ركزت على استعادة القيم والهوية ضمن المجتمع والدولة.
غير أن الإشكالي في هذا السياق أن بعض هذه التيارات وجد نفسه على تماس مباشر مع اليمين المتطرف، بما يحمله أحيانًا من نزعات إقصائية وعنصرية قابلة للانزلاق نحو أطروحات فاشية. وهنا يقدم الأنثروبولوجي والمؤرخ الفرنسي إيمانويل تود (Emmanuel Todd) تحليلًا سوسيولوجيًا للأزمة التي يمر بها المجتمع الأمريكي، موضحًا أن انحسار القيم البروتستانتية المحافظة، مثل الانضباط الأسري والمسؤولية الجماعية، كان عاملًا رئيسيًا في تراجع القوة السياسية والتأثير الثقافي للولايات المتحدة.
وفي تحليله للمجتمع الفرنسي، يعتبر تود أنه يواجه أزمة اقتصادية وتصفيرًا للدين تحول إلى خواء أخلاقي بسبب المغالاة في الحجاج باللائكية، التي يرى أنها تحولت إلى غطاء للإسلاموفوبيا و«هوس بالتعويض على حساب الأقليات». واللافت، في تشخيص تود، أنه يرى نوعًا من التكرار التاريخي للظاهرة؛ فكما أدى تراجع البروتستانتية في ألمانيا، بين 1870 و1930، إلى تصاعد معاداة السامية والنازية، يرى أن تحول اللائكية في فرنسا من حياد الدولة تجاه المقدس إلى عداء للدين وضع الواقع تحت سيطرة ما أسماه «لائكية راديكالية»، تحولت، حسبه، إلى «دين اللادينيين المتطرفين».
والمقلق، حسب Todd، أن المعترضين على إظهار المسلمين لعلامات التدين، واعتبار موقفهم السياسي تجاه الفلسطينيين معاداة للسامية، يعارضون، في الحقيقة، كل أنواع الالتزام الديني، كذلك الكاثوليكي والبروتستانتي واليهودي، ويستسهلون المجاهرة بموقفهم ضد المسلمين بسبب موازين القوى المجتمعية والسياسية. وطبعًا، يستفيدون من إمكانية دمج المواقف في سياق رفض الهجرة وملفات الحقبة الاستعمارية المفتوحة.
وضمن تحليل غير فلسفي يرتكز على تجربة ميدانية واسعة، اهتم الجنرال الفرنسي ورئيس الأركان العامة السابق بيير دوفيليي (Pierre de Villiers) بأبعاد سياسية أكثر عملية، مشيرًا إلى أن تآكل الالتزام الوطني والحس بالواجب أديا إلى ضعف الروح السيادية والحضارية في فرنسا وأوروبا. والجنرال، الذي لا يخفي أنه كاثوليكي ملتزم، يشير كذلك إلى الفراغ الروحي وضعف الالتزام الديني كأحد مشكلات المجتمع.
ولا يخفي دو فيلييه موقفه الأمني الحازم تجاه التطرف والراديكالية المسجلة بين بعض الشباب المسلمين، خاصة في الأوساط السجنية، إلا أنه ــ خلافًا للعلمانيين الراديكاليين ــ يعتبر أن وجود المسلمين في فرنسا والتزامهم الشعائري من شأنه المساعدة على بقاء المقدس عنصرًا فاعلًا في المجال العام.
وفي تطور لافت لخطاب اليسار الراديكالي الفرنسي، اعتبر جون لوك ميلانشون (Jean-Luc Mélenchon)، زعيم تيار «فرنسا المنتفضة»، خلال اجتماع انتخابي بداية 2026، أن دعوته إلى التآخي ونبذ العنصرية، على أساس المساواة واعتبار كل طرف مقابل في المجتمع «صنوًا أو نظيرًا»، ليست بعيدة عن الخطاب الكنسي. ويعترف بأنه، رغم تجاوزه للمسائل الإيمانية منذ زمن، بحكم فهمه المادي للتاريخ، فإنه يرى الاشتراك مع الخطاب الديني في الدعوة إلى احترام الآخر شيئًا من البديهيات.

إقرأ على موقع 180  ​"اتفاق الإطار": نزعُ سيادةٍ مقنّعٍ يضعُ لبنان على حافة الانفجار

مالك بن نبي: دقة التشخيص وواقعية الطرح

تناول الإنتاج الفكري لمن اهتموا بأزمة المعنى يظهر مسارين رئيسيين: مسار فلسفي ــ وجودي، يركز على تشخيص الأزمة في بنية الوعي الحديث وعلاقة الإنسان بالوجود، ويسعى إلى استعادة أفق المعنى خارج الإطار التقني دون تقديم حلول سياسية مباشرة «هايدغر»؛ ومسار محافظ سياسي ــ تصحيحي، ينطلق من نقد أخلاقي واجتماعي للحداثة الغربية، ويركز على إعادة توجيه المجتمع ضمن النظام القائم، مع الحفاظ على القيم التقليدية أساسًا لمعالجة الانحرافات الاجتماعية والأخلاقية. وهذا ينقلنا إلى جانب من التجربة الإسلامية.
حاولت التجربة الإسلامية، في نقد الحداثة، تقديم نماذج حلول مختلفة، لعل أقلها حظًا في الانتشار وفي التفعيل الواقعي طروحات المفكر مالك بن نبي، رغم الوضوح البنيوي لمرتكزات فكره، الذي سبق العديد من التيارات الغربية المعاصرة في تشخيص أزمة الإنسان والحضارة.
وقد أشار بن نبي، منذ منتصف القرن العشرين، من خلال فكرة «القابلية للاستعمار»، إلى أن التخلف ليس نتاج الهيمنة الاستعمارية فحسب، بل مرتبط بفقدان الإنسان قابليته للفاعلية والإنتاج الحضاري، وغياب الرؤية الأخلاقية والمعرفية التي توجه النشاط البشري. ويشكل فكره جسرًا بين التشخيص الوجودي العميق، كما عند هايدغر، والطرح الإصلاحي العملي، كما عند المحافظين الغربيين، لكنه يتجاوزهما من حيث أسبقية الفكرة وشموليتها.
ويرتكز مشروع بن نبي على أربعة عناصر مركزية: إصلاح الإنسان قبل المجتمع والمؤسسات؛ إخضاع العلم والتقنية لأفق أخلاقي يجعل الإنسان غاية لا وسيلة؛ ربط الإصلاح الفردي بالمشروع الحضاري الشامل؛ واعتبار الفكرة الدينية أو الإطار القيمي عاملًا ديناميكيًا للتجديد الحضاري، لا مجرد مرجعية هوياتية جامدة.
وقد برزت وجاهة هذا الطرح بوضوح بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين انهارت الثقة بالأنظمة الاقتصادية الغربية نتيجة تقديس القيم الفردية والسوق الحرة، على حساب الروابط الاجتماعية والأخلاقية. ففي حين انشغل المحافظون الغربيون بإصلاح المؤسسات وتحسين أداء الاقتصاد، سبق بن نبي إلى التأكيد على أن إصلاح الإنسان وإعادة إنتاج المعنى في الحياة هما الأساس لأي مشروع حضاري ناجح.
وعلى المستوى التقني والثقافي، يلتقي انتباه هايدغر إلى تحدي هيمنة التقنية، عند التحول إلى نمط تفكير شامل، مع تنبيه بن نبي إلى أن العلم بلا وعي أخلاقي قد يتحول إلى أداة تحكم في الإنسان، بدل أن يكون وسيلة لخدمته. ويؤكد بن نبي أن أي مشروع حضاري متماسك لا بد أن يوازن بين المعرفة والتطور التقني من جهة، وبين الغايات الإنسانية من جهة أخرى، مع الحفاظ على الروابط الاجتماعية والأفق القيمي، وتعظيم الإنسان وعلاقته بنظيره كجوهر خالص، بمعزل عن أي تصنيف، وبعيدًا عن كل أنواع التراتبية الثقافية أو العرقية.
ويمكن اعتبار هذا الطرح امتدادًا لمبادئ أخلاقية وإنسانية قديمة، أرست القواعد للتعايش داخل المجتمعات عبر قرون طويلة، وعبّرت عنها ديانات وفلسفات متعددة بصياغات متقاربة. ولعل أبلغ تعبير عن ذلك مقولة الإمام علي بن أبي طالب (ع): «الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق». كما تلامس مقولة المسيح (ع)، التي وردت في إنجيل متى: «فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم، افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم». وورد عن كونفوشيوس معنى قريب جدًا من مقولة المسيح (ع)، لكنها بصيغة الامتناع عن الفعل: «ما لا ترغب أن يفعله الناس بك، لا تفعله أنت بهم». وتوجد عدة أقوال قريبة في النصوص البوذية، منها ما معناه: «عامل الآخرين بالطريقة التي تراها مناسبة لك».
ومن خلال العرض السابق، نلاحظ أن العالم قد يكون بصدد الانتقال إلى مرحلة «ما بعد ليبرالية»، تعود فيها أسئلة الهوية والمعنى والانتماء إلى قلب النقاش السياسي، بعد عقود من هيمنة التصورات التي اختزلت الإنسان في كائن اقتصادي، أو مستهلك داخل «سوق معولمة».
وتظهر الطروحات السابقة شبه توافق على أن أزمة الغرب، التي تسللت تمظهراتها إلى أغلب المجتمعات، بما فيها الشرقية المسلمة، ليست أزمة تعريف للعلاقة مع التقنية التي اكتسحت كل المجالات، بقدر ما هي أزمة قيم ومعنى. ويبدو أن القناعة بدأت تترسخ بأن تراجع ــ وأحيانًا تغييب ــ الأسس الأخلاقية والثقافية في الفضاء العام كان العامل الحاسم في التشتت السياسي، محليًا ودوليًا.
هذا الوضع عرف أكبر لحظات الانكشاف بالتواطؤ «السلبي أو النشط» في إبادة الفلسطينيين، وفيما ظهر من ملفات حول السقوط الأخلاقي للنخب الحاكمة. وقد يعكس تراجع قدرة الغرب على المحافظة على مواقع الريادة، رغم بقاء عناصر القوة المالية والعسكرية، ما يشبه التفكك الرمزي.
وتكشف المقارنة بين الطرح الأوراسي، والتجربة الإسلامية، والنزعة المحافظة الغربية بشقيها الأوروبي والأمريكي، أن أزمة العصر ليست في غياب البدائل الروحية، بل في صعوبة تحويل النقد إلى مشروع تجدد حضاري متكامل؛ فالحضارات لا تنهار فجأة، بل تتلاشى قوتها عندما تفقد تدريجيًا قدرتها على الاستجابة الإبداعية للتحديات.
وإذا ما استحضرنا فكرة جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter)، يمكن تشبيه المرحلة الراهنة بـ«التدمير الخلاق» (schöpferische Zerstörung)؛ أي إننا بصدد التحول إلى بنية ثقافية شاملة جديدة، وهذا يشبه الانقلاب المعرفي الذي قد ينهي غلبة ما شيدته الثقافة الغربية الحديثة منذ «عصر التنوير».
ويحق الاستفهام، بلغة ميشال فوكو (Michel Foucault): أليس ما نعيشه اليوم أشبه بانتقال «إبستيمي» جديد؟ وما مدى ارتباط أزمة المعنى باحتمال زوال النماذج أو البراديغمات التي حكمت تصنيفنا للتيارات السياسية لعقود إلى محافظة وتقدمية؟
ولا شك أن الرجوع إلى المعنى هو انعكاس لحالة من القلق والضبابية، التي تجعل الاستشراف والتخطيط أمرًا عسيرًا. والمتابع لحالة الاستعصاء في عديد القضايا الدولية، واللجوء المتزايد إلى العنف، أو التلويح به كأحد الحلول المرجحة، يدرك أن البنيان القيمي والقانوني لما بعد الحرب العالمية الثانية، وما تلاه من ترتيبات بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، قد استنفدا فاعليتهما.
وما تكرره عديد الدول ذات التأثير الإقليمي «مصر، جنوب إفريقيا، إيران، ماليزيا، البرازيل…» وأخرى بثقل قطبي «روسيا، الصين»، حول ضرورة إعادة رسم أسس التعامل في العلاقات الدولية، يتعدى التنبيه إلى ضرورة تصحيحية، ويندرج ضمن المطالبة الملحة بتوافقات كونية بناءة لتبني رؤى غير تصادمية، تجنب الإنسانية مخاطر الانزلاق إلى مسارات مجهولة العواقب.
فالحروب الكونية الشاملة لم تعد مجرد افتراض نظري من قبيل «المستقبل الشارد»، وإنما فرضية جدية تصنف في خانة «المستقبل الوارد». والحال بما هو عليه يستدعي التعامل بأقصى درجات الحكمة، والحس الحضاري المسؤول، المترفع عن الحسابات السياسوية الخاضعة للأفق الانتخابي الظرفي.
وفي الفضاء العربي، تزداد الحاجة إلى تقييم الموقف «الجهوي والإقليمي والدولي» بعقل بارد، ووضع الخيارات بمنطق الدولة، والتجرد مما شاب تركات الماضي «العقدية والأيديولوجية» من انحرافات.
وفي النهاية، يمكن القول إن الرهان الحقيقي يكمن في القدرة على العيش في قلب العصر دون التفريط بالمعنى، ودمج التشخيص الفلسفي العميق بالإصلاح العملي. وهنا تتجلى أسبقية المشروع الفكري لمالك بن نبي، الذي جمع بين نقد الحداثة وإصلاح الإنسان، والدعوة إلى إعادة إنتاج المعنى في أفق حضاري شامل.

(*) بالتزامن مع منصة “أنفاس” المغربية

Print Friendly, PDF & Email
حامد بن إبراهيم

كاتب تونسي مُقيم في ألمانيا، استشاري في العلاقات الدولية

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  حرب نتنياهو على لبنان.. حتمية