«باركورسوب»: في فرنسا.. حين تتحوّل المساواة إلى منافسة

ما الذي يدفع عشرات آلاف التلامذة والطلاب الفرنسيين إلى إغلاق ثانوياتهم، وتعطيل الدراسة في جامعاتهم، والنزول إلى الشوارع في عاصمة ومدن بلد لطالما تفاخر بأن التعليم فيه حقّ جمهوري لا امتياز طبقياً؟

منذ أواخر أيلول/سبتمبر 2026، تشهد فرنسا موجة احتجاجات طلابية واسعة، بدأت بسبب النقص في المدرّسين وتدهور الأبنية المدرسية واكتظاظ الصفوف، ثم اتسعت لتطال مستقبل التعليم نفسه. وفي قلب هذه الحركة برز اسم منصة رقمية باتت تختصر، في نظر كثير من الشباب، القلق من المستقبل وانعدام الثقة بوعود المساواة: «باركورسوب» (Parcoursup)، المنصة الحكومية التي تنظم طلبات الالتحاق بمعظم مؤسسات التعليم العالي الفرنسية.

لم يعد الأمر مجرد احتجاج على بطء الإجراءات أو طول قوائم الانتظار. ففي 21 تشرين الأول/أكتوبر، انسحبت أربع منظمات طلابية وتلاميذية من جلسة تشاور حكومية خُصصت لإصلاح المنصة، معتبرةً أن المقترحات المطروحة لا ترقى إلى مستوى الأزمة. ما يكشفه هذا التوتر أن المشكلة لم تعد تقنية فحسب، بل أصبحت سياسية واجتماعية، وربما فلسفية أيضاً. فخلف الشاشة التي تعرض للطالب احتمالات قبوله أو ترتيبه على قائمة الانتظار، تختبئ أسئلة أقدم بكثير من الثورة الرقمية: من يملك الحق في الوصول إلى المعرفة؟ وهل تكفي الجدارة الفردية لتحقيق المساواة في مجتمع تتفاوت فيه الموارد والفرص منذ الولادة؟ وهل ما زالت الجامعة الفرنسية أداة للارتقاء الاجتماعي، أم أنها تتحول تدريجياً إلى مؤسسة تدير الندرة وتعيد إنتاج الفوارق القائمة؟

التمييز واضح

لفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى إصلاح البكالوريا الفرنسية الذي ارتبط باسم وزير التربية السابق جان ميشيل بلانكيه (Jean-Michel Blanquer). فقد ألغى الإصلاح الشُّعب الثلاث التقليدية للبكالوريا العامة، العلمية والأدبية والاقتصادية والاجتماعية، واستعاض عنها بجذع تعليمي مشترك ومجموعة من مواد الاختصاص (spécialités) يختارها التلميذ في مرحلة مبكرة من دراسته الثانوية. وعلى الورق، تبدو الفكرة جذابة، إذ تمنح الطالب حرية تركيب مساره الدراسي وفق ميوله وقدراته. لكن الحرية هنا ليست موزعة بالتساوي. فالتلميذ الذي ينتمي إلى أسرة ميسورة، ويستفيد من إرشاد تربوي جيد، يستطيع أن يختار مواده وهو يعرف مسبقاً متطلبات كليات الهندسة والطب والمدارس العليا. أما ابن الأسرة التي تفتقر إلى هذه الخبرة فقد يكتشف، بعد عام أو عامين، أن اختياراته قلّصت فرصه في بعض المسارات العلمية. وهكذا تتحول قرارات يتخذها مراهق في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة إلى عناصر مؤثرة في مستقبله الجامعي والمهني، وإن لم تكن بالضرورة أحكاماً نهائية تغلق الأبواب كلها.

وتتعمق المشكلة عندما ننتقل من اختيار المواد إلى تقييم الأداء الدراسي. فقد أدخل إصلاح البكالوريا نظاماً يمنح التقييم المستمر (contrôle continu) نسبة 40% من العلامة النهائية، مع بقاء 60% للامتحانات النهائية. ولم تختفِ الامتحانات الوطنية كما يعتقد البعض، لكن العلامات المدرسية باتت تؤدي دوراً أكثر وضوحاً في الملفات التي تدرسها مؤسسات التعليم العالي. وهنا تبرز معضلة يصعب تجاهلها: هل تعني علامة 18 من 20 في ثانوية متواضعة في إحدى الضواحي الباريسية ما تعنيه العلامة نفسها في ثانوية نخبوية مثل «هنري الرابع» (Henri-IV) أو «لويس لوغران» (Louis-le-Grand)؟

لا توجد قاعدة وطنية تقضي بتخفيض علامات طلاب الضواحي لمصلحة طلاب المؤسسات المرموقة، لكن معرفة لجان القبول باسم الثانوية الأصلية تفتح الباب أمام أحكام مسبقة محتملة تتعلق بسمعتها ومستواها الاجتماعي. وليست هذه مجرد مخاوف نظرية؛ ففي شباط/فبراير 2026 أوصى تقرير برلماني فرنسي بحذف اسم الثانوية من الملفات المرسلة إلى لجان القبول، خشية أن يتحول إلى مصدر للتمييز الجغرافي والاجتماعي.

أما التفاوت بين الفتيات والفتيان، فيضيف بُعداً آخر إلى هذه الإشكالية. فقد أثار إصلاح البكالوريا انتقادات بسبب تقليص حضور الرياضيات في الجذع المشترك، قبل أن تتخذ الوزارة إجراءات تصحيحية، منها إعادة تعليم رياضي مخصص إلى السنة الأولى من المرحلة الثانوية العليا اعتباراً من 2023، وإقرار اختبار مبكر في الرياضيات ابتداءً من دورة البكالوريا لعام 2027. ومع ذلك، تكشف إحصاءات وزارة التربية أن 33.7% فقط من الفتيات في السنة النهائية العامة اخترن اختصاص الرياضيات عند الدخول المدرسي لعام 2025، مقابل 58.8% من الفتيان. ولا يجوز ردّ هذا التفاوت إلى الإصلاح وحده، فالأحكام الاجتماعية المسبقة المتعلقة بالعلوم والرياضيات أقدم منه بكثير. لكن النتيجة تستحق التأمل: عندما تتكون الخيارات التعليمية في بيئة غير متكافئة، ثم تصبح أساساً للقبول الجامعي، فإن النظام الرقمي قد يعيد إنتاج تفاوتات سابقة بدلاً من تصحيحها.

معايير القبول والتقييم

وإذا كانت هذه الاختلالات تبدأ قبل الوصول إلى «باركورسوب»، فإن طريقة عمل المنصة تمنحها شكلاً جديداً يصعب على كثيرين فهمه. فالمنصة لا تتخذ وحدها قرارات قبول الطلاب، كما أن خوارزميتها الوطنية لا ترتب المرشحين أكاديمياً من تلقاء نفسها. تقوم لجان داخل المؤسسات الجامعية والمدارس العليا بفحص الملفات وترتيب أصحابها، وقد تستعين بأدوات حسابية لتسهيل عملها، ثم تستخدم المنصة هذه الترتيبات لتوزيع عروض القبول وفق قواعد محددة. وقد نُشرت آليات التوزيع الوطنية، لكن جزءاً من الجدل يتعلق بما يجري داخل المؤسسات نفسها: ما الوزن الحقيقي للعلامات؟ وكيف تُقيَّم ملاحظات المدرسين؟ وما القيمة التي تُمنح لاسم المدرسة أو للأنشطة الشخصية أو لرسالة الدافع؟

وتزداد حساسية هذه الأسئلة عندما تدخل الاعتبارات القانونية على الخط. ففي قرار أصدره المجلس الدستوري الفرنسي في 3 نيسان/أبريل 2020، أقرّ مشروعية حماية سرية مداولات لجان القبول، لكنه لم يمنحها حصانة مطلقة من الشفافية. فالمرشح يستطيع، بعد صدور القرار المتعلق بطلبه، أن يطلب معلومات عن معايير دراسة ملفه، كما يتعين على المؤسسات نشر المعايير المستخدمة ومدى الاستعانة بالمعالجة الخوارزمية بعد انتهاء إجراءات القبول. ومع ذلك، تبقى المسافة كبيرة بين الإعلان العام عن المعايير وتمكين الطالب من فهم كيفية ترتيب ملفه تحديداً مقارنة بآلاف الملفات الأخرى. ومن هنا تولد مفارقة العصر الرقمي: كلما ازداد عدد البيانات المتاحة، لم يزدد بالضرورة إحساس الفرد بأنه يفهم القرار الذي يرسم مستقبله.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة من الالتباس. فبعض المؤسسات تطلب من المرشحين كتابة رسالة دافع (lettre de motivation)، يشرحون فيها أسباب اختيارهم للاختصاص ومدى استعدادهم له. ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح إعداد رسالة مصقولة لغوياً أسهل بكثير، حتى لمن لا يمتلك القدرة على كتابتها بنفسه. والمفارقة أن رسالة يفترض أن تكشف شخصية الطالب قد تتحول إلى نص نموذجي يشبه آلاف النصوص الأخرى. ولا توجد أدلة كافية للقول إن الجامعات الفرنسية تعتمد بصورة عامة على ذكاء اصطناعي يقرأ هذه الرسائل ويمنحها علامات آلية، لكن مجرد احتمال الاستعانة الواسعة بأدوات الفرز، في مقابل استعانة المرشحين بأدوات الكتابة الآلية، يطرح سؤالاً جدياً: ماذا يبقى من التقييم الشخصي عندما يصبح التعبير عن الذات قابلاً للتصنيع؟ وهل نقيس دوافع الطالب الحقيقية، أم قدرته على تقديم الصورة التي يتوقع النظام أن يراها؟

الفوارق الطبقية

هنا تحديداً يعود عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (Pierre Bourdieu) إلى قلب النقاش، وكأن نظريته في إعادة الإنتاج الاجتماعي (reproduction sociale) كُتبت لفهم بعض تناقضات التعليم الرقمي المعاصر. فقد بيّن بورديو أن المدرسة لا تعمل دائماً على إزالة الفوارق الطبقية، بل قد تعيد إنتاجها عندما تكافئ أنماطاً من الثقافة واللغة والسلوك يكتسبها أبناء الطبقات الميسورة داخل أسرهم. وما تسميه المؤسسات التعليمية اليوم «المهارات الشخصية» أو «المهارات الناعمة» (soft skills)، وما تقدّره من نشاطات تطوعية وثقافية ورياضية، قد يخضع للمنطق نفسه. فمن السهل أن يبدو طالب شارك في مخيمات علمية، وتعلم لغات أجنبية، ومارس أنشطة ثقافية منظمة، أكثر جاهزية من طالب اضطر إلى العمل في العطل أو رعاية إخوته أو الاكتفاء بما توفره مدرسته من نشاطات. قد يمتلك الثاني موهبة أكاديمية تفوق الأول، لكن ملفه لا يسمح دائماً بإظهارها بالطريقة التي تكافئها لجان القبول. ومن الإنصاف الإشارة إلى أن خانة الأنشطة والاهتمامات في «باركورسوب» اختيارية، وأن وزنها يختلف باختلاف المؤسسات؛ غير أن المشكلة الأعمق لا تكمن في وجود هذه الخانة وحدها، بل في الاعتقاد بأن جميع الطلاب يمتلكون الوسائل نفسها لبناء سيرة شخصية جذابة.

إقرأ على موقع 180  "الأطلسيون مرّوا من هنا".. "المارينز" في المستنقع اللبناني

ولا يقتصر تأثير التفاوت الاجتماعي على قرارات لجان القبول، بل يبدأ قبل تقديم الطلبات نفسها. فبعض الشباب لا يتقدمون أصلاً إلى المؤسسات المرموقة، لأنهم يعتقدون أن فرصهم ضئيلة، أو لأن محيطهم المدرسي والعائلي لا يشجعهم على ذلك. وتُعرف هذه الظاهرة في علم الاجتماع بالإقصاء الذاتي أو الرقابة الذاتية (autocensure). وقد أظهرت دراسة نشرها معهد السياسات العامة الفرنسي في كانون الأول/ديسمبر 2025 أن قبول طالب من ثانوية معينة في اختصاص جامعي يزيد احتمال تقدم طلاب الثانوية نفسها إليه في السنة التالية، من 35% إلى 40% في الحالات التي درستها، بما يؤكد أهمية القدوة والمعلومات وشبكات العلاقات في تشكيل الطموحات. فإذا كان الاطلاع على نجاح زميل سابق قادراً على تغيير الخيارات التعليمية، فكم من موهبة تبقى خارج المنافسة لا بسبب تدني مستواها، بل بسبب ضيق الأفق الذي تفرضه عليها بيئتها الاجتماعية؟

والأخطر أن هذا القلق بات يتزامن مع توسع التعليم العالي الخاص، بما فيه القطاع الربحي. ففي كل موسم قبول جامعي، تعيش أسر كثيرة أشهرس من الترقب وهي تراقب ترتيب أبنائها على قوائم الانتظار. ولا يعني ذلك أن معظم المرشحين ينتهون بلا عروض؛ فقد أفادت الحصيلة الرسمية لعام 2026 بأن 91.5% من تلامذة المرحلة الثانوية الذين قدموا طلبات حصلوا على عرض قبول واحد على الأقل. لكن هذه النسبة لا تقول وحدها شيئاً عن مدى توافق العرض مع رغبات الطالب أو قدراته أو ظروفه الاقتصادية. فقد يحصل الطالب على مقعد في اختصاص لا يريده، أو في مدينة لا تستطيع أسرته تحمل تكاليف الإقامة فيها. وهنا يصبح الانتظار نفسه عبئاً نفسياً ومادياً، وتغدو المؤسسات الخاصة، التي تتقاضى بعض برامجها آلاف اليوروهات سنوياً، بديلاً تلجأ إليه أسر تخشى ضياع سنة دراسية كاملة.

ومن الضروري التمييز هنا بين التعليم الخاص غير الربحي والمؤسسات الخاصة المتعاقدة مع الدولة والقطاع التجاري الهادف إلى الربح. فهذه ليست فئات متطابقة، كما أن إدراج مؤسسة خاصة في «باركورسوب» لا يعني تلقائياً أنها مؤسسة ربحية أو أن برنامجها يفتقر إلى الاعتراف الرسمي. غير أن توسع التعليم العالي الخاص الربحي في فرنسا حقيقة أقرت بها وزارة التعليم العالي نفسها، عندما أشارت في كانون الثاني/يناير 2025 إلى أن هذا القطاع قد يستقطب ما يصل إلى 15% من إجمالي الطلاب، وأعلنت تشديد الرقابة على المؤسسات التي تمارس تضليلاً تجارياً. والمشكلة السياسية هنا ليست أن كل مقعد خاص يحل محل مقعد حكومي بصورة مباشرة، فهذا استنتاج يحتاج إلى أدلة، بل أن نقص القدرة الاستيعابية أو عدم ملاءمة بعض العروض الجامعية قد يحول قلق الأسر إلى طلب تجاري مربح. وهكذا يتجاور الحق في التعليم مع سوق يتحدد فيها جزء من الخيارات وفق القدرة على الدفع.

الكفاءة والعدالة

لكن جوهر التحول يبقى أعمق من المنافسة بين الجامعات الحكومية والمؤسسات الخاصة. إنه يمس التصور الفرنسي التاريخي لوظيفة التعليم العالي. فقد كرّس قانون سافاري (Loi Savary) الصادر عام 1984 مبدأ انفتاح المرحلة الجامعية الأولى أمام حاملي البكالوريا، وأكد حرية المرشح في اختيار المؤسسة التي يرغب فيها. لكن هذا الحق لم يكن مطلقاً أو غير مشروط؛ إذ نص القانون نفسه على إجراءات لتنظيم التسجيل عندما يتجاوز عدد الطلبات القدرة الاستيعابية للمؤسسات. ثم جاء قانون التوجيه والنجاح الطلابي لعام 2018 (Loi relative à l’orientation et à la réussite des étudiants)، الذي أنشأ الإطار التشريعي لـ«باركورسوب»، ليعطي دراسة الملفات وترتيب المرشحين دوراً أكثر مركزية، بما في ذلك في الاختصاصات الجامعية التي تُعد غير انتقائية من حيث المبدأ عندما يفوق الطلب عدد المقاعد المتاحة. لم يلغِ القانون الجديد الحق في التعليم العالي، لكنه أعاد صياغة طريقة ممارسته في ظل المنافسة على الموارد المحدودة.

وهنا تبرز دلالة الانتقال من «الحق الجمهوري» إلى ما يمكن تسميته «رأسمالية المنصات» (Platform Capitalism). فالمنصة تعتمد على آليات توزيع ومطابقة مستمدة من نظرية تصميم الأسواق (Matching Theory)، وترتبط تقنياً بعائلة خوارزميات المطابقة المستقرة التي طوّرها الرياضيان ديفيد غيل (David Gale) ولويد شابلي (Lloyd Shapley). ولا يعني هذا أن المقعد الجامعي تحول قانونياً إلى سلعة تُباع في مزاد، أو أن الخوارزمية صُممت بهدف خصخصة الجامعة. فهذه الآليات تُستخدم أيضاً في تنظيم موارد عامة، ويمكن أن تحقق توزيعاً أكثر انتظاماً من الوسائل القديمة، بما فيها القرعة التي استُخدمت سابقاً في بعض الاختصاصات المكتظة. لكن النقد الفلسفي لا يتوجه إلى المعادلات الرياضية نفسها، بل إلى الخيارات السياسية التي تحدد ما يُوزَّع، وعلى من، ووفق أي أولويات. فالخوارزمية قادرة على توزيع المقاعد الموجودة، لكنها لا تستطيع إنشاء مقاعد جديدة، أو تعيين أساتذة إضافيين، أو إلغاء الفوارق التي أنتجها المجتمع قبل أن يفتح الطالب ملفه الرقمي.

ولعل المفارقة الأوضح أن بعض المسؤولين والخبراء يعترفون بهذه الحدود. ففي شباط/فبراير 2026، وصف تقرير برلماني أعدّه النائبان بييريك كوربون (Pierrick Courbon) وفرانتز غومبس (Frantz Gumbs) «باركورسوب» بأنها نجاح تقني وإخفاق سياسي، معتبرين أنها لم تتمكن من تصحيح الفوارق الاجتماعية والثقافية القائمة، بل قد تسهم في استمرارها أو تفاقمها. وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ فمن الممكن أن تعمل المنصة بدقة حسابية عالية، وأن ترسل ملايين العروض وتقلص بعض فترات الانتظار، ومع ذلك تفشل في تحقيق العدالة الاجتماعية التي يُفترض أن تخدمها. فالكفاءة الإدارية ليست مرادفاً للعدالة، والقدرة على معالجة مليون ملف لا تعني بالضرورة منح مليون شاب فرصاً متكافئة.

المساواة الجمهورية

من هنا ينبغي قراءة الغضب الطلابي الفرنسي اليوم. فالاحتجاجات لا تستهدف «باركورسوب» وحدها، بل تشمل نقص المدرسين وتدهور ظروف الدراسة والضغوط المالية على المؤسسات التعليمية، ولا يصح اختزال جميع المشاركين في موقف سياسي واحد. ومع ذلك، أصبحت المنصة رمزاً مكثفاً لأزمة أوسع: أزمة جيل يشعر بأنه مطالب باتخاذ قرارات مصيرية في سن مبكرة، وتطوير مهاراته وتسويق ذاته باستمرار، والتنافس على فرص يقال له إنها متاحة للجميع، بينما يعرف من تجربته اليومية أن نقطة الانطلاق ليست واحدة. وفي الوقت الذي تتحدث فيه المؤسسات عن المرونة والكفاءة وتحسين التوجيه، يسأل هؤلاء الشباب عن الحق في الاختيار الحقيقي، لا مجرد الاختيار بين الاحتمالات المتبقية بعد أن تكون الظروف الاجتماعية قد رسمت معظم الحدود.

ليست القضية إذن أن التكنولوجيا شرّ بطبيعتها، أو أن العودة إلى نظام القبول القديم ستحل المشكلات تلقائياً. فذلك النظام كان يعاني بدوره من الاكتظاظ والقرعة والتفاوت الجغرافي والاجتماعي. القضية هي أن فرنسا تواجه اختباراً حقيقياً لمعنى المساواة الجمهورية في القرن الحادي والعشرين. فهل ستكتفي الدولة بإصلاح واجهة «باركورسوب»، وتحسين شفافية المعايير وتسريع الردود، أم ستعيد النظر في تمويل التعليم العام وتوزيع الفرص والقدرة الاستيعابية للجامعات؟ وهل ستتبقى المدرسة أداة تمنح الفرد فرصة تجاوز طبقته الاجتماعية، أم تصبح مؤسسة تعترف بالفوارق القائمة وتعيد ترتيب أصحابها داخل قوائم رقمية؟

في الخلاصة؛ ما يجري في الثانويات والجامعات الفرنسية يتجاوز الصراع على خوارزمية أو برنامج إلكتروني. إنه صراع بين تصورين للتعليم: تصور يرى أن مهمة الدولة الأساسية هي تنظيم المنافسة على المقاعد المتاحة بأكبر قدر من الكفاءة، وتصور آخر يرى أن واجبها يبدأ قبل المنافسة، بتوفير شروط فعلية تسمح لكل شاب بأن يختار مستقبله من دون أن تحدده ثروة أسرته أو اسم مدرسته أو عنوان سكنه.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في أن تقرر الآلة مستقبل الطلاب، بل في أن نترك المجتمع يقرر هذا المستقبل مسبقاً، ثم نطلب من الآلة أن تمنح ذلك القرار مظهر الحياد والموضوعية.

Print Friendly, PDF & Email
مازن الغول

كاتب وباحث لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  مبادرة ماكرون: أقل من حكومة وأكثر من بلدية!