«تحوّلات اليسار» لشادي منصور: سيرة الأفكار في حياة أصحابها

تحمل الأفكار الكبرى شيئاً من مصائر الذين آمنوا بها. تكبر في أحلامهم، وتدخل بيوتهم، وترافقهم إلى المصانع والجامعات والسجون ومواقع القرار. وعندما تصبح الفكرة دولة، تتغير طبيعة الأسئلة المحيطة بها: كيف تُوزَّع الثروة؟ من يمتلك القرار؟ كيف تُصان الحرية؟ وأي مسافة تفصل الوعد الأول عن الحياة التي نشأت باسمه؟ من هذه الأرض الغنية بالتجارب والتناقضات، يقترب شادي منصور في كتابه «تحوّلات اليسار في لبنان والعالم»، الصادر عن دار زمكان (بيروت)، من تاريخ سياسي وفكري وإنساني أسهم في تشكيل العالم الحديث، وترك بصماته في العمل والثقافة والفن والعلاقات الاجتماعية.

يختار منصور لهذا التاريخ الواسع طريقة تمنحه حرارة الحكاية. يقترب من شخص أو حادثة أو تفصيل، ثم يوسّع مجال النظر حتى تتضح البيئة التي احتضنت ذلك التفصيل. ينتقل من الفرد إلى الجماعة، ومن الواقعة إلى شروطها، ومن السيرة الشخصية إلى حركة الأفكار والمصالح. وبهذا الانتقال بين القريب والبعيد، يمنح القارئ فرصة اكتشاف الصلة بين ما يقع في حياة إنسان بعينه وما يتحرك في مجتمع كامل. تصبح الحكاية طريقاً إلى المعرفة، ويكتسب التحليل أرضاً محسوسة يمشي عليها.

تبدو هذه الخصوصية الفنية أساسية في كتاب يتناول موضوعاً تتشابك فيه المصطلحات والمدارس والانقسامات. فالقارئ يستطيع أن يرافق الشخصيات والتجارب، وأن يفهم عبرها كيف تنشأ القناعة، وكيف يتحول الالتزام إلى تنظيم، وكيف يكتسب التنظيم نفوذاً، ثم كيف تُختبر مبادئه عند ملامسة السلطة. يمنح هذا الأسلوب الكتاب إيقاعاً محبباً، ويتيح للمادة الفكرية أن تبلغ جمهوراً واسعاً، مع احتفاظها بأسئلتها الجدية. ولعل إحدى مزاياه أنه يعيد إلى التاريخ كثافته البشرية: وراء المواقف الحزبية أفراد يمتلكون أمزجة ومخاوف وطموحات، ووراء القرارات الكبرى تفاصيل تتراكم حتى تصنع مصيراً جماعياً.

يتسع مفهوم اليسار في هذا الكتاب ليشمل عائلة من التجارب والتيارات. تتجاور الاشتراكية والشيوعية والحركات النقابية ومسارات الإصلاح الاجتماعي، وتظهر أشكال متعددة من الوصول إلى التأثير: الثورة، والحكم، والبرلمان، والعمل النقابي، والحضور الثقافي. ومن خلال هذا التنوع، يتبين أن تاريخ اليسار تشكّل عبر استجابات مختلفة لسؤال العدالة، وأن اختلاف المجتمعات وشروطها ترك أثره العميق في طبيعة الإجابات. يحمل الاسم الواحد تجارب تتباعد في تنظيم الاقتصاد، وفي فهم الدولة، وفي العلاقة بين القيادة والقاعدة، وبين المبادرة الفردية والمصلحة العامة.

تأخذ التجربة السوفياتية مكانها بوصفها اختباراً تاريخياً ضخماً لتحول النظرية إلى دولة. وهنا يقتضي الإنصاف النظر إلى الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية، وإلى الأثمان البشرية والسياسية معاً. فالتعليم والصحة والتصنيع والحراك الاجتماعي عناصر تستحق وزنها، كما تستحق البيروقراطية والمركزية واحتكار القرار فحصاً دقيقاً. يكتسب السؤال قوته عندما يتجه إلى العلاقة بين الجانبين: كيف تتقدم قدرة الدولة على التعبئة والبناء، وكيف تتطور معها سلطة المجتمع على المشاركة والمحاسبة؟ وما الذي يحدث للفكرة عندما يصبح استمرار المؤسسة الحاكمة أولوية تتحكم في تفسيرها وتطبيقها؟

وتتيح كوبا والصين مجالاً آخر للمقارنة. تتقدم التجربة الكوبية بما حملته من تطلعات اجتماعية، وما واجهته من ضغوط وصعوبات، فيما تطرح الصين المعاصرة أسئلة البراغماتية الاقتصادية وعلاقة السوق بالتوجيه السياسي. ويستمد الجمع بين هذين النموذجين قيمته من الفروق بينهما: حجم المجتمع، وموقعه في الاقتصاد العالمي، وموارده، وخيارات قياداته. هكذا يستطيع القارئ تتبع التحولات التي تطرأ على المشروع السياسي وهو يتعامل مع ضرورات التنمية، وحاجات الناس، وموازين القوى الدولية.

وتدخل بلغاريا ورومانيا ضمن هذه الخريطة، إلى جانب التجارب الأوروبية، وخصوصاً فرنسا، حيث امتلك اليسار سبل حضور متشعبة. فثمة أحزاب وصلت إلى الحكم، وأخرى راكمت تأثيرها عبر النواب والبلديات والنقابات والشخصيات العامة. وتفتح هذه المسارات سؤالاً مهماً عن معنى النجاح السياسي: هل يُقاس بحجم التمثيل الانتخابي، أم بعمق التحولات في حياة العامل والموظف والطالب؟ وكيف تُترجم الأفكار إلى تشريعات وخدمات وحقوق؟ هنا تصبح التفاصيل اليومية معياراً لفحص الشعارات، ويغدو أثر السياسة في معيشة الناس جزءاً مركزياً من تقييمها.

ويحضر لبنان بما يحمله من تعقيد اجتماعي وسياسي، وبما عرفه من نضالات عمالية ونقابية وطلابية، ومن صلات عميقة بالقضية الفلسطينية وبالتحولات العربية. تلتقي في تجربته أسئلة الطبقة والطائفة، والتحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، والثقافة والتنظيم. وتمنح هذه الأرض القريبة القارئ مدخلاً إلى فهم الصعوبات التي واجهها اليسار في تحويل حضوره الفكري والنضالي إلى قوة سياسية مستدامة. كما تتيح تأمل العلاقة بين اتساع التأثير الثقافي ومحدودية القدرة على تغيير البنية التي تنتج الامتيازات وتعيد توزيع الولاءات.

ويزداد الكتاب حيوية عبر انفتاحه على الأدب والفنون. فحضور بيكاسو والسورياليين يوسّع البحث نحو علاقة الخيال بالتحرر، وعلاقة الفنان بالقضايا التي اختار الانحياز إليها. يحمل الفن هنا أسئلته الخاصة، وتظهر المسافة التي يقطعها المبدع بين حريته الفردية ومتطلبات الالتزام الجماعي. وتمنح هذه المسافة تاريخ اليسار غناه الثقافي، بما تختزنه من تجاذب بين الرغبة في تغيير العالم والرغبة في توسيع حدود التعبير عنه.

وتأتي تحية كاريوكا لتمنح هذا المسار كثافة خاصة. يجتمع في سيرتها الفن الشعبي والانتماء السياسي والحضور الاجتماعي، فيما تفتح كتابة إدوارد سعيد عنها أفقاً لقراءة الثقافة العربية من خلال تفاصيل الجسد والإيقاع والذائقة. وتغدو هذه الشخصية مدخلاً إلى السؤال عن الأمكنة التي تسكنها السياسة: في العمل الفني، وفي اختيارات الفنان، وفي الصلات التي يقيمها مع الناس وقضاياهم. بهذا المعنى، يتسع تاريخ اليسار للوجوه التي منحت أفكاره لغة حسية وحياة يومية.

إقرأ على موقع 180  مختبر زياد الرحباني.. التفرد فنّاً ومعرفةً

تكمن جاذبية «تحوّلات اليسار» لشادي منصور في جمع هذه المسارات ضمن قراءة تسعى إلى الإنصاف، وتتعامل مع التجربة باعتبارها مادة مفتوحة للفهم والمساءلة. وتبقى قيمة هذا الاتساع مرتبطة بقدرته على إظهار الفروق بين النماذج، وإعطاء كل منها سياقه ووزنه. فالكتاب الذي يستعيد تاريخ اليسار يضع أمام قارئه أيضاً أسئلة الحاضر: كيف تتجدد فكرة العدالة؟ كيف يشارك الناس في صناعة القرارات التي تنظم حياتهم؟ وكيف تحافظ المشاريع الطامحة إلى تحرير الإنسان على صلتها بصوته وحريته وحقه في مراجعة الطريق؟

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  "الغارديان": بوتين قد يكسب حرب أوكرانيا!