لبنان يفاوض صندوق النقد.. بداية متعثرة
سياسة اعتصام ساحة رياض الصلح ( عباس سلمان )

علي نورعلي نور15/05/2020
دخل لبنان يوم الإثنين الماضي مرحلة التفاوض المباشر مع صندوق النقد من خلال جلسة تمهيديّة،  تلتها جلسة عمليّة أولى (الأربعاء)، وبرغم الأجواء المتفائلة، يبدو أن لبنان دخل مرحلة التفاوض بنقطة ضعف كبيرة، تتمثل في غياب التنسيق بين الأطراف الرسميّة اللبنانية المعنيّة؛ أوّلاً، من ناحية تحفّظ مصرف لبنان على خطّة الإصلاح الحكومي التي يُفترض أن تشكّل ورقة عمل الدولة اللبنانية كلها في مفاوضاتها مع الصندوق؛ وثانياً، من خلال عدم وجود إجماع سياسي داخلي على مقاربة الملف.

لم يحتج وفد صندوق النقد الدولي إلى أكثر من جلستين مع الوفد اللبناني، إحداهما تمهيديّة، لإكتشاف التباين الكبير بين مقاربات ممثلي مصرف لبنان في الوفد، من جهة، ومقاربة باقي أعضاء الوفد، من جهة أخرى. خلال الجلستين، عبّر ممثلو مصرف لبنان من دون مواربة عن إنتقادات مباشرة طالت خطة الإصلاح الحكومي وتوجّهاتها وقراءتها للأزمة (وضعتها شركة “لازار”)، وهو ما دفع ممثلي صندوق النقد الدولي إلى توجيه نصيحة قاسية لأعضاء الوفد اللبناني: “ربّما عليكم التواصل أكثر في ما بينكم، قبل موعد الجلسات المقبلة”، كما يقول أحد أعضاء الوفد اللبناني المفاوض.

لا إنسجام مع المصرف المركزي

إذاً دخل لبنان المفاوضات بوفد غير منسجم بتاتاً، وهو ما يمكن إعتباره إنعكاس لأبرز نقطة ضعف تعاني منها البلاد بينما تخطو أولى خطواتها في مسار المفاوضات الشاقة مع “الصندوق”، وهي إعتراض مصرف لبنان على نقاط جوهريّة في تشخيص وزارة الماليّة والحكومة للحسابات والأرقام المالية وتصوّراتهما للحلول الممكنة. فحاكم مصرف لبنان ما زال يرفض بشكل قاطع القراءة التي قدّمتها خطّة الإصلاح الحكومي للفجوة الكبيرة في ميزانيّات مصرف لبنان، والناتجة عن خسائر متراكمة على مدى السنوات الماضية. وهو يصرّ، حسب مقربين منه، على إعتبار هذه الفجوة مجرّد خسائر مدوّرة بالأرباح المستقبليّة، أي خسائر تتراكم في الميزانيّات بإنتظار شطبها مستقبلاً بإستعمال الأرباح التي سيحققها المصرف المركزي في المستقبل، وتعطي المصادر مثالاً على ذلك، مسألة الديون التي تعتبرها الخطة الحكومية (ضمناً “لازار”) هالكة، وهي بقيمة تزيد عن 12 مليار دولار، بينما هي ليست كذلك إذ أن معظم المقترضين يرهنون عقارات مقابل قروضهم، علما أن النسبة الأكبر من هؤلاء المقترضين يشكلون نسبة 90 % من أصحاب الودائع فوق النصف مليون دولار في المصارف اللبنانية (يملكون حوالي 80 مليار دولار)، أي لا يمكن تصنيف ديونهم هالكة. ويعطي مصرف لبنان مثلاً ثانياً هو ما إعتبرته الخطة فجوة مالية، وهي ديون المصرف المركزي على الدولة اللبنانية، وهذه وحدها لا تصنف كذلك وفق معايير معظم المصارف المركزية في العالم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن مصرف لبنان أقرض الحكومة خلال خمس سنوات (2014ـ 2019) حوالي 15 مليار دولار لتمويل حاجات الدولة اللبنانية.

يستشهد المصرف المركزي هنا بوجود 28 مصرفاً مركزياً حول العالم يستخدمون هذه الأساليب المحاسبيّة لتسجيل الخسائر في الميزانيّات، ويستعمل هذه الحقيقة لدحض توصيف الخطّة لهذه الخسائر كفجوة ينبغي التعامل معها في سياق المعالجات الماليّة المقبلة. لكنّ هذه الحقيقة تتجاهل أنّ إستخدام بعض المصارف المركزية لهذه الأساليب المحاسبيّة عادةً ما يكون لفترة محدودة جدّاً، وبمبالغ محدودة التأثير على سيولة المصارف المركزيّة وقدرتها على الوفاء بإلتزاماتها. أمّا في الحالة اللبنانيّة، فقد بلغ حجم هذه الخسائر المتراكمة ما يقارب الـ42.8 مليار دولار أميركي، وهو ما يفوق ضعفي حجم السيولة القابلة للإستعمال الموجودة بحوزته، وقد جرت مراكمة هذه الخسائر خلال فترة تتراوح بين 15 و20 سنة.

التحدّي الأوّل الذي سيواجه الحكومة قبل المضي قدماً بنجاح في مفاوضاتها مع صندوق النقد هو كيفية التعامل مع هذه التباينات التي يعبّر عنها مصرف لبنان، خصوصاً أن أية خطّة إنقاذيّة لن تتمتّع بالمصداقيّة اللازمة في حال لم تتوفّر لها عناصر الإنسجام عند التنفيذ بين السلطتين النقديّة والتنفيذيّة

نقطة التحفّظ الثانية التي يعبّر عنها المصرف المركزي بخصوص توجّه الحكومة وخطّتها تتعلّق تحديداً بفكرة تحميل جزء من الخسائر لرساميل القطاع المصرفي، إذ يعتبر أن هذه الفكرة تنطوي على نسف للقطاع المصرفي بشكل كامل، وتقويض لأية إمكانيّة لنهوض القطاع في المستقبل. لكنّ مصرف لبنان لم يقدم حتى الآن تصوراً واقعياً بديلاً لهذا الطرح، خصوصاً أن فكرة إستخدام الأموال العامّة لإنقاذ قطاع مصرفي متعثّر ستطيح بإمكانيّة الحصول على أي دعم خارجي في المستقبل.

وهكذا، يبدو أنّ التحدّي الأوّل الذي سيواجه الحكومة قبل المضي قدماً بنجاح في مفاوضاتها مع صندوق النقد هو كيفية التعامل مع هذه التباينات التي يعبّر عنها مصرف لبنان، خصوصاً أن أية خطّة إنقاذيّة لن تتمتّع بالمصداقيّة اللازمة في حال لم تتوفّر لها عناصر الإنسجام عند التنفيذ بين السلطتين النقديّة والتنفيذيّة، فكيف إذا كانت مراكز القرار في صندوق النقد، أقرب ما تكون إلى وجهة نظر مصرف لبنان المركزي؟

ولذلك، يمكن القول إن اللقاء الذي جمع وزير الماليّة غازي وزني وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، امس (الخميس)، هدف إلى وضع خارطة طريق تضمن الإنسجام في المرحلة المقبلة من المفاوضات. ومن المفترض أن يصار إلى تحديد النقاط التي يجب التفاهم عليها للتعبير عن موقف موحّد، ولو بالحد الأدنى، أمام صندوق النقد، بالإضافة إلى تحديد النقاط التي يمكن الإبقاء فيها على هامش من الإختلاف المنسّق بشأنها بين مصرف لبنان والحكومة اللبنانية، على قاعدة توزيع الأدوار بينهما خلال المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد.

المصارف تتحرّك

التحدّي الثاني الذي يواجه الحكومة بالتوازي مع إنطلاق المفاوضات مع صندوق النقد يكمن في ضبط الحركة الضاغطة التي بادرت المصارف اليها بالتزامن مع إنطلاق المفاوضات. فبحسب المعطيات المتوفّرة، بدأت المصارف اللبنانية بتحريك اللوبيات التي تعمل بالتنسيق معها في الولايات المتحدّة، وتحديداً لدى وزارة الخزانة الأميركيّة، بهدف خلق توجّه مؤاتٍ لها ومتناسق مع مصالحها لدى الإدارة الأميركيّة. ومن المعروف أنّ الولايات المتحدة تمثّل الطرف صاحب النفوذ الأقوى داخل صندوق النقد الدولي (20% من الأسهم)، ومن الطبيعي أن يفشل أي برنامج مقترح في صندوق النقد بمجرّد وجود “فيتو” أميركي عليه.

تعمل المصارف اليوم على إستغلال هذا التطابق في الأولويّات لإستدعاء ضغط أميركي من خلال وزارة الخزانة الأميركيّة ونفوذ الولايات المتحدة في صندوق النقد، بهدف إبعاد التوجّهات الرسميّة اللبنانيّة عن هذا النوع من الخطوات، اي توسيع قاعدة المساهمين في المصارف

عمليّاً، تمثّل فكرة المساس بأسهم المصارف، أي ملكيّتها، النقطة الأكثر إزعاجاً في خطّة الإصلاح الحكومي بالنسبة إلى القطاع المصرفي اللبناني. وفي الوقت نفسه، تملك الإدارة الأميركيّة حساسيّة شديدة تجاه هذا النوع من الأفكار بالتحديد، خصوصاً أنّها تمس بهويّة القاعدة الإجتماعية والطائفية والإقتصادية التي تملك النفوذ وسلطة القرار في النظام المالي اللبناني. ولذلك، تعمل المصارف اليوم على إستغلال هذا التطابق في الأولويّات لإستدعاء ضغط أميركي من خلال وزارة الخزانة الأميركيّة ونفوذ الولايات المتحدة في صندوق النقد، بهدف إبعاد التوجّهات الرسميّة اللبنانيّة عن هذا النوع من الخطوات، اي توسيع قاعدة المساهمين في المصارف.

ولذلك، سيكون التحدّي بالنسبة إلى الحكومة في هذا الملف بالذات محاولة ضبط تحرّكات المصارف اللبنانيّة، والحد من إستعمالها لنفوذها بشكل يتناقض مع الجهود الرسميّة في ملف التفاوض مع صندوق النقد. وعمليّاً، سيستلزم هذا الأمر إطلاق مسار التفاوض مع المصارف اللبنانيّة في أقرب وقت ممكن، وتوظيف جميع الأوراق التي يمكن للحكومة أن تستخدمها لترويض نشاط المصارف اللبنانيّة وتأثيرها في الخارج.

الكهرباء أولاً

 من المفترض أن يتابع وفدا لبنان وصندوق النقد إجتماعاتهما، في ما يؤشّر إلى إصرار القيّمين على الإسراع في مسار المفاوضات، ربّما إدراكاً من الطرفين إلى حساسيّة عامل الوقت بالنسبة إلى لبنان في هذه المرحلة بالذات. وبحسب الخطّة، ستحمل كل جلسة عنواناً رئيسياً لمعالجته على حدة، بينما يرأس الوفد اللبناني وزير الماليّة، ويحضر معه إستشاريّون ومدراء من وزارة الماليّة ومصرف لبنان ورئاستي الجمهوريّة والحكومة.

وبحسب ما تسرّب من الجلستين التمهيدية والأولى، لم يلمس الوفد اللبناني أي تحوّل في أولويات أو هواجس الصندوق “المتعارف عليها”. هاتان الجلستان أظهرتا أن صندوق النقد ما يزال يركّز على مسألة الإصلاحات في قطاع الكهرباء كمسألة أساسيّة في جدول الأعمال، وهو ما أجاب عنه الوفد اللبناني، وتحديداً وزير المالية، بالإشارة الى توجّه الحكومة إلى إنجاز التعيينات في مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان خلال الأسبوع المقبل، بالإضافة إلى توجّه الحكومة إلى تسريع مسار التفاهم مع شركات دولية عريقة، أبرزها “سيمنز” الألمانية، لبناء معامل الكهرباء الجديدة.

بالإضافة إلى ذلك، تلمّس الوفد اللبناني من صندوق النقد الإتجاه إلى طلب تحرير سعر الصرف بشكل فوري، بالإضافة إلى التوجّه لطلب ترشيق القطاع العام وإعادة النظر بدعم الدولة للقطاعات الحيويّة، وإعادة النظر بتعرفة الكهرباء. أما في موضوع التهريب والمعابر الغير شرعيّة، فظلّ الحديث في العناوين العامّة من دون الدخول في التفاصيل التي تثير في العادة حساسيّات سياسيّة عند التطرّق لهذا الأمر.

من المفيد أن يتصوّر المعنيون “الخطة باء” البديلة، في حال فشل لبنان في الحصول على تمويل الحد الأدنى الذي تأمّلت به خطّة الإصلاح الحكومي من صندوق النقد، بما فيها الأموال التي يطلبها لبنان للتعامل مع أزمة كورونا

الإجماع السياسي المفقود

وعدا عن فقدان الإنسجام بين الفريق اللبناني التقني (وزارة المال ومصرف لبنان)، ثمة مشكلة أكبر تتمثل في فقدان الإجماع السياسي حول التوجّه المطلوب في الإصلاحات الماليّة والإقتصاديّة. وبعد أن صوّت وزراء “التيار الوطني الحر” مع خطة الإصلاح، عاد رئيس التيار جبران باسيل لإبداء ملاحظاته حول العديد من تفاصيل الخطّة. أمّا “حزب الله”، فما زال في موقع التبنّي لخطة الإصلاح، لكنّه أيضاً في موقع الحذر جدّاً إزاء الشروط التي سيبادر صندوق النقد إلى وضعها على الطاولة، وهو ما ألمح إليه الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، في خطابيه السياسيين الأخيرين. كما أثّرت السجالات والتجاذبات السياسيّة على تعاطي بعض الفرقاء الأخرين مع الخطّة نفسها، كما حدث مع رئيس “تيار المردة” الوزير السابق سليمان فرنجية الذي قاطع الجلسة المخصصة لمناقشة الخطّة في بعبدا، على خلفيّة الإشتباك السياسي المستعر حاليّاً بينه وبين “التيار الوطني الحر”. وأخيراً، كان واضحاً أن الأحزاب الوازنة الموجودة خارج الحكومة لم تحاول حتّى الدخول في نقاش حول تفاصيلها، وإكتفت بالتعبير عن إعتراضات عامّة على عناوينها الكبيرة.

وبمعزل عن كل هذه العقبات، تقفز إلى الواجهات إشكاليّة أكبر. فمع حلول أزمة كورونا خلال الأشهر الماضية، وتنامي الطلب على رزم تمويل الصندوق، وتزايد الضغوط الماليّة على الدول الغربيّة والنفطيّة، أصبح من الواضح أن على لبنان أن يقتصد في توقّعاته وتأمّلاته من الصندوق أو من الجهات الداعمة الأخرى. ولذلك، قد يكون من المفيد أن يتصوّر المعنيون “الخطة باء” البديلة، في حال فشل لبنان في الحصول على تمويل الحد الأدنى الذي تأمّلت به خطّة الإصلاح الحكومي من صندوق النقد، بما فيها الأموال التي يطلبها لبنان للتعامل مع أزمة كورونا.

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download