لا تكمن خصوصية كتاب «غازي كنعان.. صانع دولة الدمى» في أنه يستعيد سيرة أحد أكثر رجال الاستخبارات السورية نفوذاً في لبنان فحسب، بل في هوية من كتب هذه السيرة، فالزميل نقولا ناصيف ينتمي إلى جيل من الصحافيين الذين لم يكتفوا بملاحقة أخبار أهل السلطة، بل راكموا معرفة بأسرار تكوينها وآليات اشتغالها، وحوّلوا تلك المعرفة إلى مشروع توثيقي للتاريخ السياسي اللبناني
ومن «المكتب الثاني» إلى «سر الدولة» و«جيوش لبنان»، وكتب السيرة الذاتية التي أنجزها (كميل شمعون وريمون إده وفؤاد شهاب وجان عبيد وأمين الجميل وإيلي الفرزلي وغيرهم) وتلك التي هي قيد الانجاز، وصولاً إلى غازي كنعان، يبدو ناصيف منشغلاً بسؤال واحد تتعدد وجوهه: من يحكم لبنان فعلياً، وكيف تُصنع السلطة خارج المؤسسات الدستورية وداخلها؟
في كتابه الجديد الصادر عن دار النهار لا يروي نقولا ناصيف تاريخ الوصاية السورية من موقع الشاهد الصحافي وحده، بل يحاول تفكيك شبكة العلاقات التي جعلت من ضابط استخبارات حاكماً، ومن طبقة سياسية شريكاً في صناعة حكمه واستمراره. وهنا تكمن أهمية العمل: إنه لا يستعيد ماضي الوصاية بقدر ما يفتح ملف البنية اللبنانية التي أتاحت لها أن تتحول إلى نظام حكم.
وحتما أمضى نقولا ناصيف عشرات وربما مئات الساعات يُنقّب ويدوّن إفادات الشهود، قبل أن يتفرغ شهوراً طويلة للكتابة والحياكة.. فكان هذا المولود الإستثنائي الذي يُقدّم رواية هي الأولى من نوعها، برغم ما يُمكن أن يشوبها من نواقص أو عثرات، لسيرة رجل حكم لبنان في فترة مفصلية بين جمهوريتين.
عنجر ومركز القرار
لم تكن عنجر مجرد مقر لغازي كنعان، بل تحوّلت إلى مركز يقصده السياسيون ورجال الأعمال وأصحاب المصالح لحسم ما تعذّر حسمه عبر المؤسسات أو حتى شبكة العلاقات المحلية. ومن هناك امتد النفوذ إلى تشكيل الحكومات والتعيينات والانتخابات والمناقصات، وإلى شبكة علاقات صارت الحياة السياسية اللبنانية أسيرة لها.
لماذا عنجر تحديدًا؟
إلى جانب موقعها الجغرافي وصلتها بدمشق وانتشار القوات السورية في البقاع، يمكن قراءة اختيارها في ضوء طبيعة النظام الذي أرسل كنعان إلى لبنان، وصعود دور الجيش والأجهزة الأمنية في بنية الحكم السوري، وما عُرف بمفهوم «ترييف الدولة»، أي إعادة تشكيل موازين السلطة لمصلحة منظومة ارتكزت إلى الحزب والأمن، على حساب باقي المؤسسات والبنى التقليدية.
لا يعني ذلك أن اختيار عنجر كان ترجمة مباشرة لصراع المدينة والريف، لكنه يضع المكان ضمن منطق حكم تُصنع فيه القرارات داخل مركز أمني، ثم تُحال إلى المؤسسات لتكتسب شكلها الرسمي. عندها لا يعود السؤال مقتصرًا على مَن يملك الصلاحية، بل يشمل مَن يملك القرار، وأين يُصنع، ومَن يستطيع الوصول إلى صاحبه؟
ولم تقتصر شبكة غازي كنعان على الوزراء والنواب ورؤساء الأحزاب، بل امتدت إلى ضباط وقضاة ورجال أعمال وموظفين وإعلاميين وكتّاب ووجهاء محليين، وإلى كل من احتاج إلى باب يُفتح له في عنجر. تفاوتت مواقع هؤلاء ومسؤولياتهم، لكنهم ارتبطوا بدرجات مختلفة بمركز يملك القدرة على المنح والمنع، والتقريب والإبعاد.
القرار في دمشق
تظهر آليات النفوذ في الروايات التي يعرضها الكتاب عن تشكيل حكومات رفيق الحريري الأولى، حين كانت أسماء المرشحين تُبحث وتُحسم في دمشق قبل عرضها على المسؤولين الصوريين في لبنان.
وتُنسب إلى كنعان عبارة تختصر هذه الآلية: «لا تعرفه؟ عال، تعرّف عليه». كما يورد الكتاب عبارة مرتبطة بالتوقيع الرئاسي: «وقّع الآن لأنك ستوقّع لاحقًا.«
في هذه الصورة، لم يعد الاعتراض على الأسماء نقاشًا في الكفاءة بقدر ما أصبح اختبارًا لحدود الاعتراض، ولم يعد التوقيع بالضرورة تعبيرًا عن الاقتناع، بل إجراءً يمنح القرار المتخذ خارج المؤسسة شكله الدستوري. وهكذا اتسعت الفجوة بين الصلاحية الرسمية والسلطة الفعلية.
سوق المنافع
لم يقتصر النفوذ على فرض الأسماء. فالروايات المتعلقة بعنجر تصف شبكة تتبادل فيها الأطراف المطالب والمنافع، من المقعد النيابي إلى الحقيبة الوزارية، ومن التعيينات إلى المناقصات وتسهيل الأعمال. وبهذا المعنى، بدت العلاقة بعنجر لكثيرين أقرب إلى سوق تُعرض فيها المطالب وتُدفع الأثمان، لا إلى علاقة تمرّ حصرًا عبر المؤسسات .لكن دفع الثمن لم يكن ضمانة للحصول على المطلوب. فقد يسعى سياسي إلى مقعد نيابي أو وزارة، أو رجل أعمال إلى عقد أو منفعة، ثم لا ينال ما أراد. وقد يجد نفسه مضطرًا إلى الصمت، لأن العلاقة التي دخلها طلبًا للنفوذ تتحول إلى قيد عليه؛ فصاحب النفوذ يحتفظ بحق المنح والمنع، فيما لا يملك طالب الخدمة بالضرورة وسيلة آمنة للاعتراض.
وتبرز هنا واقعة روي الهراوي، نجل رئيس الجمهورية الأسبق الراحل الياس الهراوي، الذي يروي الكتاب أن كنعان أسهم في إسقاطه انتخابيًا. وإذا ثبتت تفاصيل الواقعة، فإن دلالتها تتجاوز خسارة المقعد، فالقرب من مركز النفوذ لا يضمن الحماية، ولا يمنح صاحبه حقًا مكتسبًا في كل ما يطلبه.
شهادات التبعية
يروي الكتاب أن نائبًا من البقاع، ساهم كنعان في وصوله إلى الندوة النيابية، عبّر عن خضوعه بقوله: «جزمته على رقبتنا». تختصر العبارة علاقة تتجاوز الامتنان السياسي إلى الإقرار بالتبعية؛ فالمقعد الذي يفترض أن يستمد شرعيته من الناخبين يصبح، في وعي صاحبه، دينًا لمركز النفوذ.
وتكتمل الصورة بمشاهد سياسيين ينتظرون تحت الشمس الحارقة في البقاع لمقابلة كنعان، كأن الوصول إليه امتيازٌ شخصيٌ لا شأناً عاماً. تكشف هذه المشاهد اختلال العلاقة بين مسؤولين لبنانيين يشغلون مواقع رسمية ورجل أمني سوري تحوّل إلى صانع أول للقرار.
شبكة العلاقات
لم تكن شبكة العلاقات عمودية بين كنعان ومن حوله فحسب؛ فقد تقاطعت داخلها مصالح أطراف يعرف بعضها بعضًا، ويتبادلون المعلومات والخدمات، ويعرفون من صعد بفضل النفوذ، ومن سهّل وصوله، ومن وفّر الغطاء.
وحين خاطب كنعان القيادي الشيوعي كريم مروّة، بحسب الرواية المنقولة في الكتاب، بعبارة «أنتم جيفة نتنة»، يتجاوز السؤال فظاظة القول إلى طبيعة العلاقة بين صاحب السلطة ومن اعتقدوا أنهم شركاؤه أو حلفاؤه. إلى أي حد يمكن الحفاظ على استقلالية سياسية وفكرية داخل شبكة تملك القدرة على الإهانة والإقصاء؟ وأين تنتهي الضرورة السياسية ويبدأ التنازل؟
الطائفية والخوف
تنقل الروايات التي يسردها الكتاب عن كنعان أحكامًا طائفية حادة، من بينها العبارة المنسوبة إليه: «الشيعة بدن مئتين سنة ليصيروا سنة، والسنة بدن مئتين سنة ليصيروا مسيحيين، والمسيحيين كلهم خونة«!
إذا صحّت نسبتها إليه، فهي لا تعبّر عن المجتمع اللبناني بقدر ما تكشف عن نظرة تختزل جماعاته في أحكام مسبقة، وتضعها في مراتب من الشك والريبة.
الاغتيالات والأسئلة
تزداد حساسية سيرة كنعان عند تناول شهاداته بشأن الاغتيالات، والروايات المتعلقة بعلاقاته المالية والسياسية، ومنها حوالات مصؤفية قيل إن مصدرها رفيق الحريري.. وقصة الهدايا الثمينة.
ويروي الكاتب أن سليمان فرنجية حذّر الرئيس رينيه معوّض قبل اغتياله. كما ينقل مشهدًا أعقب الاغتيال، حين أبلغ غازي كنعان خليل الهراوي، الذي كان برفقة إيلي الفرزلي، أن القرار استقر على عمّه إلياس الهراوي رئيسًا للجمهورية، قائلًا: «استقرّ القرار على عمّك رئيسًا.. أبلغه«.
الموت انتحاراً!
على الرغم من النفوذ الأمني الذي أحاط بكنعان، تروي شهادات أنه كان يمارس الرياضة ويقود سيارته بنفسه، وأحيانًا منفردًا. تثير هذه التفاصيل أسئلة عن تصوره لمستوى الخطر المحيط به، لكنها لا تكفي لتحديد دوافعه أو تقديراته الأمنية.
وتكشف الروايات المتعلقة بأواخر أيام كنعان عن مفارقة العلاقة الوثيقة بين النفوذ والولاء. فعندما عاد إلى بيروت لإجراء عملية لابنه، قيل إنه تألّم لأن ثلاثة فقط من الذين ساعدهم على الوصول إلى مواقعهم زاروه.
في الختام، تأتي نهاية حياة غازي كنعان في دمشق في العام 2005 برصاصة في الرأس. وقد أثارت ظروف الوفاة شكوكًا وأسئلة لدى كثيرين ولا سيما في ضوء الرواية الرسمية التي حسمت قصة الانتحار، لكن الشك، مهما كان مفهومًا في سياق تاريخ مثقل بالعنف السياسي، لا يثبت رواية بديلة.
ويمكن لعبارة «من يغتال في لبنان، لا يمكن أن يغتال نفسه؟» أن تستحضر مناخ الارتياب الذي أحاط بتلك المرحلة، لا أن تقوم مقام الدليل على أن الوفاة كانت اغتيالًا.
لا تثبت هذه الوقائع وحدها دوافع الغائبين، لكنها تطرح سؤالًا عن طبيعة الولاء الذي نشأ حول مركز النفوذ: هل كان موقفًا سياسيًا ثابتًا، أم علاقة ارتبطت بالمصلحة واستمرار القدرة على منح المنافع؟
ومن مشى من اللبنانيين في جنازته لا يتعدون أصابع اليد الواحدة. حاكم لبنان يعرف دوافع الغائبين عن جنازته ولكن ذلك لا يمنعه من السخرية من طبقة سياسية لبنانية أدمنت الوصاية وجزمة الأوصياء.. وعندما تتغير الظروف لا شيء يمنع هؤلاء السياسيين من نقل البارودة من كتف إلى آخر.
وفي غرفة مجاورة لمدفن العائلة، بقي مفتاح بيروت الذي أهداه إليه رفيق الحريري عام 2002، بحسب الرواية الواردة في الكتاب، معلّقًا إلى جانب أوسمة وتذكارات.
يحمل المفتاح دلالة رمزية ثقيلة: رجل لم يكن لبنان وطنه، لكنه امتلك في مرحلة من المراحل مفاتيح واسعة من قراره السياسي. وحين انتهى دوره، بقيت الرموز، فيما تلاشت شبكة الولاء التي أحاطت به.
