إسرائيل «تُنجز».. لكنّ أعمدة أمنها الاستراتيجي تتصدّع

في العلوم الإنسانية، كما في العلوم التطبيقية، نحتاج دوماً إلى منظور أو إطار مرجعي لتفسير الأحداث واستشراف مساراتها. فجسم معين قد يكون ثابتاً بالنسبة إلى مرجعية، ومتحركاً بالنسبة إلى أخرى، أو يسير إلى الأمام ضمن منظومة، وإلى الخلف ضمن منظومة مختلفة. ولا يتعلق الأمر بتبدّل الجسم نفسه، بل باختلاف المرجعية التي نقيس حركته انطلاقاً منها.

تكمن أهمية رجل السياسة، كما المحلل الاستراتيجي، في قدرته على تحديد الإطار المرجعي الأكثر قدرة على تفسير الظواهر وتوقّع اتجاهاتها، فلا يخلط بين الحركة والتقدم، ولا بين الإنجاز والانتصار، ولا بين التفوق العسكري والقدرة على تحويله إلى مكاسب استراتيجية.

ومن هنا، فإن قراءة ما حققته إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة الماضية تقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات: المستوى العملياتي الذي يقيس نتائج المعارك والضربات العسكرية؛ المستوى الاستراتيجي الذي يقيس أثر تلك النتائج في موازين القوى والتهديدات والفرص؛ ومستوى المكانة الدولية الذي يقيس قدرة إسرائيل على الحفاظ على شرعيتها الخارجية وتحالفاتها ووظيفتها في النظامين الإقليمي والدولي.

قد تتقدم إسرائيل في المستوى الأول، لكنها تتراجع في الثاني والثالث. وهذه هي المفارقة التي ينبغي الانطلاق منها لفهم التحولات الجارية.

***

قام أمن إسرائيل الاستراتيجي منذ التأسيس على ركيزتين أساسيتين: ركيزة الخارج، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، وركيزة الداخل، بما تتضمنه من تماسك اجتماعي وثقة بالمؤسسات والقيادة، وقدرة على التعبئة والاستمرار. ومن نافلة القول إن الركيزتين ليستا مستقلتين؛ فتماسك الداخل يعزز قيمة إسرائيل لدى داعميها، فيما توفر الحماية الخارجية شروط الاستقرار والثقة في الداخل.

أمّن الغرب، ولا سيما الأميركي، لإسرائيل دعماً تاريخياً يصعب تفسيره بمنطق المصالح والعقلانية وحدهما، من دون أخذ الاعتبارات الأيديولوجية في الحسبان. وفرضها قسراً ككيان، ثم «دولة»، ومدّها بالدعم العسكري وصولاً إلى امتلاك السلاح النووي، وخصّها بدعم اقتصادي وتسهيلات استثنائية. لكن الدعم السياسي والاستراتيجي بقي الأهم في ضمان استمرارها وتعزيز مكانتها.

غير أن السنوات الثلاث التي أعقبت هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حفلت بتطورات لم تكن متوقعة في حجمها وتداعياتها، فرضت إعادة النظر في عدد من المسلّمات التي حكمت التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي والغربي.

فقد طرح الهجوم أسئلة جوهرية حول فعالية الاستخبارات والإنذار المبكر والردع، وحول قدرة التفوق التكنولوجي والعسكري على ضمان الأمن. ثم جاءت الحرب الطويلة والمتعددة الجبهات لتكشف أن توظيف أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، والقوة النارية الهائلة، والعمليات العسكرية المنفلتة من القيود القانونية والإنسانية، لا يضمن بالضرورة تحقيق الحسم الاستراتيجي، حتى عندما يؤدي إلى إنجازات ميدانية واسعة.

وفي المواجهة مع إيران، برهنت المحاولات الأميركية والإسرائيلية المتعاقبة لإضعاف قدراتها وإخضاعها، وصولاً إلى الرهان في بعض المراحل على تغيير نظامها، على الفارق بين القدرة على توجيه الضربات والقدرة على فرض نتيجة سياسية نهائية. فقد تعرضت إيران لضربات وخسائر كبيرة، لكنها بقيت طرفاً رئيسياً في المعادلة الإقليمية، ولم يتحقق هدف إخراجها من هذه المعادلة أو إنهاء قدرتها على التأثير فيها.

والأمر نفسه ينسحب، بدرجات مختلفة، على قوى المقاومة والاعتراض، حيث أظهرت الحرب أن تدمير القدرات العسكرية والبنى التنظيمية لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء الصراع أو إلغاء البيئة السياسية والاجتماعية التي تسمح بإعادة إنتاجه.

هنا تبرز الحاجة إلى إعادة فهم مفهوم القوة نفسه. فلم تعد القوة، مهما تعاظمت، قابلة للقياس حصراً بحجم الترسانة العسكرية أو القدرة التكنولوجية؛ إنها مفهوم «زئبقي» تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية والمجتمعية والنفسية، وتظهر فيه متغيرات يصعب إخضاعها للحسابات العملياتية التقليدية.

وبرغم الانخراط الأميركي–الإسرائيلي المتزامن في المواجهات الممتدة على جبهات متعددة، فإن ما تحقق من إنجازات عسكرية لم يتحول، بعد ثلاثة أعوام، إلى تسوية استراتيجية مستقرة أو بيئة إقليمية خالية من التهديدات. بل إن استمرار الحاجة إلى استخدام القوة يكشف، في ذاته، حدود النتائج التي أمكن انتزاعها منها.

ولم تكن هذه المتغيرات وليدة لحظتها. فقد أسهم الفعل المقاوم في إنتاج بعضها، كما أسهم الأداء السياسي والاستراتيجي الأميركي–الإسرائيلي في تعميق بعضها الآخر، ولا سيما عندما قرر توسيع المواجهة بدل البحث عن ترتيبات سياسية قادرة على احتواء أسبابها.

إنجازات عملياتية وتراجع استراتيجي

في هذا السياق، تبدو إسرائيل قادرة على تحقيق إنجازات في المنظور الأول، أي المنظور العملياتي، لكنها تواجه تغيرات معاكسة في المنظورين الثاني والثالث: الاستراتيجي والدولي.

فقد نجحت في تنفيذ ضربات واسعة، وإلحاق خسائر كبيرة بخصومها، وإعادة رسم بعض الوقائع الميدانية. لكن هذه النتائج لم تُنهِ مصادر التهديد، ولم تحقق استقراراً إقليمياً دائماً، ولم تُنتج قبولاً دولياً أوسع بسياساتها.

بل إن الحرب الأطول والأشد استنزافاً في تاريخها الحديث، والتي خاضتها لتوسيع خياراتها الأمنية والسياسية وفرض الاعتراف بقوتها وحاجة المنطقة إليها، انتهت إلى جعل جزء من هذه الخيارات أكثر ضيقاً وتعقيداً.

وتتجلى المفارقة في أن توسيع نطاق استخدام القوة، بدلاً من توسيع هامش المناورة السياسية، قد يؤدي إلى تقليصه، عندما تتحول السيطرة العسكرية إلى عبء مستمر، ويصبح الحفاظ على نتائجها محتاجاً إلى عمليات متكررة ودعم خارجي متواصل.

ويمكن تلمّس جانب من هذا المأزق في خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2026. فقد بدا الخطاب، برغم لغته الواثقة وإصراره على الانتصار، شديد الانشغال بما يعتبره عداءً متزايداً لإسرائيل في العالم، وبانتقاد مواقف دول غربية (ولا سيما أوروبية) لم تعد تمنح حكومته التأييد السياسي الذي تتوقعه.

إقرأ على موقع 180  خفة الظل.. وثقل الغياب

ولا يثبت الخطاب وحده أن إسرائيل فقدت خياراتها، لكنه يكشف إحساس القيادة الإسرائيلية باتساع الفجوة بين قدرتها العسكرية وموقعها في الرأي العام العالمي.

ومع أن إسرائيل ما تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً، فإن ذلك التفوق يواجه حدوداً واضحة عندما يتعلق الأمر بتحويل القوة إلى حسم سياسي نهائي.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التحول الذي طرأ على العلاقة بين إسرائيل والقوى الغربية.

في الماضي، كانت أميركا وقوى الهيمنة تتعامل مع إسرائيل بوصفها وظيفة من وظائف سياساتها الإقليمية. وكان ذلك يتيح لها قدراً أكبر من المناورة وتقليب السياسات، بحيث تتحقق مصالحها الاستراتيجية وتستفيد إسرائيل من النتائج. لكن الاقتراب المتزايد من التعامل مع إسرائيل باعتبارها كياناً نهائياً جامداً، ينبغي الدفاع عن سياساته حتى عندما تتعارض مع مصالح الحلفاء، جعل كلفة الدعم أعلى، وحدود المناورة أضيق.

والمفارقة أن إسرائيل، التي كانت تُقدَّم باعتبارها أحد أصول القوة الغربية في المنطقة، باتت بعض سياساتها تثير أسئلة داخل الغرب نفسه حول الأعباء المترتبة على حمايتها.

لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة أو أوروبا تخلتا عن إسرائيل؛ فالدعم العسكري والسياسي الأميركي ما زال كبيراً، والتعاون الاستراتيجي ما زال مستمراً. لكن التمايز بين المصلحة الأميركية والمصلحة الإسرائيلية أصبح أكثر حضوراً في النقاش السياسي، كما أن التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة لم يعد يتمتع بالمناعة السابقة.

وبذلك، فإن الركيزة الخارجية للأمن الإسرائيلي لم تنهَر، لكنها تواجه تصدعات متزايدة في التوافق السياسي والاجتماعي الذي كان يضمن استمرارها من دون كلفة داخلية كبيرة لدى داعميها.

تحدي الداخل الإسرائيلي

إذا كان تآكل الضمانات الخارجية يدفع إسرائيل إلى التفكير في زيادة اعتمادها على ذاتها، فإن هذا الاعتماد يتطلب شروطاً داخلية لا يمكن توفيرها بالقوة العسكرية وحدها.

فهو يحتاج إلى شرعية سياسية قوية، وتماسك اجتماعي، وثقة بالمؤسسات والقيادة، واستعداد اقتصادي ونفسي لتحمل صراع طويل، فضلاً عن بيئة أمنية تسمح بإعادة البناء وتطوير القدرات بعيداً عن الاستنزاف الدائم.

لكن السنوات الثلاث الأخيرة كشفت أن هذه الشروط تتعرض لضغوط شديدة.

فقد عمّقت الحرب الانقسامات السياسية والاجتماعية، وأثارت أسئلة عن مسؤولية القيادة عن إخفاقات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وعن إدارة الحرب وكلفتها وأهدافها، كما فرضت أعباء متزايدة على الاقتصاد وقوات الاحتياط والأسر الإسرائيلية.

ولا تعني هذه التصدعات انهيار المجتمع الإسرائيلي؛ فقد أظهرت الحرب أيضاً قدرة واسعة على التعبئة، واستمرار الثقة بالمؤسسة العسكرية لدى قطاعات كبيرة. غير أن التماسك في مواجهة الخطر الخارجي لا يلغي أزمة الثقة السياسية، ولا يعالج تلقائياً خلافات المجتمع حول مستقبل، وهو الأمر الذي أبرزته نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة.

وهذا هو التناقض الذي يواجه إسرائيل: تحتاج إلى مزيد من الاعتماد على قدراتها الذاتية في اللحظة التي تصبح فيها المحافظة على تماسك الداخل أكثر كلفة وتعقيداً.

من هنا، قد يكون العام المقبل، 2027، عاماً مفصلياً في تحديد الاتجاه الاستراتيجي لإسرائيل، لا بمعنى أن مصيرها سيُحسم في سنة واحدة، بل لأن الاتجاه الذي ستتخذه خلاله قد يكشف ما إذا كانت قادرة على إعادة ترميم ركيزتي أمنها، أم أنها ستواصل استهلاكهما في صراعات مفتوحة.

وسيكون الامتحان في قدرتها على تحويل إنجازاتها العسكرية إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار، وعلى معالجة انقساماتها الداخلية، وعلى استعادة هامش المناورة الذي فقدته في علاقاتها الخارجية.

لقد أضاعت إسرائيل فرصاً تفاوضية كان يمكن أن تتيح لها تسويات أقل كلفة، لكنها لم تتمكن، في المقابل، من تحويل طريق الحرب إلى استقرار استراتيجي مضمون. وبرغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بجبهة المقاومة بقيادة إيران، لم يؤدِّ التصعيد إلى إنهاء الصراع، بل إلى إعادة تشكيله على مستويات أكثر اتساعاً وتعقيداً.

وفي المحصلة، قد تتراجع الهيمنة الأميركية، وتعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها العالمية، وتبقى إحدى القوى الكبرى القادرة على التكيف مع موازين قوى دولية جديدة. أما إسرائيل، فإن قدرتها على التكيف مع تصدع ركيزتي أمنها تبدو أكثر محدودية، بحكم موقعها وطبيعة صراعها واعتمادها التاريخي على الدعم الخارجي.

ولهذا لا تكمن خطورة المرحلة في خسارة إسرائيل معركة بعينها، بل في احتمال أن تعجز عن تحويل انتصاراتها العسكرية إلى أمن مستدام، وأن تستنزف في سبيل ذلك الموارد الداخلية والخارجية التي قامت عليها قوتها.

فالدول تستطيع أن تربح المعارك وتخسر شروط أمنها، وإسرائيل، وهي تُنجز عملياتياً، تواجه اليوم السؤال الأصعب: هل تستطيع الحفاظ على الركيزتين اللتين جعلتا إنجازاتها العسكرية قابلة للتحول إلى قوة استراتيجية؟

وهنا تحضرني فكرة عبّر عنها زبيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق، في نقده لمقاربة الحروب في الشرق الأوسط بقوله إن التفوق العسكري الساحق لا يضمن إنتاج نتائج سياسية مقبولة ومستدامة. فالقوة تستطيع إلحاق الهزيمة العسكرية، لكنها قد تسهم، في الوقت نفسه، في توسيع البيئة المستعدة لمقاومتها.

Print Friendly, PDF & Email
بلال اللقيس

باحث سياسي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  قمة طهران السورية.. فرصة مصالحة أردوغان ـ الأسد مؤجلة