من “عقيدة دونرو” إلى مأزق إيران.. لماذا عاقب الأميركيون ترامب؟

لا يمكن قراءة المحاسبة الانتخابية التي تعرّضت لها إدارة دونالد ترامب في الانتخابات النصفية بمعزل عن الوعود التي أوصلته إلى البيت الأبيض. فعندما انتخب الأميركيون ترامب، لم يكن رهان شريحة واسعة منهم مجرد تغيير الإدارة أو تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل استند إلى خطاب واضح: إنهاء الحروب، وتجنّب الانخراط في صراعات عسكرية جديدة، واستعادة الاستقرار الدولي، وتعزيز الاقتصاد الأميركي تحت شعار «أميركا أولاً».

في ظل اشتعال الحرب في غزة واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، قدّم ترامب نفسه بوصفه الرئيس القادر على إنهاء هذه الحروب وإحلال السلام. ووعد بألّا تنخرط الولايات المتحدة في حروب جديدة، وأن تكون الأولوية للاقتصاد الأميركي وتحسين مستوى معيشة المواطنين، بدلاً من استنزاف الموارد في الصراعات الخارجية.

لكن بعد نحو عامين من عودته إلى البيت الأبيض، برزت فجوة واضحة بين الخطاب الانتخابي والممارسة السياسية. فالحرب في غزة لم تنتهِ بالصورة التي وعد بها، والحرب الروسية الأوكرانية لم تتوقف، فيما اتسعت المواجهة التجارية مع الصين، وانخرطت الولايات المتحدة في حرب مباشرة مع إيران، رافقها تعطّل الملاحة في مضيق هرمز واضطراب أسواق الطاقة والتجارة الدولية، بما ترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية تجاوزت حدود المنطقة.

وهنا تبرز مسألة أساسية: الناخب الأميركي لا يحاسب الرئيس على قراراته الخارجية بمعزل عن انعكاساتها الداخلية، بل ينظر إلى كلفة الحروب على الاقتصاد وأسعار الطاقة والقجدرة الشرائية، ومدى انسجام هذه السياسات مع الوعود التي منحه صوته على أساسها.

ويكتسب هذا التناقض بُعداً استراتيجياً إضافياً عند النظر إلى العقيدة التي حاول ترامب تكريسها في سياسته الخارجية، والمتمثلة في إحياء “عقيدة مونرو” (Monroe Doctrine) التي قامت على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالاً حيوياً للولايات المتحدة، ورفض تدخل الاستعمار الأوروبي في شؤون القارة الأميركية، أو كما أعطاها صبغة جديدة أُطلق عليها إعلامياً «عقيدة دونرو» (Donroe Doctrine)، والتي تقوم على تكريس الهيمنة الأميركية على نصف الكرة الغربي، ومنع الصين وروسيا من اكتساب نفوذ استراتيجي فيه، مع الاستعداد لاستخدام أدوات القوة لحماية المصالح الأميركية، فيما اعتمدت الإدارة الأميركية رسمياً تسمية «ملحق ترامب لعقيدة مونرو» (Trump Corollary to the Monroe Doctrine).

فقد سعى ترامب إلى إعادة ترتيب الأولويات الأميركية، مع إعطاء الأولوية لنصف الكرة الغربي، وتكريس النفوذ الأميركي فيه، ومنع القوى المنافسة، ولا سيما الصين وروسيا، من توسيع حضورها الاستراتيجي في هذه المنطقة. ويتقاطع هذا التوجه مع شعار «أميركا أولاً»، الذي يقوم على إخضاع الانخراط الخارجي لحسابات المصلحة الأميركية المباشرة. غير أن هذه العقيدة لا تعني بالضرورة الانعزال عن العالم أو الامتناع عن التدخل في الشرق الأوسط، بل تعكس إعادة ترتيب جغرافي واستراتيجي للأولويات الأميركية.

ومن هنا تنشأ المفارقة: كيف يمكن لإدارة ترفع شعار تقليص الانخراط في الصراعات الخارجية، وتقديم المصالح الداخلية على الالتزامات الدولية، أن تجد نفسها في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، بما تحمله من تداعيات جيوسياسية واقتصادية تتجاوز الشرق الأوسط؟

لقد جاءت الانتخابات النصفية لتضع هذه السياسات أمام المحاسبة الشعبية. فقد انتزع الديموقراطيون السيطرة على مجلسَي الكونغرس، وفق النتائج الأولية غير النهائية، في تحوّل انتخابي كبير ارتبط، بحسب تقارير وكالة «رويترز»، بالاستياء من الحرب مع إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، والسياسات الجمركية للإدارة.

وفي تقديري، لا تكمن دلالة هذه النتائج في خسارة الجمهوريين أغلبيتهم التشريعية فحسب، بل في الرسالة السياسية التي وجّهها الناخب الأميركي إلى البيت الأبيض: الشرعية الانتخابية لا تمنح الرئيس تفويضاً مفتوحاً، والوعود التي أوصلتك إلى السلطة تتحول إلى التزامات سياسية تخضع للمحاسبة.

فالناخب الأميركي قد يمنح الرئيس عامين لتنفيذ برنامجه، لكنه لا يمنحه بالضرورة تفويضاً غير مشروط لأربعة أعوام. والانتخابات النصفية هي المحطة التي يُعاد فيها تقييم المسافة بين الخطاب الانتخابي والواقع السياسي والاقتصادي.

في ضوء ذلك، لم تكن الهزيمة التي مُني بها ترامب مجرد محاسبة على سياساته، بل اختباراً لمدى وفائه بالوعود التي منحت عودته إلى البيت الأبيض شرعيتها الانتخابية.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  أميركا: الانتخابات النصفية وفوضى التمويل و"إيباك".. وفنزويلا!
رانيا حتّي

كاتبة وأكاديمية لبنانية

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  جنبلاط يطوي قضية.. فتنفتح قضايا أكبر!