أميركا بعد انتخابات 2026.. بين الإرادة الشعبية ومراكز القوة

أحدثت الانتخابات الأميركية في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026 زلزالاً سياسياً تجاوز ارتداداته حدود الولايات المتحدة، وامتد إلى موازين الصراع الدولي. فالهزيمة التي مُني بها الجمهوريون وضعت خيارات إدارة دونالد ترامب أمام امتحان جديد، وفتحت احتمالات متعارضة لمستقبل المواجهات في الشرق الأوسط وأوروبا، وصولاً إلى التنافس الاستراتيجي مع الصين حول تايوان.

تنبع أهمية هذا التحول من التناقض الذي كشفه بين التفوق الأميركي وحدود فاعليته السياسية. فالولايات المتحدة، بما تمتلكه من قدرات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية هائلة، تستطيع إلحاق خسائر جسيمة بخصومها، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في إخضاع إرادتهم وفرض تسويات مستقرة. وقد عمّقت الحرب على إيران هذا التناقض، بعدما انتقلت كلفتها من ميادين المواجهة الخارجية إلى التوازنات الاقتصادية والسياسية داخل المجتمع الأميركي.

وهكذا باتت واشنطن أمام معضلة تتجاوز مصير ترامب وحزبه: كيف تحافظ على امتداد نفوذها العالمي، فيما تتصاعد كلفة ممارسته وتتراجع قدرة نظامها السياسي على التوافق حول غاياته؟ إنها أزمة تتصل بطبيعة الهيمنة ذاتها، في عالم تتغير فيه موازين القوة أسرع من القواعد التي تنظّمها، وتتسع فيه المسافة بين امتلاك وسائل السيطرة والقدرة على تأسيس شرعية القيادة.

وفي قلب هذا التحول، تكشف نتائج الانتخابات عن تناقضات بنيوية داخل الحزبين الأميركيين. فالحزب الديمقراطي، برغم انتصاره، يضم تيارات تتباين رؤاها للعدالة الاجتماعية والتدخل الخارجي والعلاقة بإسرائيل، حيث يتنامى الاعتراض على الدعم العسكري غير المشروط لها. وتضع هذه التباينات الحزب أمام امتحان الانتقال من وحدة المعارضة إلى بناء توافق سياسي قادر على الحكم.

أما الجمهوريون، فيواجهون التناقض الكامن في الترامبية نفسها. فقد قامت على نقد ونقض الحروب المكلفة والنخب التي أدارتها، ثم وجدت نفسها أمام حرب جديدة أعادت تلك الأعباء إلى الداخل الأميركي.

وهكذا بات الحزب موزعاً بين الولاء لترامب والخشية من استمرار الارتهان لخياراته. ويكمن امتحانه الأعمق في قدرته على التحرر من الإرث الترامبي، بعدما كشفت الانتخابات اتساع الفجوة بين نفوذه داخل الحزب وتراجع قدرته على استقطاب المجتمع الأميركي.

غير أن الزلزال الانتخابي كشف تناقضاً أعمق من الصراع بين الحزبين. فالأميركيون يملكون حق تغيير حكوماتهم، لكنهم لا يملكون بالاقتراع وحده تغيير البنية المؤسسية والاقتصادية التي تصوغ الخيارات الاستراتيجية للدولة. وبين السلطة التي تستمد شرعيتها من الشعب، والقوة التي تستمد استمراريتها من مؤسساتها ومصالحها، تتحدد إحدى المعضلات الكبرى للديمقراطية الأميركية.

فخلف المؤسسات المنتخبة تقوم منظومة واسعة من أجهزة الدفاع والاستخبارات، والبيروقراطية الدائمة، والشركات العسكرية والمالية والتكنولوجية، وجماعات الضغط ومراكز إنتاج الفكر الاستراتيجي. وتتداخل هذه القوى في صناعة القرار عبر المعلومات والخبرة والتمويل والعلاقات المؤسسية. وهي منظومة متعددة المصالح، تتنافس مكوناتها وتختلف أولوياتها، لكنها تمتلك قدرة على التأثير تتجاوز حدود الدورات الانتخابية.

وقد بيّنت دراسات مؤسسة كارنيغي أن المؤسسات الدائمة لا تكتفي بتنفيذ الاستراتيجيات، بل تسهم في تحديد الخيارات المتاحة، وقد تقاوم تغييرها دفاعاً عن مصالحها وقناعاتها. وتكتسب هذه الحقيقة دلالة أعمق مع ما وثّقه معهد كوينسي من حصول الشركات المتعاقدة مع البنتاغون على تريليونات الدولارات لقاء تصنيع الأسلحة وتطوير المنظومات العسكرية وتقديم الخدمات الدفاعية، وما كشفه من امتداد تمويل شركات السلاح إلى مراكز أبحاث تسهم في صياغة التصورات الأمنية. وهكذا تتشابك المصالح الاقتصادية مع إنتاج المعرفة الاستراتيجية وصناعة القرار السياسي، بما يثير تساؤلاً جوهرياً حول الحدود الفاصلة بين مقتضيات الأمن القومي ومصالح القوى المستفيدة من استمرار الإنفاق العسكري وتوسّعه.

وتبرز الخطورة حين تتحول الوسائل إلى غايات قائمة بذاتها. فكلما ارتبطت مصالح اقتصادية ومؤسسية دائمة بتوسيع القدرات العسكرية، تعاظم خطر النظر إلى الأزمات الدولية من زاوية ما تتيحه من استخدام للقوة، بدلاً من البحث أولاً في إمكانات تسويتها. وعندئذ قد تصبح الحرب نتيجة منطق مؤسسي يعيد إنتاج أدواته ومبررات استمراره، حتى من دون وجود إرادة موحدة تخطط لها.

وتمنح انتخابات 2026 هذا التناقض بعداً سياسياً جديداً. فقد انتقلت المعارضة الشعبية إلى مؤسسات تشريعية قادرة على مساءلة الإنفاق والعقود والقرارات، فيما تحتفظ الرئاسة بصلاحيات واسعة في المبادرة الخارجية. وقد يكبح هذا التنازع بعض المغامرات العسكرية، أو يعقّد إنهاءها، بل قد يدفع الإدارة إلى البحث عن إنجاز خارجي يعوض ضعفها الداخلي.

وهنا يتجاوز الامتحان هوية الحاكم إلى حدود السلطة نفسها: من يحدد المصلحة الوطنية، ومن يملك حق تفسيرها، ومن يتحمل كلفة القرارات المتخذة باسمها؟ فالديمقراطية التي تمنح الشعب حق اختيار السلطة تواجه تحدياً أشد تعقيداً في ضمان خضوع مراكز القوة الدائمة لإرادته. وكلما اتسعت المسافة بين التفويض الشعبي وصناعة القرار، أصبح تداول الحكومات أيسر من مراجعة الغايات الاستراتيجية للدولة.

ومن هنا تتحدد الخيارات الأميركية المقبلة بين تسوية تقتضي تنازلات متبادلة، واستنزاف يطيل عمر الصراع، وتصعيد يبحث عن حسم عجزت الحرب عن تحقيقه. غير أن الهزيمة الانتخابية تضفي على الخيار الأخير خطورة استثنائية؛ إذ قد تدفع ترامب، بما عُرف عنه من نزوع إلى استعراض القوة ورفض الإقرار بالهزيمة، إلى مغامرة عسكرية كبرى ضد إيران، يتوهم أنها قادرة على تعويض انكساره الداخلي واستعادة هيبته السياسية. ويزداد هذا الاحتمال حساسية في المرحلة الفاصلة عن تسلّم الكونغرس الجديد سلطاته، حين قد يغريه ضيق الوقت باستباق القيود المقبلة. وهنا تكمن المفارقة الأخطر: أن تتحول محاولة الخروج من مأزق سياسي داخلي إلى حرب أشد اتساعاً، وأن يصبح السعي إلى إنقاذ صورة الرئيس سبباً في تعميق أزمة الدولة التي يقودها.

وتزداد خطورة هذا الاحتمال مع تداخل الحسابات الأميركية والإسرائيلية بشأن إيران، حيث قد تتقاطع رغبة ترامب في استعادة هيبته السياسية مع اندفاع إسرائيلي نحو حسم عسكري أوسع، رغم اختلاف المصالح والأثمان التي يتحملها الطرفان. ومن هنا يكتسب مستقبل التحالف الأميركي الإسرائيلي أهمية استثنائية، في وقت بدأ فيه الإجماع التقليدي حول الدعم غير المشروط لإسرائيل يتعرض لمساءلة متزايدة داخل المجتمع الأميركي. ومع أن التحالف يستند إلى مصالح ومؤسسات وروابط استراتيجية متجذرة، فإن كلفته وحدود الالتزام به باتتا موضوعاً للصراع السياسي، بعدما ظلتا لعقود من الثوابت شبه المحصنة.

إقرأ على موقع 180  التطبيع السعودي فرصة لفلسطين.. وإلا لاتَ ساعة مندم

وتكمن المعضلة الإسرائيلية في أن التفوق العسكري، وإن أتاح إخضاع الخصوم وإضعاف قدراتهم، فإنه يعجز عن إزالة المظالم والتناقضات السياسية التي تعيد إنتاج الصراع، وبالتالي لا يستطيع أن يشكل حلاً نهائياً له. وتبقى القضية الفلسطينية، في ظل غياب حل عادل، أحد جذوره الأساسية. فالردع قد يفرض هدوءاً مؤقتاً، لكنه لا يصنع قبولاً أو سلاماً مستداماً؛ ذلك أن استقرار العلاقات بين الشعوب يحتاج إلى تسوية تقوم على الحقوق والعدالة، لا إلى تكريس اختلال موازين القوة.

وهنا قد يتباعد منطق الحليفين. فقد ترى إسرائيل في استمرار الضغط على إيران ضرورة وجودية، بينما ترى واشنطن في توسيع المواجهة عبئاً على اقتصادها وتحالفاتها وأولوياتها العالمية. فالمصالح المشتركة لا تعني تطابق تقدير الأخطار، ولا تمنح أي طرف حقاً دائماً في تحديد أثمان الأمن التي يدفعها الآخر.

أما الخليج العربي، فقد وجد نفسه أمام مفارقة أشد حساسية. فالمظلة الأميركية التي وفرت جانباً مهماً من أمنه، قد تجعله عرضة لتداعيات قرارات لا يملك السيطرة عليها. وقد كشفت الحرب هشاشة المنشآت النفطية والغازية ومحطات المياه والممرات البحرية أمام احتمالات التصعيد، وأظهرت حدود تصور أمني يجعل استقرار المنطقة رهينة لتوازنات خارجية متقلبة.

وتفرض هذه التجربة إعادة التفكير في معنى الأمن الإقليمي نفسه. فتنويع مصادر السلاح والشراكات الدولية يظل ناقصاً ما لم يقترن بقدرة ذاتية على إدارة الخلافات، وبقواعد متبادلة تحدّ من استخدام القوة. والمطلوب انتقال تدريجي من التبعية الأمنية إلى الشراكة، ومن منطق إخضاع الخصوم إلى بناء ترتيبات تضمن أمن الدول المتجاورة، من دون التسليم بمطالب أي طرف أو إضفاء الشرعية على تهديداته.

وتتجاوز ارتدادات التحول الأميركي الشرق الأوسط. ففي أوكرانيا، يمتد الصراع من مصير الأراضي المتنازع عليها إلى طبيعة النظام الأمني الأوروبي وحدود النفوذ الروسي. وقد تسعى إدارة ترامب إلى تسوية تمنحها إنجازاً سياسياً، لكنها قد تضع كييف أمام تنازلات مؤلمة، وتعيد طرح سؤال الضمانات التي تحتاجها أوروبا.

وتكشف هذه الأزمة هشاشة الاعتماد الأوروبي الطويل على المظلة الأطلسية. فالقارة التي ربطت أمنها بالقدرة الأميركية تجد مستقبلها متأثراً بتقلبات السياسة في واشنطن. ويغدو استقلالها الاستراتيجي مشروعاً يتطلب بناء قدرات اقتصادية وعسكرية وسياسية، لا مجرد إعلان نيات. غير أن الانتقال إليه سيظل محكوماً بتناقض الحاجة إلى الحماية الأميركية والرغبة في التحرر من شروطها.

أما الصين، فتمثل تحدياً مختلفاً في طبيعته ومداه. فالمنافسة معها صراع طويل على التكنولوجيا والتجارة والموارد والنفوذ وقواعد النظام الدولي، وتحتل تايوان موقعاً بالغ الحساسية فيه. ولهذا يحظى التشدد تجاه بكين بتوافق أميركي أوسع من الخلاف حول إيران، وإن تباينت الوسائل والأولويات بين الحزبين.

وقد ترى الصين في الانقسام الأميركي فرصة لتوسيع هامش حركتها، لكنها تدرك أن المنافسة معها متجذرة في بنية المصالح الاستراتيجية الأميركية، وتتجاوز شخصية ترامب. وفي المقابل، تواجه واشنطن معضلة توزيع مواردها بين احتواء الصين، وإدارة الصراع مع روسيا، والتزاماتها في الشرق الأوسط. فكلما اتسعت ساحات التنافس، ازدادت احتمالات تحول الانتشار العالمي من مصدر للنفوذ إلى عبء على القدرة على توجيهه.

وتراقب موسكو وبكين هذا التحول من موقعين مختلفين. فقد تستفيد روسيا من الانقسام الأميركي في الملف الأوكراني، فيما تسعى الصين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي. لكن اختلاف مصالحهما وحدود قدراتهما يمنع اختزال العالم في مواجهة بين معسكرين متجانسين، كما يمنع اعتبار تراجع الانفراد الأميركي بالقرار مقدمة حتمية لنظام دولي أكثر عدلاً.

فقد يؤدي انتقال القوة من مركز واحد إلى مراكز متعددة إلى توزيع الهيمنة بدلاً من تجاوز منطقها. وهنا يتحدد الفرق بين تعددية الأقطاب وتعددية الشرعية: الأولى تعكس انتشار القدرة على التأثير، أما الثانية فتقتضي مشاركة الدول والشعوب في وضع القواعد التي تحكم مصيرها. وتغيير موازين القوة لا يكتسب قيمة تحررية بمجرد تبدل أصحاب الامتيازات، بل بمدى ما يتيحه من عدالة ومساءلة وتوازن في الحقوق والواجبات.

ومن هذا المنظور، تكشف انتخابات 2026 أزمة تتجاوز ترامب وحزبه، بل تتجاوز الولايات المتحدة نفسها. إنها أزمة العلاقة بين الإرادة الشعبية والسلطة المؤسسية، وبين القوة والشرعية، في نظام دولي تتسارع تحولاته فيما تتأخر مؤسساته عن مواكبتها. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك قدرات استثنائية على التأثير، وخصومها لم يمتلكوا شروط الحلول محلها، لكن قدرتها على قيادة العالم تواجه امتحاناً يتجاوز تفوقها المادي إلى مشروعية الغايات التي تستخدم هذا التفوق لتحقيقها.

وقد تحدِّد السنوات المقبلة اتجاه هذا التحول. فإما أن تدفع كلفة الصراعات الكبرى نحو تفاهمات تعيد تنظيم المنافسة على أسس أكثر توازناً، وإما أن يستمر العالم في انتقال مضطرب تتعدد فيه مراكز السيطرة، بينما تظل قواعد العلاقات الدولية عاجزة عن ضمان مشاركة عادلة في صنع القرار.

ولعل المفارقة التاريخية الأعمق أن القوة التي صنعت الهيمنة الأميركية قد تصبح، إذا أسيء استخدامها، أحد أسباب تآكلها. فالقدرة على فرض الإرادة لا تعفي الدولة من مسؤولية تحديد الغايات التي تستحق استخدام القوة من أجلها، ولا تمنحها شرعية دائمة في تقرير مصائر الآخرين.

وهنا يتحدد الامتحان التاريخي: هل تستطيع الولايات المتحدة الانتقال من الدفاع عن امتيازات الهيمنة إلى تأسيس شرعية القيادة، أم تواصل استنزاف تفوقها في حماية نظام تتراجع قدرته على إقناع العالم بعدالته؟

فالهيمنة قد تُنتزع بالقوة، أما القيادة فلا تستمر إلا بالشرعية.

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  وول ستريت جورنال: "المحمدان" يتمردان على بايدن!