عنوان فرض نفسه مع بداية التخطيط للكتابة، لأكتشف بعد قليل عنوانًا آخر بدا لي أدق، ونصه كالآتي: "نركض على طرق وعرة نحو نظم إقليمية متعددة، وفي الغالب متخاصمة".
عنوان فرض نفسه مع بداية التخطيط للكتابة، لأكتشف بعد قليل عنوانًا آخر بدا لي أدق، ونصه كالآتي: "نركض على طرق وعرة نحو نظم إقليمية متعددة، وفي الغالب متخاصمة".
ربَّما لا نجدُ بين الأمم المعاصرة أمَّةً يأنف حكّامُها من الانتماءِ إليها، ومن تحمُّل مسؤولية قضاياها مثل ما نحن عليه في حالتنا العربية. تخلٍّ تامٌّ، وانحطاطٌ عامٌّ. هذا إذا كان صحيحاً أنَّنا مرَرْنا بنهضةٍ فعليةٍ منذ العصر العبَّاسي، وعصر ملوك الطوائف حتى الآن.
تُشكل السيادة الترابية واحترام الحدود المعترف بها دولياً، الحجر الأساس الذي قام عليه نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، والمحدِّد الرئيسي لمعادلات الأمن والاستقرار في الدراسات الاستراتيجية المعاصرة. وينبثق هذا الإطار القانوني الصارم من ميثاق الأمم المتحدة، وتحديداً في نصوصه التي تكرس مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الدول الأعضاء. الميثاق، يفرض التزاماً حتمياً بالامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها، ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
تتناول هذه الورقة التحليلية التطلعات المستقبلية لمنطقة الخليج العربي بوصفها فضاءً جيوسياسياً واقتصادياً متصاعد الأهمية في النظام الدولي المعاصر، من خلال قراءة تحولات موازين النفوذ والقوة على المستويين الإقليمي والدولي.
العالم، ونحن جزء منه، يمر بمرحلة انتقالية، وقد علمتنا التجارب أن المراحل الانتقالية، وبخاصة تلك التي تنتقل فيها الأمم فجأة من حال إلى حال شديد الاختلاف، أو تلك التي تنتقل بإرادتها أو تحت الضغط والتهديد من الإيمان بعقائد إلى الإيمان بعقائد أخرى، أو تلك التي تتحول فيها بعض النخب الحاكمة من الالتزام بقواعد وأساليب ثقافة أو حضارة بعينها إلى تبني قواعد وأساليب ثقافة أو حضارة أخرى؛ هذه التجارب علّمتنا أنها عادة ما تكون هامة وإن صعبة وفي الغالب حرجة وعصية على التنبؤ بمستقبلها ومستقبلنا.
لم تكن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية بل لحظة كاشفة لتحول أعمق في بنية النظام الإقليمي في غرب آسيا، يتجاوز حدود الصراع المباشر إلى إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن والردع والتحالف.
كمراقبين، لبعضهم بعض الخبرة السياسية، وبعض الخبرة الدبلوماسية، وبعض الرغبة المستمرة في التعلم، وبعض القدرة على التحليل المتوازن والموضوعي، وبعض النوايا الوطنية والقومية، وبعض الذاكرة القوية، نعترف أننا نعيش أياماً مشهودة، الفضل فيها لرئيس دولة عظمى رأيناه يتصرف تصرفات مدهشة حيناً ولكن كارثية في أحيان كثيرة حتى رحنا نراقبه مراقبة لم يحظ بمثلها سلف ولا رفيق أو عدو.
ثمة ضرورة لإخضاع الموقف المتقلّب للرئيس الأميركي دونالد ترامب إزاء التصعيد الإسرائيلي الأخير في لبنان لتحليل عقلاني، بعدما بدت السياسة الأميركية "سوريالية" مع التخبط المستمر في التعامل مع أزمات غزة وأوكرانيا وإيران ولبنان وغيرها. لكن "السوريالية" المشكو منها ربما تكون مطلوبة إذا كانت استراتيجية واشنطن هي نفسها تحتمل أن تكون "استراتيجية اللا استراتيجية".
القراءات التي تحصر الحدث في سؤال الردع الموضعي، وفي معادلات الضربة والرد، تبقى عند حافة المشهد. نحن أمام حرب تتجاوز حسابات الصاروخ والهدف، إلى صراع على المعنى الجيوسياسي للمنطقة كلها: من يملك حق رسم الحدود المقبلة للنفوذ؟ من يدخل إلى النظام الإقليمي الجديد كقوة مقرِّرة؟ ومن يجلس على هامشه كقوة مستهلكة للأزمات؟
تجاوز الصراع في منطقة الشرق الأوسط منذ سنوات مفهوم المواجهة العسكرية التقليدية ليصبح عملية مستمرة لإعادة توزيع النفوذ وإعادة تعريف مواقع القوى، وتحديد أي الساحات تبقى مترابطة ضمن معادلة إقليمية واحدة، وأيها يجري فصلها وإخراجها من سياق الاشتباك الشامل.