النظام الدولي Archives - 180Post

800.jpg

في لحظة تتكثّف فيها الصراعات دون أن تُحسم، لم تعد الحروب مجرّد أدوات صراع، بل تحوّلت إلى مرآة تكشف حدود النظام الدولي نفسه. في هذا السياق، تبدو الحرب على إيران تعبيرًا مكثّفًا عن أزمة أعمق: تآكل المعنى الذي كان يمنح هذا النظام شرعيته وقدرته على الاستمرار.

Träumer.jpgcol.jpg

عندما تنقضي الحرب الأمريكية الإيرانية على إيران، تنشأ بعدها، أو في وقت لاحق، زلازل تُعاد فيها تقدير الأوزان، ويتغير كل شيء. ومن أهم التساؤلات التي ستطرح نفسها إثر الحرب مباشرة: ما حجم التغيرات والانقلابات المرشحة للحدوث في بنية النظامين الإقليمي والدولي؟

4A8.jpeg

تطرح الحرب الأميركية الإسرائيلية المستمرة على إيران، للأسبوع الخامس على التوالي، إشكالية مركّبة تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتطال بنية النظام الدولي، ومكانة الولايات المتحدة فيه، وحدود استخدام القوة في إدارة الأزمات. وفي ظل تصاعد التوتر حول مضيق هرمز، وتزايد الضغوط الداخلية الأمريكية، يمكن مقاربة مسار الصراع من خلال تحليل سيناريوهين رئيسيين: التسوية السياسية، أو التصعيد العسكري.

800-1.png

في جزء من الثقافة السياسية الغربية، يمكن ملاحظة ميلٍ واضح إلى مقاربة الصراعات الدولية من زاوية أخلاقية تجريدية، تقوم على افتراض إمكان الحكم على الأحداث من موقع حياد كوني مفترض.  يظهر هذا الميل في أوساط تميل إلى معالجة الصراعات العالمية ضمن إطار أخلاقي مجرد. هذا المنحى غالباً ما يتغذى من تقليد المركزية الأوروبية، حيث يُنظر إلى أوروبا - أو إلى الغرب عموماً - بوصفه موقعاً معيارياً قادراً على إصدار الأحكام الأخلاقية الكونية على بقية العالم.

one_dollar___vasco_gargalo.jpg

دخل العالم في مرحلة ما يُعرف بـِ"السيولةِ الإستراتيجيّة". نحو ثلاثةِ أسابيع من الحرب على إيران أظهرت أنَّ الكولونياليّة الرأسماليَّة الأميركية – الصهيونية تريد أن تقاتل للحفاظ على ما تراه مصالحها أو تحرق الكوكب. هنا يبرز واضحاً معنى السيولة الإستراتيجية الخطير، فالحرب مسرحها الآن إيران لكنَّ التشابك الجيو- سياسي يجعل تقسيم خط النار مستحيلاً. هو واحد متصل من أوكرانيا إلى غرب أوروبا فإلى الشرق الأوسط، ومن روسيا إلى وسط آسيا، ومن الصين إلى برِّها المجاور وأعالي البحار.

801-3.jpg

لم تعد الحروب التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم مجرد مواجهات عسكرية بين أطراف إقليمية متنازعة، بل باتت جزءاً من مشهد أوسع يعكس التحولات العميقة التي يمر بها النظام الدولي. فالمواجهات الدائرة في المنطقة تكشف عن طبقات متعددة من الصراع: طبقة ظاهرة تتجسد في العمليات العسكرية المباشرة، وأخرى أعمق تتعلق بإعادة توزيع القوة والنفوذ بين القوى الكبرى في العالم.

750-1.jpg

خُماسيّةُ إيرانَ استثناءٌ كبيرٌ. سبقتْها ستالينغراد في الحربِ العالميّةِ الثانية، وهي الأولى في الراهنِ المعاصر بعد كوبا وفيتنام. يقعُ التمايزُ بينها جميعاً في المنطلقاتِ الفكريّة، وينشأُ التشابهُ التطبيقيُّ في الميدانِ السياسـو-إستراتيجي. كلُّها كانت حروبَ تصدٍّ للكولونياليّةِ الرأسماليّة، والرمزُ الأعلى فيها كان مواجهةَ الولاياتِ المتحدة. ولقد انهزمت فيها كلُّها.

810.jpg

العدوان الذي تشنه الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل ضد إيران تتويجاً لأكثر من أربعين عاماً من الحصار والعقوبات الاقتصادية والاغتيالات والعدوان العسكري في العام المنصرم، ليس مجرد مواجهة طارئة بسبب البرنامج النووي الايراني، بل استمرار لمسار طويل من السياسات الأميركية الرامية لتغيير الأنظمة التي تُعتبر خارج مدار الهيمنة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

750-1.png

الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يمكن قراءتها كجولة عسكرية معزولة، بل كحلقة مفصلية في مسار إعادة تشكّل النظام الدولي. ما يجري هو تعبير مكثّف عن انتقال العالم من لحظة أحادية قطبية إلى مرحلة تعددية صراعية، تتقابل فيها رؤيتان متناقضتان لمفهوم القوة والشرعية والسيادة. إننا أمام صدام بنيوي بين فلسفة ترى أن الاستقرار يُنتَج عبر الهيمنة المنظَّمة، وأخرى تعتبر أن مقاومة الهيمنة شرطٌ لإعادة التوازن