النظام الدولي Archives - 180Post

760-1.jpg

يستعد الأميركيون للاحتفال بمرور قرنين ونصف على إعلان استقلال الولايات المتحدة. يسبق هذا العيد مناسبات أخرى تستحق أيضًا أن يتفرغ الرأي العام الأميركي للاستعداد لها وهو مرتاح نفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا. نحن أيضًا، وأقصد جمهرة صناع الرأي، أميركيين كنا أم أجانب، نشعر بأن واجبنا يحتم علينا أن نساهم في هذه الاستعدادات. اخترت شخصيًا أن أستعد بحصر أولي لمجمل الإنجازات التي حققتها الولايات المتحدة، ومجمل الإخفاقات التي وقعت نتيجة أعمال من أطراف أجنبية ومن مسؤولين أميركيين ومؤسسات داخلية.

Hormuz_Trump.jpg

لم تكن القوة في التاريخ كافيةً وحدها لصناعة الهيبة، ولا كان التفوّق العسكري ضمانةً للاستقرار. فقد أثبتت تجارب الدول الكبرى، من روما إلى الإمبراطوريات الحديثة، أن اللحظة التي تتحوّل فيها القوة من أداةٍ إلى غاية، هي ذاتها اللحظة التي تبدأ فيها بالتآكل من الداخل. من هنا، لا يمكن قراءة سياسات دونالد ترامب بوصفها مجرد خيارات عابرة، بل كأعراض لخلل أعمق في فهم دور القوة وحدودها. خللٌ يجعل من الاخضاع والاستعراض بديلاً عن الاستراتيجية، وهذا ما يضع العالم أمام معادلة خطيرة: قوة عظمى تتصرف، دولياً، بلا ضوابط أخلاقية، في ظل نظام دولي لم يعد يحتمل المزيد من الاختلال.

hormoz.jpeg

لا يجوز النظر إلى ما يجري اليوم في منطقتنا بوصفه مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لأن هذه الصورة، على صخبها، لا تعدو كونها السطح الظاهر لزلزال أعمق بكثير: زلزال يختبر قدرة الاقتصاد العالمي على الاحتمال، ويمتحن تماسك نظام دولي لم يعد يمتلك لا العقل الجماعي اللازم لاحتواء الصدمات، ولا الإرادة السياسية المشتركة التي تتيح للقوى الكبرى أن تدير خلافاتها من دون أن تدفع العالم كله إلى حافة الاختناق.

charge20260411B.jpg

لم يعد من الممكن قراءة الاقتصاد العالمي اليوم بالمعادلات الكلاسيكية التي تربط العرض بالطلب، ولا حتى عبر دورات التضخم والانكماش المعهودة، إذ إن ما يتكشف تدريجيًا هو انتقال نوعي في طبيعة الأزمات نفسها. فبدل أن تبقى هذه الأزمات ضمن نطاق الصدمات الاقتصادية القابلة للاحتواء، باتت تتحول إلى اختناقات جيوسياسية تعيد تعريف قواعد اللعبة من أساسها.

750-7.jpg

تطرح هذه الدراسة فكرة أن الشرق الأوسط لا يعيش مجرد حالة عدم استقرار، بل يشكّل فضاءً بنيويًا يُعاد فيه تعريف النظام الدولي من خلال التفكك المُدار. فبدل أن يكون التفكك مؤشرًا على انهيار النظام، أصبح أحد شروط اشتغاله، حيث لا تُحلّ الصراعات بل تُدار وتُضبط ضمن توازنات مرنة. ومن خلال ربط ديناميات الحرب في أوكرانيا، والمواجهة مع إيران، والتوتر حول تايوان، يبيّن النص كيف تتقاطع هذه الساحات ضمن إطار عالمي واحد، يتجسد أثره الأوضح في الشرق الأوسط. كما يقدّم مفهوم “الاستقرار المُدار” بوصفه النمط الغالب في المرحلة القادمة، حيث يُعاد تعريف الأمن لا عبر إنهاء النزاعات، بل عبر التحكم بإيقاعها. وفي هذا السياق، تبرز القضية الفلسطينية بوصفها اختبارًا بنيويًا لشرعية أي نظام إقليمي قادم، بما يعكس أزمة أعمق تتعلق بقدرة النظام الدولي على إنتاج معنى مستدام لوجوده.

EditorialCartoon_TrumpCrisisManagement_4_7_26.jpg

نادراً ما تكون الحروب الكبرى في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية معزولة عن السياسة والاقتصاد. ثمة معادلات ترسمها النيران تتعلق بمن يملك حق تحديد قواعد نظام إقليمي جديد سيرسم ملامح النظام الدولي الجديد. في هذا السياق، تكتسب المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران معناها الحقيقي بوصفها صراعاً على ما بعد الحرب، لا على وقائعها الميدانية المباشرة فقط. 

6_4_Ultimatum-Kopie.jpg

وضع دونالد ترامب المنطقة والعالم أمام مواعيد واحتمالات تفوق التوقعات المرصودة من صُنّاع السياسات، لا سيّما أنه جزم في خطاباته المتتالية بأنه سيدمّر إيران في أربع ساعات إذا لم تقبل الصفقة المطروحة عليها، فيما حلفاؤه التاريخيون في المنطقة يتحضّرون لنتائج "الجحيم الأميركي الموعود"، بينما دول مثل روسيا وباكستان وتركيا ومصر وسلطنة عُمان وقطر تعمل بأقصى طاقاتها لإيجاد تسوية تحمي المنطقة والعالم من تداعيات ما بعد "الجنون الترامبي"!

lauzan-cultibomba.jpg

ليس مبالغة القول إن مقاربة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بوصفها تعبيراً عن أزمة أعمق في منظومة عالمية مأزومة، تُبرّرها عوامل الترابط والتفاعل الجيوسياسية والجيواقتصادية، ومنها موقع إيران المحوري واحتياطات الطاقة وممراتها والتي تجعلها لاعباً حاسماً في سياسات الطاقة العالمية.

charge20260330A.jpg

في لحظة تاريخية تتصدّع فيها الأرضية التي كان يُبنى عليها النظام الدولي، يُصبح العالم أشبه بمختبر حي لفهم ما يحدث حين ينهار "المعنى المشترك"، وحين تتوقف القوى عن قراءة بعضها البعض ضمن لغة واحدة، وحين تصبح القواعد نفسها موضوعًا للصراع. هنا، لا تتحدد الأزمات بموازين القوة أو بحسابات النفوذ فحسب، بل بانزلاق إدراكي يجعل من كل خطوة محتملة إشارة خطر، ومن كل فعل قرارًا غير مقصود يدفع التاريخ نحو مسارات لم تُخطط لها العقول. وفي قلب هذا المختبر العالمي، تلعب الولايات المتحدة، الصين، وروسيا دورًا مركزيًا، ليس فقط كقوى منفردة، بل كمكونات ثلاثة يمكن أن تتقاطع في إطار لقاء قمة محتمل يرمز إليه اليوم بـ"يالطا 2"، لإعادة ضبط قواعد الصراع الدولي على أسس جديدة.