حراك الشارع اللبناني يدفن القانون الأرثوذكسي

Avatar18019/10/2019
من يجول في وسط العاصمة اللبنانية، اليوم، يجد نفسه أمام مشهد غير مسبوق. فتيات وفتيان في مقتبل العمر. عائلات تضيق بها الدروب من الأشرفية والصيفي والمرفأ ورأس بيروت وعين المريسة وبرج المر وسليم سلام. كلهم، يأتون حاملين الأعلام اللبنانية وما تيسر من مياه وعصير وكمامات. هدوء جميل يشي بحراك لم نشهد مثيلا له في السنوات الماضية. الحشد سيكون هذه الليلة وغدا الأحد أكبر من حراكات 8 و14 آذار/مارس 2005، وحتى من حراك تموز/ يوليو 2015.

ما يجري في ساحات وشوارع بيروت ومعظم المدن والمناطق اللبنانية، بطريقة عفوية وصادقة، إن دلّ على شيء، إنما على أن اللبنانيين هم أفضل من طبقتهم السياسية بملايين المرات. هنا، يصبح السؤال بديهيا: من ينتخب هؤلاء النواب حتى ينعقد النصاب لهم مرة تلو أخرى، وهل يمكن لهؤلاء الناس الغاضبين أن يعطوا أصواتهم مرة جديدة لهذه الطبقة السياسية التي يتهمونها بأنها هي المسؤولة عما آل إليه وضع لبنان من مديونية عالية وعجز في الميزانية وتراجع الخدمات والقطاعات الإقتصادية من زراعة وصناعة وسياحة وتردي أحوال الفقراء وذوي الدخل المحدود، فضلا عن تراجع القدرة الشرائية لدى ما تبقى من طبقة وسطى، لطالما شكلت صمام الأمان لهذا البلد؟

الإنطباع السريع الذي يتكون عند من يتنقل بين ساحتي رياض الصلح والشهداء نزولا إلى جريدة “النهار” وفندق “لوغراي” قبالة الساحل البحري الشمالي للعاصمة، أن القانون الأرثوذكسي هو أول ضحايا هذا الحراك الإجتماعي. ليس صحيحا أن الناس لا تريد إلا أن تنتخب أو تحاسب زعيمها. الصحيح أن الناس تتفاعل مع بعضها ولا تستطيع أن تميز بين هذا الفقير وذاك. بين هذا الموجوع وذاك. لذلك، ثمة فرصة تاريخية قد لا تتكرر، إذا أحسن القيمون (وهذه أبرز ثغرة في الحراك، أي إنعدام القيادة والرؤية الواحدة) في التعامل مع التطورات بطريقة واقعية ومتدرجة ومن دون إنفعالات أو كبير أوهام.

قد يتدخل أحد، جهة سياسية أو رسمية أو حتى بضعة أفراد، بما يهدد بإنحراف التحرك عن أهدافه السلمية من خلال الآتي:

أولا، من قبل السلطة نفسها كما حصل، أمس الجمعة، عندما قام بعض عناصر أجهزة مكافحة الشغب بالتسلل بين المتظاهرين لإطلاق الحجارة والقناني على القوى الأمنية، لإستدراجها إلى التعامل بقوة وخشونة مع المتظاهرين، الأمر الذي أدى إلى وقوع عشرات الجرحى، فضلا عن توقيفات طالت العشرات من الناشطين في الحراك.

حتى الآن، يشي سلوك القوى الأمنية كلها، بأنها لم تخرق الخطوط الحمراء، وهذا السلوك، عكسه بيان قيادة الجيش اللبناني بتضامنها الكامل مع مطالب المتظاهرين

ثانيا، يمكن أن يجد الحراك الحالي نفسه أمام ظاهرة تتكرر في كل التحركات والتظاهرات السابقة، عندما يأتي الآلاف من بيئات إجتماعية مسحوقة، وهم يشكون، عن وجه حق، من البطالة وإنعدام فرص العمل تحديدا، أو ممن لا يجدون ما يملأون به أوقاتهم الضائعة إلا بالممنوعات، وهؤلاء، قد يأتون إلى الساحات بعفوية، لكن يصعب التنبؤ بسلوكياتهم، ولذلك، يمكن أن يشكل بعضهم خطرا على الحراك، الأمر الذي يقتضي محاصرتهم وعدم جعلهم يتقدمون الصفوف، مخافة أن يبادروا إلى أفعال يمكن أن تؤذي التحرك السلمي بدل أن تفيده.

ثالثا، أكبر خطر على الحراك من أهل السلطة أنفسهم من دون إستثناء، فإذا قررت أية قوة سياسية، دفع مجموعاتها إلى الساحات، ليس في بيروت  وحسب، فإن بمقدور هذه المجموعات إفتعال إستفزازات سواء بين المتظاهرين أنفسهم (هتافات منددة بزعيم وفي المقابل، هتافات مؤيدة لزعيم آخر)، أو حتى إفتعال إشكالات مع الأمن، وصولا إلى إستدراج مجموعات مسلحة من خارج الساحات، لتخويف المتظاهرين وجعلهم يفكرون مليا، قبل أن يقرروا النزول مجددا إلى الساحات والشوارع.

حتى الآن، يشي سلوك القوى الأمنية كلها، بأنها لم تخرق الخطوط الحمراء، وهذا السلوك، عكسه بيان قيادة الجيش اللبناني بتضامنها الكامل مع مطالب المتظاهرين المحقة بتحسين أوضاعهم المعيشية ودعوتها إليهم إلى التظاهر السلمي وعدم التعدي على الأملاك العامة، فضلا عن دخول الجيش على خط الحراك في الجنوب بحماية التجمعات الاحتجاجية ومنع أية مظاهر مسلحة، خصوصا في ضوء ما حصل في صور وعلى أوتوستراد صور ـ صيدا في الجنوب اللبناني، من مظاهر مسلحة وتعرض لبعض مجموعات الحراك.

وفي الوقت نفسه، بدا واضحا أن بعض المجموعات المشاركة في الحراك، مارست أكبر قدر ممكن من ضبط النفس وحرصت على إبلاغ المشاركين، سواء في بيروت، وكذلك في باقي المناطق، بأن العسكريين من جيش وقوى أمن وشرطة مجلس نيابي، هم جزء لا يتجزأ من الحراك، وأن هؤلاء، كما عائلاتهم، متضررون من أية ضرائب تطال ذوي الدخل المحدود.

Avatar

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course