تركيا تتراجع عن “خطوطها الحمراء” في إدلب: البحث عن مسارات سياسية جديدة

تصعيد عسكري متواصل تشهده محافظة إدلب، مع استمرار تركيا في استقدام تعزيزات عسكرية وتوزيعها ضمن نقاط عسكرية خارج خريطة الاتفاق الروسي – التركي في سوتشي العام 2018، في وقت يتابع فيه الجيش السوري عملياته بدعم روسي لتضييق الخناق على الفصائل المسلحة المنتشرة في المحافظة، والتمهيد لفتح طريق حلب – اللاذقية، والذي كان من المفترض أن تقوم تركيا بفتحه وتأمينه قبل نحو عامين بموجب الاتفاقية، وسط تصادم سياسي وعسكري وجدت تركيا نفسها فيه "الحلقة الأضعف"، الأمر الذي أجبرها على تناسي الخطابات السياسية مرتفعة النبرة، وتهديداتها السابقة للجيش السوري بشن عملية عسكرية في حال لم ينسحب من المناطق التي سيطر عليها إلى حدود اتفاقية سوتشي قبل نهاية شهر شباط/فبراير الحالي، والذي أوشك على الانتهاء.

يتابع الجيش السوري عملياته العسكرية في ريف إدلب الجنوبي، حيث تمكن خلال اليومين الماضيين من التقدم والسيطرة على أكثر من 12 قرية وبلدة، بينها بلدة كفرنبل في ريف إدلب الجنوبي، والتي تتمتع بأهمية معنوية كبيرة لدى الفصائل المسلحة، خصوصاً أنها اكتسبت خلال سنوات الحرب شهرة واسعة إثر التظاهرات التي شهدتها، والعبارات التي حملت خلال تلك التظاهرات.

ويسعى الجيش السوري للسيطرة على جبل الزاوية، الذي يمثل المعقل الأهم للمسلحين في إدلب، وتعني السيطرة عليه إنهاء وجود المسلحين في المحافظة بشكل كبير.

على جبهة أخرى، شنت الفصائل المسلحة هجوماً عنيفاً تحت غطاء مدفعي تركي على مواقع الجيش السوري في بلدة النيرب، قرب مدينة سراقب، والتي تتمتع بأهمية استراتيجية كونها تشرف على عقدة الربط بين طريقي حلب – اللاذقية وحلب – دمشق.

وبينما نشرت الفصائل المسلحة تسجيلات مصورة تظهر تجول بعض العناصر في منطقة قيل إنها النيرب، ذكرت مصادر معارضة أن هذه التسجيلات تم تصويرها في مكان آخر، الأمر الذي زاد من ضبابية المشهد الميداني، خصوصاً في ظل التكتكم الإعلامي غير المعتاد في مثل هذا النوع من الهجمات.

بدورها أكدت مصادر سورية وقوع هجوم عنيف على البلدة، حيث أعادت قوات الجيش السوري انتشارها في المنطقة لتفسح المجال للطائرات الروسية وسلاح المدفعية لامتصاص الهجوم وإفشاله.

وتصر تركيا والفصائل المسلحة على تحقيق خرق في هذه المنطقة تحديداً، سعياً منها لوضع موطئ قدم لها ضمن منطقة استراتيجية من شأنها تغيير المعادلة السياسية، وإعادة الإشراف على الطريقين الدوليين اللذين خسرتهما تركيا نتيجة مماطلتها وعدم تنفيذ تعهداتها وفق اتفاقية سوتشي.

اللافت في العمليات العسكرية الأخيرة، اتساع دائرة المناطق التي تستهدفها الطائرات الروسية، فبينما كانت تستهدف خلال الفترة الماضية المناطق المحيطة بطريق حلب – اللاذقية، استهدفت الطائرات الروسية خلال الساعات الماضية مناطق في عمق إدلب، بعيداً عن مسار الطريق، الأمر الذي يفتح الباب أمام مجموعة من الرسائل الروسية إلى تركيا، أبرزها إمكانية اقتحام ادلب كاملة ونسف مسار المفاوضات الحالي بين موسكو وأنقرة بشكل نهائي.

وصعّدت القيادة العسكرية في سوريا من نبرة تصريحاتها خلال الأيام الماضية، خصوصاً بعد إعلانها وضع منظومات الدفاع الجوي في حالة تأهب لاستهداف أية طائرات تدخل المجال الجوي السوري بشكل غير مشروع، وهو ما تم فعلاً قرب بلدة داديخ، حيث أسقطت الدفاعات الجوية طائرة مسيرة من نوع ANKA-S وهي طائرة هجومية بعيدة المدى تحمل صواريخ موجهة.

البحث عن بدائل

خلال الأسبوعين الماضيين، وبالتزامن مع ارتفاع نبرة التصريحات التركية ضد سوريا وروسيا، أعلنت موسكو وأنقرة أكثر من مرة إمكانية عن حدوث لقاء يجمع الرئيسين فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان في حال “دعت الضرورة إلى ذلك”، قبل أن يجري الرئيس التركي اتصالاً هاتفياً بنظيره الروسي، يبدو أنه سمع خلاله كلاماً قاسياً، خصوصاً أن ما تسرب عن هذا الاتصال جاء ضمن خطوط عريضة دون أية تفاصيل إضافية، حيث ذكرت وكالة “الأناضول” التركية أن إردوغان اعتبر التصعيد العسكري السوري غير مقبول، في حين ذكر الكرملين أن الرئيس الروسي شدد على ضرورة محاربة الإرهاب.

في غضون ذلك، كثفت تركيا تحركاتها السياسية، فطرقت الباب الأميركي بحثاً عن منظومة “باتريوت” للتصدي لسلاح الجو الروسي، الأمر الذي رفضته الولايات المتحدة، قبل أن تطرق باب الاتحاد الأوروبي عبر فرنسا وألمانيا، ليبدأ الحديث عن إمكانية عقد قمة رباعية (روسية – تركية – فرنسية – ألمانية) في مدينة إسطنبول في الخامس من شهر آذار/مارس المقبل، الأمر الذي لم تنفه أو تؤكده روسيا حتى الآن بشكل قاطع.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وفي آخر تصريح له بدا أقل انفعالاً، وخفّض بشكل كبير من نبرة تصريحاته السياسية، كما لم يذكر أبداً أية مهلة للجيش السوري للانسحاب من المناطق التي سيطر عليها، معلناً أن لدى تركيا “خريطة طريق” لحل قضية إدلب، الأمر الذي يمكن اعتبره تراجعاً عن “الخطوط الحمراء” السابقة التي أيقن إردوغان استحالة تنفيذها.

وخلال المفاوضات التركية – الروسية الماضية، كانت أنقرة تتمسك بإدلب كجزء من مشروعها في الداخل السوري، وتعتمد في ذلك على اتفاقية سوتشي بحجة خوفها من “تسرب الإرهاب إلى أراضيها”، وخوفها من “موجات النزوح السوري التي لن تتحملها”، ولكن بعد مماطلتها وعدم التزامها بتعهداتها وفق ذات الاتفاقية رفضت روسيا هذه الرؤية، وقدمت، وفق ما تسرب عن اجتماعات الوفود الروسية التركية، منطقة جغرافية ضمن حدود ضيقة قرب الحدود لاستيعاب موجات النزوح، على أن تستعيد دمشق السيطرة على إدلب، وهو ما رفضته تركيا خصوصاً أن هذا العرض يعني خروج تركيا من إدلب بشكل شبه كامل، وإنهاء مباشر للمشروع التركي في الداخل السوري.

وأمام التطورات الميدانية الجديدة، ومتابعة الجيش السوري عملياته، والإسناد الجوي الروسي له، والرفض الأميركي والأوروبي التورط في أي حرب مع روسيا، يبدو أن تركيا أعادت ترتيب أوراقها بحثاً عن مخرج يحفظ لها ماء وجهها في الداخل التركي الذي مازال ينتظر وعود إردوغان وتنفيذ تهديداه من جهة، ولضمان تحصيل ما يمكن تحصيله من مكاسب ميدانية وفق المسارات السياسية، في ظل تعثر إمكانية تحقيق ذلك عسكرياً.

وعلى الرغم من حدة الخلاف الروسي-التركي إلا أن موسكو لم تغلق الباب بشكل نهائي أمام أنقرة، ويبدو أنها منفتحة لسماع تفاصيل طرحها الجديد، حيث أعلنت عن إرسال وفد عسكري وأمني إلى تركيا للاستماع إلى الطرح الجديد، والذي من المؤكد أنها سترفضه في حال مس بطريق حلب – اللاذقية، أو وضع عثرة أمام إمكانية حل الفصائل “الجهادية” المتمركزة في إدلب، وهو ما أعلنه صراحة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي أعلن رفض بلاده أي طرح يتضمن فرض هدنة جديدة مع “الفصائل الإرهابية”، وهو ما تفهمه أنقرة بشكل جيد.

علاء حلبي

صحافي سوري

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download